“قداسة الجثامين” ومراتبها إسرائيلياً.. من اليمن إلى غزة ولبنان

للكيان الصهيوني، كما نسمع دائماً، علاقة خاصة بالموتى. لا يكاد يمرّ تفاوض على أسرى أو رهائن أو قتلى حتى نستمع إلى العبارة ذاتها بصيغ مختلفة: الدولة لا تتخلى عن أبنائها، والجندي سيعود إلى أهله حياً أو ميتاً، واستعادة الجثامين واجب أخلاقي وقومي لا يسقط بالتقادم.

قد تمرّ سنوات، وقد تُعقد صفقات، وقد يُفرج عن أسرى، لكن الجثمان يجب أن يعود إلى عائلته. فالأسرة، كما يُقال لنا، لها حق مقدس في أن تعرف مصير ابنها، وأن تستلم رفاته، وأن تدفنه، وأن تقف أمام قبر يحمل اسمه. كلام نبيل جداً بالفعل. والمشكلة الوحيدة فيه أن ذاكرة الكيان نفسه تحتفظ بقصة طويلة عن آلاف العائلات التي طلبت الشيء ذاته تقريباً ولم تحصل حتى على قبر تزوره.

القصة تعود إلى السنوات الأولى لقيام الكيان الصهيوني، وإلى اليهود الذين قدموا من اليمن في واحدة من أكبر موجات الهجرة إليه. بين عامي 1949 و1950 نُقل عشرات الآلاف منهم في العملية التي عُرفت باسم «بساط الريح» أو «أجنحة النسور». وصل كثيرون بعد رحلات شاقة، منهكين وفقيرين، ثم وُضعوا في مخيمات استقبال و«معبروت» كانت تعاني الاكتظاظ ونقص الخدمات الصحية وسوء الظروف المعيشية. كان الأطفال، وخصوصاً الرضّع والمرضى، يُنقلون إلى دور حضانة ومستشفيات بحجة العلاج. ولا غرابة في أن يموت أطفال في بيئة كتلك؛ الأمراض وسوء التغذية كانا حقيقيين، ومعدلات وفيات الرضع كانت مرتفعة. الغرابة تبدأ بعد الموت المفترض: طفل يُؤخذ من أمه، ثم يختفي. تسأل عنه بعد يوم أو يومين فيقال لها: مات. تطلب أن تراه: لا جثمان. تسأل أين دُفن: لا جواب واضح. تطلب شهادة وفاة: لا وثيقة، أو وثيقة تأتي بعد سنوات، أو وثيقة تتضمن أخطاء في الاسم والتاريخ. ثم يُطلب من الأسرة أن تعتبر المسألة منتهية. هكذا ببساطة: كان لديكم طفل، ثم لم يعد لديكم طفل.

هذه ليست حكاية واحدة تناقلتها الذاكرة الشعبية حتى تحولت إلى أسطورة. أكثر من ألف عائلة ارتبط اسمها بالقضية، وغالبية الحالات كانت لعائلات يمنية، وإن شملت كذلك عائلات من أصول مزراحية وبلقانية أخرى. واللافت للانتباه أن النمط نفسه تكرر في عدد كبير من الشهادات: نقل الطفل إلى مؤسسة طبية، إبلاغ الأهل شفهياً بوفاته، عدم رؤية الجثمان، وعدم معرفة مكان الدفن. وبعد نحو ثمانية عشر عاماً وقع ما يصلح لأن يكون مشهداً من رواية سوداء لولا أنه موثق تاريخياً: بعض العائلات التي قيل لها إن أبناءها ماتوا وهم رضع بدأت تتلقى أوامر استدعاء عسكرية بأسماء أولئك الأبناء عندما بلغوا، بحسب سجلات الدولة، سن التجنيد. ففي أيلول/سبتمبر 1966 كانت رابطة للأهالي اليمنيين تعرض بالفعل على الحاخامية الرئيسية وثائق وشكاوى تتضمن تلقي أسر أوامر تجنيد لأبناء قيل لها قبل سنوات إنهم ماتوا.

وهنا وقعت البيروقراطية في الفخ الذي صنعته بيديها. فإذا كان الطفل قد مات فعلاً كما أُبلغ أهله، فكيف بقي في سجلات الدولة حياً إلى الحد الذي استدعي معه إلى الخدمة العسكرية بعد ثمانية عشر عاماً؟ عندئذ لا يعود الخلل تفصيلاً ورقياً صغيراً، بل يصبح دليلاً على أن منظومة تسجيل الوفاة التي طُلب من الأسرة أن تثق بها لم تكن هي نفسها قد سجلت وفاة ابنها بصورة متماسكة. أما إذا لم يكن الطفل قد مات، فالسؤال أخطر: أين ذهب؟ ومن نقله من أسرته؟ وبأي سلطة؟ لا يثبت أمر التجنيد، بمفرده، أن كل طفل تلقى استدعاءً كان قد اختُطف؛ فالخطأ البيروقراطي احتمال ممكن. لكنه يهدم الطمأنينة التي تفترضها الرواية الرسمية: ففي القضية التي يُقال للأهل فيها «ثقوا بالسجلات، لقد مات طفلكم»، كانت سجلات أخرى في الدولة نفسها تتعامل مع الطفل بعد ثمانية عشر عاماً كما لو كان حياً. الكيان الذي لم يستطع أن يحدد للأم قبر طفلها، استطاع، على نحو ساخر، أن يتذكر عنوانه عندما حان وقت الخدمة العسكرية في الجيش.

ليست فوضى إدارية بريئة

منذ ذلك الحين، دخل الكيان الصهيوني في المسار الذي تتقنه الدول عندما تتحول مأساة إلى فضيحة: تشكيل اللجان. جاءت لجنة بهلول–مينكوفسكي في الستينيات، ثم لجنة شلغي، ثم لجنة التحقيق الرسمية المعروفة بلجنة كوهين–كيدمي، التي عملت في التسعينيات وأصدرت نتائجها عام 2001. الخلاصة الرسمية العامة بقيت متشابهة: معظم الأطفال ماتوا بالفعل نتيجة المرض والظروف الصحية القاسية، ولا يوجد، بحسب الرواية الرسمية، دليل على مؤامرة حكومية مركزية منظمة لاختطاف أطفال اليمن وتوزيعهم على أسر أخرى. لكن اللجان نفسها لم تستطع حسم مصير عشرات الحالات، وأقرت بإمكان حدوث حالات تبنٍّ فردية خارج معرفة الأهل. أما المفارقة التي أبقت الجرح مفتوحاً، فهي أن الدولة كانت تطلب من العائلات أن تصدق وفاة أطفالها فيما عجزت في عدد كبير من الحالات عن تقديم أبسط ما يقدَّم عند الوفاة: جسد، قبر، أو سجل لا تناقض فيه. ولهذا لم يكن غريباً أن تبقى القضية حيّة حتى بعد اللجان الثلاث.

ثم بدأت الوثائق نفسها تقول أشياء أكثر إزعاجاً. في عام 2016 رُفعت السرية عن مئات الآلاف من صفحات ملفات التحقيق، وقدمت حكومة الكيان الخطوة باعتبارها تصحيحاً لخطأ تاريخي. لكن ما انكشف لم يكن قصة فوضى بيروقراطية في دولة فتية. ظهرت شهادات ووثائق نوقشت في الكنيست حول تجارب طبية أُجريت على أطفال يمنيين من دون موافقة ذويهم، وتشريح جثث من دون علم العائلات، واستخدام أعضاء في أبحاث طبية. وتضمنت المواد شهادات عن أطفال تعرضوا لمعالجات تجريبية، بينها حالة أربعة رضع ماتوا بعد حقنهم بمستحضرات بروتينية تجريبية. أي أن القضية، حتى إذا رفضنا أطروحة «الخطة المركزية لاختطاف الأطفال»، لا تختزل في سوء حفظ الملفات. إنها تكشف أيضاً طبيعة العلاقة بين مؤسسة حديثة شديدة الثقة بذاتها وبين مهاجرين فقراء لا يتحدث كثير منهم العبرية، تُعامل أجساد أطفالهم أحياناً كما لو أن سلطة القرار فيها انتقلت من الأسرة إلى المؤسسة الطبية والدولة.

والبعد الطبقي والعرقي هنا لا يمكن تجاهله. كان المجتمع الناشئ في الكيان الصهيوني خاضعاً إلى حد بعيد لنخبة أشكنازية أوروبية تنظر إلى كثير من المهاجرين القادمين من اليمن والعراق وشمال أفريقيا بعين أبوية مشبعة بفكرة «التحديث» و«التمدين». ولم تعد هذه القراءة قائمة فقط على شهادات العائلات أو على قراءة نقدية لاحقة للتاريخ. ففي عام 2021 أعدّ مسؤولون في وزارة الصحة، بينهم نائب المدير العام السابق البروفيسور إيتامار غروتو والمسؤولة عن مكافحة العنصرية شلوميت أفني، مسودة تقرير عن دور الطواقم الطبية في القضية. وخلصت المسودة إلى أن تصورات عنصرية وأبوية تجاه المهاجرين اليمنيين والمزراحيين أسهمت في فصل أطفال عن آبائهم، وتحدثت عن ضلوع أطباء وممرضات ومقدمي رعاية في نقل أطفال وفي بعض حالات التبني، تحت مبررات من نوع «مصلحة الطفل»، بل أوصت بأن تعمل المنظومة الصحية على الاعتذار عن دور العاملين فيها.

والدقة هنا ضرورية: هذه المسودة لم تعتمدها وزارة الصحة لاحقاً كتقرير نهائي؛ فقد خضعت لمراجعة انتقدت منهجيتها، وقررت الوزارة عدم تبني نتائجها وشكلت لاحقاً لجنة جديدة لفحص دور الطواقم الطبية. لكن هذه الحقيقة لا تجعل الوثيقة بلا دلالة. فنحن لسنا أمام اتهام كتبه ناشط من خارج المؤسسة، بل أمام مسودة أعدها مسؤولون كبار داخل وزارة الصحة نفسها، قبل أن تصبح موضوع نزاع داخل المؤسسة حول منهجيتها ونتائجها. وهذا وحده يكشف إلى أي حد يصعب اختزال القضية في عبارة مريحة من نوع «سوء تفاهم حدث في سنوات الفوضى الأولى».

وليست المسألة، بالطبع، أن كل طبيب أو ممرضة كان جزءاً من مؤامرة، ولا أن كل طفل مفقود قد اختُطف. هذا تبسيط لا يحتاج إليه النقد الجاد. المسألة أن ميزان القوة كان مختلاً على نحو هائل: أسرة يمنية وصلت للتو، فقيرة ولا تعرف اللغة، في مواجهة مستشفى وإدارة ومؤسسة دولة تمتلك وحدها الملف والختم والسجل وقرار نقل الطفل وقرار إعلان وفاته. وحين يقول الطرف الأقوى: «لقد مات»، يصبح مطلوباً من الطرف الأضعف أن يصدّق حتى عندما لا يرى الجثمان. وعندما تظهر، بعد سبعين عاماً، وثيقة من داخل الجهاز الصحي نفسه تناقش العنصرية والفصل والتبني ودور الطواقم الطبية، يصبح من الأصعب كثيراً تقديم القصة كلها باعتبارها مجرد فوضى إدارية بريئة. وهنا تحديداً تصبح قضية أطفال اليمن أكثر من لغز حول بضعة ملفات مفقودة؛ تصبح نافذة على الطريقة التي عومل بها قسم من اليهود الشرقيين في السنوات التي صنع فيها الكيان الصهيوني صورته عن نفسه.

قدسية الجثمان تسري على من؟

لكن التاريخ، كما يبدو، يتمتع أحياناً بروح ساخرة. في العام 2021 قررت حكومة الكيان الصهيوني تخصيص 162 مليون شيكل لتعويض عائلات مرتبطة بالقضية، مع «التعبير عن الأسف» والاعتراف بالمعاناة التي لحقت بها. لم يكن ذلك اعترافاً رسمياً بوجود عملية اختطاف ممنهجة، ولم يتضمن اعتذاراً كاملاً أو تحملاً للمسؤولية كما طالبت منظمات العائلات؛ لكنه يثير سؤالاً بسيطاً: إذا كانت القضية مجرد سوء فهم عابر نتج من فوضى الهجرة، فلماذا احتاجت، بعد سبعين عاماً، إلى مئات آلاف الوثائق ولجان تحقيق وتعويض بمئات ملايين الشواكل؟ وفي عام 2022 جاء فحص الحمض النووي لرفات يوسف ملاميد ليؤكد أن الجثمان الموجود في القبر هو بالفعل جثمان الطفل الذي اعتقدت عائلته أنه اختُطف. وهذه نتيجة مهمة ويجب قولها بوضوح، لأنها تثبت أن الشك العائلي لم يكن صحيحاً في تلك الحالة. لكنها تثبت شيئاً آخر أيضاً: أن الوصول إلى الحقيقة احتاج ثلاثة أرباع قرن وإلى فتح قبر وإلى علم الوراثة الحديث كي تحصل عائلة على اليقين الذي كان يفترض أن توفره الدولة منذ اليوم الأول.

إقرأ على موقع 180  المغرب.. مملكة مرتبكة بالتجسس والفساد وتراجع الهيبة!

وهنا نعود إلى الدولة التي «لا تترك جثماناً خلفها». لنتخيل للحظة أن جندياً من جنود الكيان اختفى اليوم، ثم أخبرت المؤسسة العسكرية والديه بأنه مات لكنها رفضت أن تريهما جثمانه، ولم تسلمهما شهادة وفاة موثوقة، ولم تقل لهما أين دُفن، ثم أرسلت إليه بعد ثمانية عشر عاماً أمراً للالتحاق بالخدمة العسكرية. هل كان مجتمع الكيان الصهيوني سيقبل تفسيراً من نوع «كانت هناك فوضى إدارية»؟ وهل كانت الصحافة ستطلب من الوالدين أن يطويا الصفحة؟ وهل كان السياسيون سيقولون إن سبعين عاماً فترة معقولة لرفع السرية عن الملفات؟ أم أن آلة الدولة الإعلامية والسياسية كانت ستجعل من استعادة الرفات قضية وطنية كبرى؟ يبدو، إذاً، أن «قدسية الجثمان» ليست مبدأ مجرداً بقدر ما هي جزء من رواية تنتقي أصحاب الجثامين الذين يستحقون أن يتحول موتهم إلى قضية وطنية، وأولئك الذين يمكن أن يبتلعهم النسيان.

لكن المفارقة لم تعد بحاجة إلى العودة سبعين عاماً إلى الوراء كي نراها. يكفي أن ننظر إلى ما جرى في غزة ولبنان في السنوات الأخيرة. فحتى 30 حزيران/يونيو 2026، كان قد أُبلغ عن مقتل ما لا يقل عن 21,700 طفل فلسطيني في قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إضافة إلى عشرات الآلاف من الأطفال الجرحى، وبين القتلى رُضّع لم يعرفوا من العالم سوى أشهر قليلة أو أياماً. وفي لبنان، كانت منظمة “اليونيسيف” قد سجلت 316 طفلاً قتيلاً منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى نهاية عام 2024 وحده، ثم عادت في عام 2026 لتوثق موجات جديدة من قتل الأطفال، منها 91 طفلاً أُبلغ عن مقتلهم خلال الأيام الأولى من التصعيد الذي بدأ في مطلع آذار/مارس، ثم 33 طفلاً آخرين قُتلوا، بحسب المنظمة، في غارات يوم 8 نيسان/أبريل (الأربعاء الأسود) وحده. لسنا، إذاً، أمام «استثناء مؤلم» أو خطأ يمكن دفنه في هامش الحرب؛ نحن أمام آلاف مؤلفة من أجساد الأطفال في غزة ومئات في لبنان، وبينها أجساد رُضّع، بينما يستمر الخطاب نفسه في الحديث عن حرمة الحياة وقدسية الجثمان وحق العائلة في أن تستعيد ابنها.

وهنا تصبح السخرية قاتمة إلى درجة تكاد تلغي الحاجة إلى السخرية نفسها. فالخطاب الذي يطلب من العالم أن يتوقف أمام جثمان واحد، وأن يعرف اسمه وعمره وقصة عائلته، يأتي من المنظومة العسكرية والسياسية ذاتها التي خلّفت وراء عملياتها أكثر من عشرين ألف طفل فلسطيني قتيلاً، ومئات الأطفال اللبنانيين. ليس السؤال هنا أي طفل يستحق الحزن؛ كل طفل يستحقه. السؤال هو كيف تُبنى منظومة كاملة تجعل بعض الأطفال أسماءً وصوراً وقصصاً تستدعي العالم كله، فيما يتحول أطفال آخرون إلى رقم يتزايد أسفل بيان صادر عن منظمة دولية. كيف يمكن لجثمان أن يصبح دليلاً على «الإنسانية» حين يكون صاحبه من أبناء الكيان، فيما لا تكاد آلاف الأجساد الصغيرة تحت الركام في غزة ومئات الأجساد في لبنان تخدش تلك الصورة الأخلاقية التي يُكرّرها الخطاب الرسمي؟

هوة سحيقة بين الخطاب والممارسة

ولعل أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 تجعل هذه المفارقة أكثر تعقيداً من ذلك أيضاً. لا حاجة إلى اختراع رواية معاكسة أو إلى الزعم بأن جيش الكيان الصهيوني قتل جميع أو معظم الذين سقطوا في ذلك اليوم؛ فهذا ادعاء لا تسنده التحقيقات المتاحة، كما أن مقاتلي حماس قتلوا بالفعل أعداداً كبيرة من المدنيين والعسكريين في الكيان. لكن الرواية الأخرى، التي تريد تصوير جيش الكيان كجهاز لا يمكن أن يعرّض حياة مواطنيه أو جنوده للخطر إذا تعلق الأمر بمنع أسرهم، لم تعد قابلة للدفاع عنها أيضاً. فقد كشفت تحقيقات صحافية استندت إلى وثائق وشهادات ضباط وجنود أن أوامر مرتبطة بمنطق «إجراء هانيبال» استُخدمت في 7 تشرين الأول/أكتوبر في عدد من المواقع، وأن أوامر صدرت لمنع مركبات من العودة إلى غزة في ظروف كان معروفاً فيها أن بعضها قد يحمل رهائن من مواطني الكيان. ولم تستطع التحقيقات تحديد عدد من أصيبوا بنيران جيش الكيان نتيجة ذلك، لكنها أكدت أن المخطوفين تعرضوا لخطر النيران الصادرة من قواته.

والأهم أن المسألة لم تعد مجرد اتهام من خصوم الكيان. ففي كانون الثاني/يناير 2025 نشر جيش الكيان الصهيوني نفسه نتائج تحقيقه في مقتل تومر إلياز–أرافا وديكلا أرافا في ناحال عوز. وخلص إلى أن الاحتمال «مرتفع جداً» بأن تومر قُتل خطأ بنيران جنود من قواته بعد أن اشتبهوا به، وأن هناك «احتمالاً معقولاً» بأن ديكلا قُتلت هي الأخرى بنيران قوات الكيان عندما أطلقت النار على المركبة التي كانت فيها مع خاطفيها. وفي بئيري أقر الجيش بأن دبابة أطلقت النار خلال مواجهة في منزل كان بداخله رهائن، وإن كان تحقيقه الرسمي قد قال إنه لم يجد دليلاً على أن قذائف الدبابة قتلت المدنيين في الداخل. أي أن الجيش نفسه يعترف اليوم بوقائع قتل بنيران قواته، فيما تكشف التحقيقات أن منع الأسر كان في بعض اللحظات مقدَّماً حتى على الخطر الواقع على الأسرى أنفسهم. وهذه الحقيقة وحدها كافية كي تجعل اللغة الأخلاقية المطلقة عن «قدسية حياة كل مواطن» و«إعادة كل شخص حياً أو ميتاً» أقل براءة بكثير مما تبدو عليه.

وحين نضع هذه الصور بعضها إلى جانب بعض، يتشكل أمامنا تاريخ أكثر اتساقاً مما قد يبدو للوهلة الأولى: طفل يمني اختفى في خمسينيات القرن الماضي ولم تعرف أمه أين دُفن؛ طفل فلسطيني انتُشل من تحت أنقاض منزله في غزة بعد سبعين عاماً؛ طفل لبناني انتهت حياته بفعل غارة جوية؛ ومواطن من أبناء الكيان وقع في 7 تشرين الأول/أكتوبر قتيلاً بنيران جيشه نفسه. الأزمنة مختلفة والظروف مختلفة، ولا ينبغي مساواة الوقائع التاريخية بعضها ببعض، لكن الخيط الذي يمر بينها هو الهوة بين الخطاب الأخلاقي عن «قدسية الحياة» والممارسة الفعلية حين تصبح حياة الإنسان عائقاً أمام مشروع سياسي أو عسكري أو أمام الصورة التي تريد المؤسسة أن تحافظ عليها عن نفسها.

أمهات اليمن طلبن قبل أكثر من سبعين عاماً أبسط ما يمكن أن تطلبه أم: أخبرونا أين أبناؤنا. إن ماتوا، أعطونا أجسادهم. إن دفنتموهم، دلونا على قبورهم. إن كانوا أحياء، أخبرونا بمن أخذهم. واليوم لا تحتاج أم فلسطينية أو لبنانية إلى درس في «قدسية الجثمان» من المؤسسة ذاتها التي قتلت عملياتها هذا العدد الهائل من الأطفال. هي تعرف معنى الجثمان جيداً. تعرفه حين تبحث بين الأنقاض عن يد صغيرة، وحين تنتظر إخراج طفلها من تحت مبنى، وحين يكون ما تبقى منه هو الشيء الوحيد الذي تريد أن تضمه للمرة الأخيرة.

وهنا تحديداً يسقط الادعاء الأخلاقي، لا لأن عائلة في الطرف الآخر لا تستحق معرفة مصير ابنها، بل لأن الحق الذي يُقدَّم بوصفه مبدأ سامياً لا يعود مبدأ حين يُطبق انتقائياً. فالحق الإنساني إما أن يكون حقاً للإنسان لأنه إنسان، أو يتحول إلى امتياز تمنحه الدولة لمن تعتبرهم أبناءها وتحجبه، في الممارسة والخطاب، عمن تضعهم خارج دائرة التعاطف.

ولهذا، في المرة المقبلة التي نسمع فيها مسؤولاً في الكيان الصهيوني يعلن أن الأرض ستُقلب من أجل استعادة جثمان واحد، وأن الدولة «لن تترك أبناءها خلفها»، يمكن أن نتذكر أن وراء هذه العبارة تاريخاً آخر لا يظهر عادة في الصورة: أطفال اليمن الذين انتظرت عائلاتهم عقوداً لتعرف أين ذهبوا؛ وأكثر من عشرين ألف طفل فلسطيني قُتلوا في غزة؛ ومئات الأطفال اللبنانيين الذين قُتلوا خلال عامين ونصف تقريباً؛ وأطفال رُضّع لم تتح لهم الحياة أصلاً كي يعرفوا لماذا كان موتهم أقل قدرة على استدعاء ذلك الخطاب عن «قدسية الحياة».

نحن هنا لا نتحدث عن عشرات وربما مئات المقابر التي فُجّرت أو دُمّرت أو جُرفت في الجنوب اللبناني؛ ولم يعد هناك من شاهد قبر أو حتى بقايا لعشرات آلاف الجثث. ألا يستدعي ذلك سؤالاً أخلاقياً حول حرمة الموت وما هو سر هذا النوع من العقاب الجماعي الموجه للأحياء لأجل إلحاق الضرر النفسي والمعنوي بهم من خلال تدمير قبور أحبتهم؟

الدول تحب أن تختار من تاريخها القصص التي تجعلها تبدو نبيلة. لكنها لا تستطيع أن تجعل الأخلاق انتقائية ثم تطلب من العالم أن يسميها أخلاقاً. وإذا كان لكل أم الحق في أن تعرف أين ابنها، فهذا الحق لا يتغير بتغير الهوية أو الدين أو الجنسية، ولا يصبح الجثمان مقدساً حين يخدم رواية الدولة ثم يفقد قداسته عندما يكون تحت ركام غزة أو جنوب لبنان.

فالذي يقول: «لن نترك أبناءنا خلفنا»، يُسأل أولاً سؤالاً بسيطاً:

وأطفال اليمن.. أين تركتموهم؟

ثم سؤالاً أكثر إلحاحاً:

وأطفال غزة ولبنان.. بأي اسم تسمّون ما فعلتم بهم؟

Print Friendly, PDF & Email
مازن الغول

كاتب وباحث لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  زعزعة الأردن وعرشه قبل صفقة القهر