عالم الغد.. عالم اللاتسلسلية وعالم الهرميات المتقاطعة

Heterarchy لا تعني «انعدام التسلسل» تماماً، ولا تعني الفوضى، ولا تعني اختفاء القوى الكبرى. وربما الأدق أنها تعني إمكان ترتيب الوحدات بطرق مختلفة تبعاً للسياق والوظيفة. تعني نظاماً تتعايش داخله هرميات متعددة ومتقاطعة ومتغيرة؛ فقد تكون الدولة (أ) أعلى من (ب) عسكرياً، بينما تصبح (ب) أقدر على التأثير في (أ) في الطاقة أو التكنولوجيا أو الجغرافيا أو المعلومات. وهذا بالضبط ما يجعل الفكرة أعمق من مجرد «اللاهرمية».

فـHeterarchy ليست ببساطة نقيضاً للـ Hierarchy، وليست عالماً اختفت منه كل الهرميات، وإنما نظام تتعدد فيه الهرميات وتتقاطع، فلا تبقى هناك قمة واحدة ثابتة تستطيع ترتيب بقية الوحدات تحتها ترتيباً دائماً. أنه مصطلح معقد للغاية يشابه تعقيد السياسة والعالم اليوم.

وهذا المفهوم ليس وليد علم السياسة أصلاً؛ فقد جرى توظيفه في دراسة الأنظمة المعقدة، وعلم الأعصاب والبيئة والآثار ودراسات التنظيم والسياسة، وأصبح أداة لفهم الأنظمة التي لا تعمل حصراً من أعلى إلى أسفل، وإنما من خلال تفاعلات رأسية وأفقية وشبكية في آن واحد. ولا ينحصر تاريخ الـHeterarchy في المجال السياسي إنما يتعدى ذلك إلى الفيزياء الحيوية والأحياء الجزيئية؛ فتاريخ المفهوم وتطبيقاته أوسع بكثير. وهنا تبدأ أهمية المفهوم بالنسبة إلى العلاقات الدولية.

لقد قامت تصوراتنا عن عالم الحداثة، إلى حد كبير، على الهرمية Hierarchy: دولة عظمى في القمة، تليها قوى كبرى، ثم قوى متوسطة، ثم دول صغيرة، بحيث يفترض أن مقدار قدرة الدولة على التأثير يتناسب تقريباً مع موقعها في سلم القوة. وكنا نعتقد أن هذه الهرمية حاكمة للعالم بشكل لا مندوحة عنه. وهذا السلوك في التحليل النمطي هو الذي يفسر إلى حد كبيرعجز التحليل السياسي عن مطابقة الواقع!

ومن هنا جاءت تصورات الأحادية والقطبية الثنائية والتعددية القطبية. ومن هنا أيضاً يتم تصور النظام العالمي المقبل على أساس من تلك الهرمية. وهذا ما يفسر عدم مطابقة تلك التفاسير لما يحدث اليوم.

لكن ماذا لو لم يعد في العالم سلماً تراتبيًّا أصلاً؟ ماذا لو تحول إلى شبكة من السلالم المتقاطعة؟

***

قد تكون دولة ما في قمة الهرم العسكري، لكنها ليست في قمة هرم الطاقة. وقد تكون دولة أخرى محدودة عسكرياً، لكنها تحتل موقعاً بالغ الأهمية في سلاسل الإمداد. وقد يكون طرف ثالث صغيراً جغرافياً، لكنه يمتلك موقعاً أو مورداً أو تقنية أو عقدة مالية أو معلوماتية تجعله قادراً على التأثير في قرارات دول تفوقه عشرات المرات في الحجم والقوة. وكل ذلك في إطار تنامي قدرة الصغار في المفاصل العالمية. وهنا تحديداً تظهر الـ Heterarchy.

ولذلك فإن إحدى مشكلات التحليل السياسي التقليدي، والمستمر في بعض الأحيان، أنه ما يزال يبحث عن سؤال من نوع: من سيحكم العالم؟

أمريكا؟ الصين؟ أم تعدد أقطاب؟ أم تحالف من القوى الكبرى؟

بينما قد يكون السؤال نفسه قد أصبح قديماً ولا ينتمي إلى عالم اليوم.

فالسؤال الأجدر بعالم الغد قد يكون الآتي:

-هل سيبقى العالم قابلاً لأن تحكمه قوة واحدة أو حتى مجموعة محدودة من القوى؟ أم أن التداخلات البينية قد تدفع إلى شكل جديد من النظام العالمي المكون من قوى وقوى أصغر وشبكات تداخل وعقد وصل.. ‏والأمر هنا يتعدى الاعتماد المتبادل في تصور العالم المقبل.

قد تكون الولايات المتحدة القوة العسكرية الأولى، لكن ذلك لا يعني أنها تستطيع منفردة تحديد أسعار الطاقة، أو إعادة بناء سلاسل الإمداد العالمية وفقا لما تريد، أو السيطرة الكاملة على تدفقات المعلومات ورؤوس الأموال والتكنولوجيا والهجرة والرأي العام والشبكات الرقمية في اللحظة نفسها، والأهم أنها لا تستطيع أن تسيطر على عالم الذكاء الاصطناعي وبخاصة إذا تفلّت.

الصين، بدورها، قد تمتلك ثقلاً صناعياً وتجارياً هائلاً، لكن ذلك لا يُحوّل بقية الدول تلقائياً إلى وحدات مطيعة داخل هرم صيني.

إننا، بهذا المعنى، لا ننتقل فقط من Unipolarity الأحادية القطبية إلى Multipolarity التعددية القطبية، كما يتم الترويج له في تصورات مستقبلية عن النظام العالمي المقبل، وإنما ربما إلى شيء أكثر تعقيداً:

التعدد العُقَدي (Multinodality)

 لم تعد القوة موزعة فقط بين «أقطاب»، وإنما بين عُقَد Nodes؛ وبعض هذه العقد ليست دولاً أصلاً. فقد تكون شركة تكنولوجية. أو شبكة مالية. أو شركة تصنيع رقائق. أو منصة رقمية. أو منظمة دولية أو حتى منظمات متعدية الجنسيات. أو صندوقاً سيادياً. أو جماعة مسلحة. أو شبكة اتصالات. أو ميناءً تديره دولة غير الدولة التي ينتمي إليها هذا الميناء، أو ممراً بحرياً. أو منظومة أقمار صناعية…

وهنا يصبح العالم أكثر تعقيداً بكثير من عالم القطبية التقليدية. ومن عالم متعدد الأقطاب. ولا يجوز تصور العالم أنه لن يكون خارج هذين المصطلحين!

انقلاب العلاقة بين الحجم والتأثير

لعل أخطر ما تحمله اللاتسلسلية هو انهيار العلاقة البسيطة التي افترضناها تاريخياً بين الحجم والقوة والتأثير. فالدولة الصغيرة ليست بالضرورة قليلة التأثير. والمجموعات البشرية اللا دولتية ليست بالضرورة مجموعات مارقة. والدول الكبرى ليست بالضرورة قادرة على تحويل قوتها الكلية إلى سيطرة في كل ملف دولي؛ أي أن العالم الذي توجد فيه دولة عظمى كلية القدرة قد أصبح من أوهام الماضي.

‏لقد أصبحت المفاهيم متغيرة. إذ يمكن لدولة صغيرة تقع على ممر بحري استراتيجي أن تؤثر في اقتصاد عالمي أكبر منها بمئات المرات.

ويمكن لدولة محدودة السكان أن تصبح عقدة أساسية في إنتاج مادة أو تقنية لا تستطيع الاقتصادات الكبرى الاستغناء عنها.

ويمكن لقوة متوسطة أن تلعب بين قوى كبرى متنافسة فتحصل من كل واحدة منها على مساحة استقلال لا يسمح بها موقعها في الحساب الهرمي التقليدي.

أي أن القوة الكلية (Aggregate Power) لم تعد مساوية بالضرورة لـ القدرة الفعلية على التأثير Effecfive Influence.

وهذه، في تقديرنا، إحدى أهم قواعد عالم الغد. وبناء على كل ما سبق يمكن تصور النظام الدولي القادم بشكل أولي؛ باعتباره يجمع ما بين القوة القديمة ومجموعة القوى الموزعة في العالم.

من الدولة الحارسة إلى «الدولة المستجيبة»

لعل الأكثر عمقاً أن بعض أدبيات Heterarchy الحديثة تتحدث عن تحول الدولة من الدولة الحامية أو الحارسة (Guardian State) إلى ما يمكن تسميته Reactive State — الدولة المستجيبة أو التفاعلية.

أي أن الدولة الكبرى نفسها لم تعد دائماً هي التي تبدأ الفعل ثم ينتظر الآخرون نتائج قرارها، وإنما قد أصبحت مضطرة، في كثير من الأحيان، إلى الاستجابة لأفعال أطراف أصغر منها.

فقد تندلع أزمة في مكان هامشي فتغيّر دولة عظمى أولوياتها. إن ذلك أقرب في عالم الشبكات إلى أثر الفراشة في الشبكات!

قد يتعطل ممر بحري فتتحرك أساطيل و تستنفر شركات تأمين وتقوم بتعليق التأمين ما يؤدي إلى مشكلة كبيرة في سلاسل الإمداد.

قد تندلع أزمة في أسواق المال ما يؤدي إلى تبديل أولويات دولة عظمى وقد يعطل قرارها العسكري وليس قرارها السياسي فقط.

قد تفرض دولة متوسطة قراراً في الطاقة فتتغير حسابات اقتصادات أكبر منها.

قد تتعطل شركة أو عقدة تكنولوجية فتتأثر صناعات في عشرات الدول.

إذن، الصغير لم يصبح أكبر من الكبير؛ وهذه صياغة خاطئة متسرعة، بل أصبح الصغير يمتلك أحياناً نقطة اختناق Chokepoint يستطيع من خلالها إجبار الكبير على التفاعل معه وربما على تغيير استراتيجيات كبرى.

القوة لم تعد هرمية بل «مجالية»

ومن هنا أقترح التمييز بين القوة الشاملة التي كانت جزءا من النظام الكلاسيكي في تصور القوى، والقوة المجالية Domain-specific Power.

يمكن أن يكون طرف هو الأقوى عسكرياً، وآخر صناعياً، وثالث في الطاقة، ورابع في الرقائق، وخامس في المال، وسادس في المعلومات، وسابع يمتلك موقعاً جغرافياً لا يمكن تجاوزه. بمعنى أن القوة هي في المجال!

وبذلك لا نحصل على هرم واحد للقوة، بل على مجموعة خرائط للقوة موضوعة بعضها فوق بعض أو بعضها إلى جانب بعضها.

وهذا هو الجوهر الحقيقي للـHeterarchy: فمن يكون في الأعلى يتغير بتغير المجال. وبالتالي فإن الحديث عن الأعلى والأدنى قد بات من الماضي.

الهرمية المقلوبة

وقد يظهر هنا شكل أكثر إثارة يمكن تسميته: Inverted Hierarchy — الهرمية المقلوبة.

وهو الوضع الذي يمتلك فيه الطرف الأضعف قدرة غير متناسبة مع حجمه على فرض كلفة على الطرف الأقوى. ليس لأنه قد أصبح أقوى منه، بل لأن لديه قدرة على استغلال اعتماد Dependency أو نقطة ضعف Vulnerability لدى الطرف الأكبر. فليس هنالك طرف في العالم لا يعتمد على الآخرين، ولا يوجد طرف في العالم ليس لديه نقطة ضعف أو أكثر.

ومن هنا تظهر ظاهرة يمكن تسميتها:

Asymmetric Leverage — الرافعة غير المتكافئة.

فالقوة في القرن الحادي والعشرين قد لا تأتي فقط مما تمتلكه، بل من الشيء الذي يحتاج الآخر إليك فيه. ولم تعد صورة الدولة القوية في أنها ذلك البطل Hero الذي ليس لديه نقاط ضعف.

وهذه نقلة استراتيجية هائلة تستطيع أن تنقل مفاهيم القوة من الحالة المفردة، إلى الحالة الشبكية، والأهم العقد التي تربط تلك الشبكات، الأمر الذي يتجاوز الاعتماد المتبادل إلى التقاطعات المتبادلة مع أكثر من طرف في العالم، وهو بدوره يعقّد من التشابك complexity في التعاملات الدولية. وهو ما قد يؤدي لاحقاً إلى تغيير مفهوم الدول العظمى.

مثال المضيق الذي يصبح «أكبر» من الدولة التي يقع فيها

لنفترض دولة صغيرة جداً، لا تستطيع الانتصار عسكرياً على قوة كبرى، لكنها تقع عند ممر تمر منه نسبة مؤثرة من الطاقة أو التجارة العالمية.

وفق الحساب التقليدي: الدولة الكبرى أكبر من الدولة الصغيرة.

لكن وفق منطق الشبكة تصبح العلاقة:

العالم الممر الدولة الصغيرة.

هنا لا تصبح الدولة الصغيرة أقوى من الدولة الكبرى؛ بل يحدث شيء أدق بكثير:

جزء من قوة الدولة الكبرى أصبح يمر من خلال مساحة يسيطر عليها الطرف الأصغر. أي أن الصغير لا يمتلك قوة أكبر، بل يمتلك موضعاً داخل بنية قوة الكبير.

وهذه نقطة فلسفية استراتيجية شديدة الأهمية: ففي عالم اللاتسلسلية، قد لا تأتي القوة من امتلاك موارد أكثر من الآخر، وإنما من احتلال موقع يقع داخل سلسلة شروط قدرته على استعمال موارده.

من القوة التقليدية إلى «قوة العقدة»

في العالم الهرمي، كان السؤال: كم تملك الدولة من القوة الكمية أو النوعية؟

أما في العالم الشبكي المتداخل، فالسؤال يصبح: أين تقع الدولة داخل الشبكة؟

وهنا يظهر مفهوم بالغ الأهمية: Nodal Power القوة العُقدية.

ويمكننا أن نقول سلفاً أنه قد لا تكون العقدة الأكبر هي الأهم؛ بل قد تكون العقدة التي تمر عبرها أكبر كمية من العلاقات.

ويمكن تقريب الفكرة بمطار صغير نسبياً لكنه يمثل نقطة تحويل لا غنى عنها، أو بمضيق جغرافي محدود المساحة تمر عبره نسبة مؤثرة من التجارة العالمية. إذن: الموقع داخل الشبكة قد يعوض جزءاً من نقص الحجم. وتكون له أهمية تعدل من موازين القوى الكبيرة.

وفيما يلي مثال أعمق يمكن إدخاله في صلب البحث: مصنع الرقائق الذي يصبح أقوى من حاملات الطائرات

لنتصور دولة عظمى تمتلك آلاف الطائرات والصواريخ والأقمار الصناعية، لكنها تعتمد في جزء حاسم من صناعاتها المتقدمة على رقائق فائقة التطور لا تُنتج إلا عبر عدد محدود جداً من العقد الصناعية والتكنولوجية.

في الهرم العسكري، الدولة العظمى في الأعلى بلا منازع. لكن ما أن ننتقل إلى هرم أشباه الموصلات حتى تنقلب الخريطة: مصنع واحد، أو شركة واحدة، أو مجموعة آلات بالغة التخصص، تصبح عقدة لا تستطيع القوة العسكرية ببساطة أن تستبدلها في الزمن المطلوب.

إقرأ على موقع 180  هل يَشُلّ "التعايش الحكومي" ولاية ماكرون الثانية؟

وهنا تظهر مفارقة أعمق:

قد تستطيع القوة العظمى تدمير العقدة، لكنها لا تستطيع إنتاج الوظيفة التي كانت العقدة تؤديها.

وهذا تمييز بالغ الأهمية؛ لأن القدرة على تدمير الشيء ليست هي القدرة على الاستغناء عنه.

وهنا تتحول القوة من Power over، أي القدرة على إخضاع الآخر، إلى ما يمكن تسميته:

Power through indispensability — القوة عبر عدم قابلية الاستغناء.

وهذا تجسيد شديد العمق لفكرتنا عن Nodal Power؛ فالعقدة الأهم ليست بالضرورة الأكبر، وإنما العقدة التي يؤدي غيابها إلى اختلال الشبكة.

‏وهذا يقودنا إلى مفهوم جديد وهو:

العالم الـمتعدد المراكز Polycentricity

وهو عالم لا يوجد فيه مركز واحد لإنتاج القرار، وإنما مراكز متعددة متداخلة، لكل منها سلطة في مجال معين. وذلك في إطار من التعقيد متشابك complexity.

لكن Polycentricity ليست مطابقة تماماً لـHeterarchy؛ فالأولى تشير أساساً إلى تعدد مراكز القرار، بينما الثانية أوسع: إنها تصف العلاقات المتغيرة والمتقاطعة بين تلك المراكز والهرميات.

وقد يصبح النظام العالمي المقبل في الوقت نفسه:

-متعدد الأقطاب (Multipolar) من حيث توزيع القدرات الكبرى؛

-متعدد المراكز Polycentric من حيث مراكز اتخاذ القرار؛

-لا تسلسلياً Heterarchical من حيث بنية العلاقات؛

-شبكي العمل Networked من حيث آليات انتقال التأثير.

وهذه أربعة أبعاد مختلفة وقد تشكل بنية العالم والنظام العالمي الجديد.

القوة الشبكية Network Power

من يسيطر على الشبكة، أو على معيار تشغيلها، أو على بوابات المدخلات إليها، قد يمتلك نفوذاً يتجاوز موارده المادية المباشرة. وهذا واضح في المال العالمي والإنترنت والرقائق وأنظمة الدفع والمنصات الرقمية وسلاسل التوريد. ولهذا لم تعد السيادة مجرد سيطرة على الأرض.

بدأنا ننتقل تدريجياً من:

Territorial Power — قوة الإقليم والجغرافيا.

إلى: Network Power — قوة الشبكة

ومنها إلى:

Chokepoint Power — قوة نقطة الاختناق.

لكن يجب الحذر هنا من نتيجة متسرعة. ذلك أن اللاهرمية Heterarchy لا تعني أن الدول الصغيرة انتصرت على الدول الكبرى.

بل تعني شيئاً أكثر تعقيداً وخطورة:

أن الجميع أصبح قادراً على تعطيل الجميع بدرجات متفاوتة، بينما أصبح عدد أقل من الأطراف قادراً على ضبط النظام كله.

وهنا يكمن التبدل الكبير في النظام العالمي.

ففي النظام الهرمي، عندما تحدث أزمة، يمكن للقوة المهيمنة ـ نظرياً على الأقل ـ أن تتدخل لإعادة النظام.

وفي النظام اللاتسلسلي، قد توجد عشرات القوى القادرة على التعطيل Veto/Disruption دون وجود قوة واحدة قادرة على الضبط Control.

ومن هنا يمكن صياغة إحدى أخطر معادلات عالم الغد: قدرة التعطيل أصبحت موزعة أكثر من قدرة البناء.

وهذا ربما يكون أحد الأسباب البنيوية لتزايد الأزمات الممتدة التي لا يستطيع أحد حسمها.

من توازن القوى إلى «توازن نقاط الضعف»

وكان الفكر الاستراتيجي يتحدث طويلاً عن:

Balance of Power — توازن القوى.

لكن عالم Heterarchy يدفعنا إلى التفكير بمفهوم آخر:

Balance of Vulnerabilities — توازن نقاط الضعف.

فقد لا نسأل فقط: كم صاروخاً لديك؟

بل: ما الذي تستطيع تعطيله لديّ، وما الذي أستطيع تعطيله لديك؟ ومن يستطع تحمل التعطيل مدة أطول؟ أي أن سياسة عض الأصابع قد انتقلت إلى تحمل التعطيل.

وهكذا تتحول الاستراتيجية من مقارنة مخزون القوة كمًا ونوعاً إلى مقارنة شبكات الاعتماد والعقد والهشاشة في التحمل.

التشابك كسلاح

ومن هنا يظهر مفهوم شديد الأهمية هو:

Weaponized Interdependence — تسليح الاعتماد المتبادل.

فالعولمة التي كان يفترض أنها تجعل الحرب والصراع أكثر صعوبة لأنها تربط الجميع بالجميع، أنتجت مفارقة معاكسة:

كلما ازداد التشابك، ازدادت نقاط الضغط الممكنة. حيث أن التشابك يؤدي إلى توزيع نقاط الضعف لدى الدولة بعينها وفي إطار تعاملاتتها مع دول أخرى وهيئات ومجموعات.

فشبكة المال يمكن أن تصبح أداة ضغط. وشبكة الطاقة أداة ضغط. وسلسلة التوريد أداة ضغط. والبيانات أداة ضغط. والتكنولوجيا أداة ضغط. وحتى الهجرة والمياه والممرات التجارية يمكن تحويلها إلى أوراق استراتيجية.

وبذلك لم يعد الاعتماد المتبادل مجرد عامل سلام؛ بل أصبح أيضاً ترسانة غير عسكرية.

اللاقطبية Nonpolarity

تختلف اللاقطبية Nonpolarity عن اللاتسلسلية Heterarchy.

اللاقطبية تصف تشتت وتوزع القوة بين عدد كبير من الفاعلين؛

اللاتسلسلية تذهب أبعد من ذلك؛ لأنها تصف كيفية ترتيب هؤلاء الفاعلين وعلاقاتهم المتقاطعة والمتغيرة. فقد يكون العالم لا قطبياً، ومع ذلك يحتوي عشرات الهرميات القطاعية.

أي أننا قد لا نعيش نهاية الهرمية، بل ربما:

نهاية الهرم الواحد وبداية آلاف الأهرام الصغيرة المتقاطعة. وهذا ما يزيد في تعقيد المشهد المتشابك في العلاقات الدولية.

لماذا يصبح التنبؤ أصعب؟

في العالم الهرمي كان التنبؤ أسهل نسبياً. فإذا عرفت ما تريده القوى الكبرى، تستطيع تقريباً استنتاج اتجاه النظام ومفاعبل التعامل معها.

أما في عالم اللاتسلسلية فإن النتيجة الكلية قد تنشأ من تفاعلات لم يقصدها أي طرف منفرد.

وهنا نقترب مرة أخرى من نظرية التشابك في التعقيد omplexity Theory ومفهوم: Emergence الانبثاق.

أي أن النظام ينتج سلوكاً لا يمكن رده ببساطة إلى نوايا وحداته. إنما يحدث ذلك من خارج السياق الذي يريده بالفعل، أي كانبثاق!

فقد تريد دولة شيئاً عقلانياً من وجهة نظرها، لكن مجموع القرارات العقلانية الجزئية ينتج نتيجة عالمية لم يردها أحد ولا حتى تلك الدولة نفسها، وذلك بفعل التشابك والانبثاق.

وهذه واحدة من أكثر خصائص عالم الغد جدّة:

قد يصبح العالم أقل قابلية للتحكم، ليس لأن الفاعلين فقدوا العقلانية، بل لأن عقلانياتهم المتعددة والمتقاطعة تنتج لايقيناً كلياً.

مِن «من يحكم العالم؟» إلى «من يستطيع تعطيل ماذا؟»

يحتاج التحليل السياسي إلى تغيير جذري في أسئلته. وبدلاً من السؤال التقليدي: من يحكم العالم؟ يمكن طرح سلسلة مختلفة من الأسئلة:

من يسيطر على العقدة؟ وما هو حجم سيطرته؟ ومع من يتشارك في السيطرة؟ و من يملك القدرة في نقطة الاختناق؟ ومن يستطيع تعطيل الشبكة؟ ومن يعتمد على من؟ ومن يستطيع رفض طلب القوة الأكبر؟ ومن يستطيع فرض كلفة غير متناسبة مع حجمه؟ ومن يستطيع الانتقال بين الشبكات والتحالفات دون أن يقع تحت سيطرة واحدة منها ودون التعثر بمقتضيات العقد الشبكية؟

إن الدولة الأذكى في عالم الغد قد لا تكون الدولة الأقوى، وإنما الدولة الأكثر قدرة على التموضع بين الهرميات المختلفة.

وهنا يمكن أن نضيف مفهوماً آخر:

Strategic Interstitiality — التموضع الاستراتيجي البيني.

أي قدرة الفاعل على استغلال المساحات الواقعة بين مراكز القوة والشبكات المتنافسة للحصول على نفوذ يفوق حجمه الموضوعي.

الخطر النهائي: عالم يستطيع الكثيرون فيه قول «لا»

وهنا نصل إلى أخطر نتيجة: لطالما كان امتلاك القوة يعني القدرة على إجبار الآخرين على قول نعم.. أما عالم اللاتسلسلية Heterarchy فقد يوزع على عدد متزايد من الأطراف قدرة قول لا.

فالدولة الصغيرة تقول لا للدولة الكبرى. والشركة تقول لا للدولة. والدولة المتوسطة تقول لا للتحالفات. والجماعة النافذة تعطل مشروع دولة. والشبكة المالية تضغط على حكومة ما. والتقنية تمنح فرداً أو مجموعة صغيرة قدرات كان امتلاكها في الماضي يحتاج إلى مؤسسة أو دولة.

وبذلك قد لا يكون عالم الغد هو عالم «توزيع القوة» فقط، بل عالم:

Democratization of Disruption — دمقرطة القدرة على التعطيل.

وهذا ما يمكن أن ندعوه دمقرطة قول اللا!

لأن توزيع القدرة على البناء في العلاقات الدولية قد يكون إيجابياً، أما توزيع القدرة على التعطيل دون توزيع موازٍ للمسؤولية والقدرة على إعادة النظام فقد يقود إلى نظام عالمي عالي الهشاشة.

مثال شركة خاصة تستطيع أن تقول للدولة: «لا»

لنتصور حرباً تحتاج فيها دولة إلى اتصالات فضائية لحظية. لكنها لا تمتلك وحدها البنية التحتية اللازمة، وتعتمد جزئياً على منظومة أقمار صناعية تديرها شركة خاصة.

في النظرية السياسية التقليدية:

الدولة ذات سيادة، والشركة خاضعة للقانون.

لكن في اللحظة العملياتية قد تصبح المعادلة:

الدولة تمتلك الجيش، والشركة تمتلك الاتصال، والجيش يحتاج الاتصال لكي يستخدم جزءاً من قوته.

هنا تحدث Heterarchy حقيقية؛ لأننا لا نستطيع الإجابة عن سؤال «من الأعلى؟». الدولة أعلى قانونياً وسيادياً. لكن الشركة قد تكون أعلى وظيفياً في لحظة معينة. والجيش أعلى من حيث القدرة على الإكراه. لكن الشبكة أعلى من الجميع من حيث اشتراط إمكان الفعل.

وهنا نصل إلى فكرة عميقة جداً تقول:

قد تكون السيادة في عالم الغد موزعة بين من يملك القرار ومن يملك شروط تنفيذ القرار.

ولذلك أيضاً نقول: ربما لا يكون المستقبل أمريكياً، ولا صينياً، ولا روسياً، ولا حتى متعدد الأقطاب بالمعنى التقليدي.

قد يكون عالماً لاتسلسلياً Heterarchical World: عالماً من الهرميات الصغيرة والمتوسطة والمتداخلة، ومن العقد والشبكات ونقاط الاختناق والفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين؛ عالماً لا يختفي منه الكبار، لكنهم يفقدون احتكارهم لتوليد النتائج. إنه عالم ما بعد بعد الحداثة.

وهنا يصبح الفرق بالغاً بين:

امتلاك القوة، وامتلاك القدرة على التحكم في نتائج القوة.

وربما تكون المفارقة الكبرى في القرن الحادي والعشرين أن البشرية تمتلك قوة أكبر من أي وقت مضى، بينما تصبح قدرتها على التحكم بالنتائج الكلية لهذه القوة أقل.

وهذا هو الوجه الأخطر لعالم اللاتسلسلية:

ليس عالماً بلا نظام، بل عالماً تتكاثر فيه أنظمة جزئية كثيرة إلى درجة يصبح معها إنتاج نظام كلي مستقراً أكثر صعوبة.

الذكاء الاصطناعي: عقدة لا تعود خاضعة تماماً لأي هرم

وهذا ربما يكون المثال الأكثر انسجاماً مع خاتمة البحث.

لنفترض أن دولة عظمى تستخدم أنظمة ذكاء اصطناعي في الاستخبارات والأسواق والطاقة والدفاع السيبراني وسلاسل الإمداد.

من يملك القوة هنا؟

الدولة؟ أم الشركة التي بنت النموذج؟ أم الشركة التي تصنع الرقائق؟ أم الدولة التي توجد فيها مراكز البيانات؟ أم مالك شبكة الطاقة؟ أم مالك البيانات؟ أم المهندسون المبرمجون؟ أم الخوارزمية؟

لا إجابة واحدة.

الأكثر إثارة أنه إذا أصبحت الأنظمة الوكيلة Agentic AI تتفاعل بعضها مع بعض بسرعات تفوق قدرة المؤسسات البشرية على المتابعة، فقد تظهر نتائج لم يصدر بها قرار مركزي أصلاً. وهنا تتحول Heterarchy من: تعدد مراكز القرار، إلى شيء أشد جذرية: وهو تعدد مصادر إنتاج النتائج.

الجميع عقلانيون، لكن العالم يتصرف «بلا عقل»

لنفترض أزمة عالمية فيها العناصر العقلانية التالية:

شركة تخزن الرقائق خوفاً من النقص.

دولة تمنع تصدير مادة استراتيجية حمايةً لصناعتها.

مصرف يرفع السيولة احتياطاً.

شركة شحن تغير مسار سفنها.

شركة تأمين ترفع أقساط المخاطر.

مستهلكون يشترون احتياطياً.

كل طرف يتصرف بعقلانية كاملة من وجهة نظره.

لكن مجموع هذه العقلانيات يؤدي إلى انهيار سلسلة الإمداد.

إذن:

لا يوجد فاعل غير عقلاني، ومع ذلك أنتج النظام نتيجة غير عقلانية.

وهذا مثال فلسفي بالغ القوة على عبارتنا بأن اللايقين الكلي قد ينتج من «عقلانيات متعددة ومتقاطعة».

ويمكن أن تستخرج منه قاعدة: اللاعقلانية النسقية الناشئة من العقلانيات الموضعية: Systemic Irrationality from Local Rationalities.

***

في ختام هذا البحث قد يكون السؤال الاستراتيجي الأهم في عالم الغد ليس:

من سيكون القوة العظمى المقبلة؟

بل: هل سيبقى ممكناً أصلاً أن توجد قوة عظمى تستطيع تحويل تفوقها إلى قيادة فعلية لنظام عالمي أصبح أكبر من قدرة أي مركز واحد على ضبطه؟ وهذا بحد ذاته ما سيزيد من هشاشته ولا يقينه والتباسه وتشتت الصورة عنه. إنه سيبقى ذلك العالم المجبول باللايقين.

Print Friendly, PDF & Email
عماد فوزي شُعيبي

كاتب وباحث عربي

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  هل يَشُلّ "التعايش الحكومي" ولاية ماكرون الثانية؟