"قمتُ بزيارة طبيب مختص بعد أن شعرتُ بألم في أذني، وأثناء المعاينة سألني: هل تعرضتِ لأصوات قنابل قوية"؟ في بلاد لا تعرف معنى الحرب ربما لا يكون هذا السؤال بديهياً، أما في لبنان، فقد صار السؤال جزءاً من التاريخ السريري نفسه. هذا لا يعني أن الاضطرابات النفسجسدية تولد من رحم الحرب وحدها، بل إن الحروب تفتح أمام الجسد والنفس مسارات إضافية للمرض، أو توقظ استعدادات كامنة، أو تزيد أعراضاً كانت موجودة أصلاً. فالإنسان ابن بيئته، والجسد أيضاً.

إصابة الأذن هنا ليست سوى عينة صغيرة. ولو أجرينا مسحاً للشكاوى في العيادات الطبية والنفسية خلال الحروب، لوجدنا طيفاً واسعاً من الأعراض التي تتقاطع فيها الضغوط النفسية مع الوظائف الجسدية: صداع، آلام عضلية، اضطرابات هضمية، خفقان، ضيق في التنفس، أرق، تعب، تفاقم في بعض الأمراض المزمنة، وشكاوى أخرى لا يمكن فهمها دائماً من خلال عضو واحد بمعزل عن السياق الذي يعيش فيه الإنسان.

***

في الاستخدام الشائع، يُقصد بالاضطرابات النفسجسدية الأعراض أو الحالات الجسدية التي تؤثر فيها العوامل النفسية، مثل القلق والضغط والصدمات، في شدتها أو استمرارها. لكن من المهم طبياً ألا نساوي بين غياب تفسير عضوي واضح وبين كون المرض «نفسياً». فالتقييم الجيد يبدأ دائماً باستبعاد الأسباب الطبية الملحّة والبحث في العوامل العضوية والنفسية معاً؛ بل إن التشخيص الحديث لاضطراب الأعراض الجسدية لا يشترط أن تكون الأعراض غير مفسرة طبياً، وإنما يركز أيضاً على حجم المعاناة والانشغال والسلوك المرتبط بها.

قد تظهر هذه التداخلات في الجهاز الهضمي، العضلات، الرأس، الرقبة، النوم، التنفس، والجلد وغيرها. فالقول إن عاملاً نفسياً يفاقم الألم أو الخفقان أو اضطراب الهضم لا يعني أن المرض «متخيَّل»، ولا أن السبب نفسي حصراً؛ إنما يعني أن الجسد والعقل يعملان داخل منظومة واحدة، وأن الضغط النفسي قد يغير إدراك الألم، والتوتر العضلي، والنوم، والتنفس وبعض الاستجابات الهرمونية والعصبية.

***

بيولوجياً، يفعّل الخطر الجهاز العصبي الودي ومحور الضغط الهرموني، فتتسارع ضربات القلب والتنفس، ويزداد شد العضلات، ويتغير الانتباه والهضم والنوم. هذه استجابات طبيعية ونافعة عندما يكون الخطر عابراً؛ لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الإنذار مزمناً ولا يملك الجسد فرصة كافية للعودة إلى حالة الأمان. عندها قد تتحول حالة التأهب نفسها إلى عبء، ويصبح الألم أو الأرق أو اضطراب الهضم جزءاً من حلقة يتغذى فيها الجسد والنفس أحدهما من الآخر. والضغط الزائد يمكن أن يترافق فعلاً مع الصداع وآلام الجسد واضطراب المعدة والنوم.

***

أثناء الحروب، يكاد الجميع يتعرض لقدر من الضيق النفسي: خوف، قلق، حزن، إرهاق، اضطراب نوم وتوجس دائم. وغالباً ما تخف هذه الاستجابات مع الوقت، لكن جزءاً من الناس قد يواجه اضطرابات أكثر استمراراً، مثل الاكتئاب واضطرابات القلق واضطراب ما بعد الصدمة. كما يمكن للضغط المزمن أن يفاقم مشكلات جسدية موجودة أصلاً، وأن يزيد من حساسية الإنسان للألم أو من شدة بعض الأعراض.

“الفبروميالغيا”، أو الألم العضلي الليفي، مثال على حالة مزمنة تترافق مع ألم واسع الانتشار وتعب واضطراب في النوم وحساسية مرتفعة للألم، وقد يصاحبها وخز أو تنميل وصعوبات في التركيز. لا نعرف سبباً واحداً لها، ولا يصح عدّها «مرضاً نفسياً»، لكن الضغوط والانفعالات قد تزيد من شدة الأعراض لدى بعض المصابين. أما نوبات الهلع، فتأتي على شكل موجة مفاجئة من خوف شديد أو إحساس بفقدان السيطرة، وقد ترافقها سرعة في ضربات القلب، ضيق في التنفس، تعرق، رجفان، دوار وتنميل.

***

اضطراب ما بعد الصدمة لا ينشأ من كل تجربة مخيفة، ولا يصيب كل من عاش الحرب، لكنه قد يظهر بعد التعرض الفعلي أو المهدِّد للموت أو الإصابة الخطيرة أو مشاهدة أحداث عنيفة. ومن علاماته الذكريات الاقتحامية والكوابيس وفرط اليقظة واستمرار الإحساس بالخطر حتى بعد انقضاء الحدث. كذلك قد يزداد الاكتئاب مع الفقد والنزوح والخسائر المادية وتفكك الروابط الاجتماعية. ولا ينبغي وضع أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم في خانة «الأمراض النفسجسدية» بمعناها الضيق، لكنها تتأثر بالضغط المزمن عبر مسارات معقدة؛ فالضغط يرفع مؤقتاً معدل القلب وضغط الدم، وقد يسهم على المدى الطويل في عوامل خطر قلبية وعادات صحية أسوأ؛ لذلك تفرض الحرب علينا أن نقرأ الجسد بوصفه جسداً بيولوجياً يعيش في بيئة نفسية واجتماعية قاسية، لا بوصفه جهازاً منفصلاً عنها.

***

لطالما كان الجسد موضوعاً للفلسفة وعلم النفس والتحليل النفسي والطب. وهو، بالنسبة إلى الطبيب والمعالج، ليس سطحاً محايداً، بل المكان الذي تظهر عليه آثار النوم والخوف والألم والعلاقات والذاكرة والحركة والحرمان. ومع ذلك، يجب الحذر من تحويل كل عرض جسدي إلى رمز نفسي، كما يجب الحذر في الاتجاه المعاكس من التعامل مع الإنسان كآلة من أعضاء منفصلة.

الجسد يلتقط تاريخ الفرد لا بمعنى أن العضلات أو الجلد «تخزن الذكريات» حرفياً، وإنما لأن التجارب الطويلة تترك آثارها في أنماط الاستجابة العصبية والهرمونية والسلوكية، وفي طريقة إدراك الألم والخطر والأمان. ومن هنا تصبح الملاحظة السريرية أكثر اكتمالاً حين تسأل: ماذا حدث للجسد؟ وماذا حدث للإنسان الذي يسكن هذا الجسد؟

إقرأ على موقع 180  فيتنام أكبر ورطة عسكرية أمريكية في القرن الـ 20

***

في العيادة، لا تكفي ثنائية «عضوي أم نفسي»؟ فقد يكون الألم عضوياً ويزداد مع القلق، وقد يبدأ الاضطراب الوظيفي مع ضغط شديد ثم يكتسب لاحقاً مساراً مستقلاً، وقد يتسبب الخوف من العرض في تضخيم الانتباه إليه وزيادة شدته. لذلك فإن المقاربة الأكثر دقة هي المقاربة الحيوية ـ النفسية ـ الاجتماعية، التي ترى المرض نتيجة تفاعل الاستعداد الجسدي مع التجربة النفسية والبيئة والعلاقات وظروف الحياة.

وقد كان الجسد، وما يزال، يدفع فواتير الصراع الاجتماعي والسياسي أيضاً: يُحرق ويُعذّب ويُسجن ويُهجّر ويُدفن بعيداً عن أرضه. وقد يُدان لأنه خالف معياراً اجتماعياً، أو لأنه حمل هوية أو رغبة لا يقبلها المحيط. وهو في الوقت نفسه مصدر خوفنا الأكبر: نخاف مرضه وشيخوخته وفناءه، ونخاف أحياناً ما قد يفضحه من رغبات أو انفعالات نحاول إخفاءها.

***

في الطب اليوناني القديم، تداخلت التصورات الدينية والطبية زمناً طويلاً، ثم تطورت في التقليد الأبقراطي مقاربات أكثر اعتماداً على الملاحظة والبيئة والغذاء ونمط الحياة. وفي ما بعد، منح جالينوس أهمية كبيرة للتوازن بين وظائف الجسد والبيئة والعادات والانفعالات، وفق المفاهيم الطبية السائدة في عصره. هذه التصورات تاريخية وليست مرجعاً طبياً حديثاً، لكنها تكشف أن سؤال العلاقة بين النفس والجسد هو سؤالٌ قديمٌ بقدم الطب نفسه.

وفي التقليد المنسوب إلى أسقليبيوس، إله الطب والمرجعية الطبية الأسطورية عند الإغريق، أنه كان ينظر إلى الإنسان كوحدة من جسد ونفس، وأن اختلال أحدهما قد ينعكس على الآخر، لذلك كان الوصول إلى حالة من الاعتدال والتوازن جزءًا من مفهوم الصحة لديه، ومن الأمثلة المهمة في الطب اليوناني القديم: النوم المنتظم، الهدوء، الراحة، الرياضة، والطعام المتوازن.

***

مع مدرسة التحليل النفسي، أعاد فرويد النظر في إمكان أن تُعبّر الصراعات النفسية عن نفسها جسدياً. وقد فتح ذلك باباً واسعاً أمام التفكير في الجسد باعتباره جزءاً من الحياة النفسية، وإن كانت مفاهيم التحليل النفسي لا تساوي الأدلة الطبية الحديثة ولا تفسر وحدها الأمراض العضوية.

أما فيلهلم رايش، الذي خرج من المدرسة التحليلية، فقد أعطى الجسد موقعاً مركزياً في تفسير الشخصية والتوترات المزمنة. وتبقى أفكاره عن «الدرع العضلي» وغيرها ذات قيمة تاريخية داخل تطور الفكر التحليلي، لكنها ليست حقائق مثبتة بالمعنى الطبي المعاصر. القيمة الأهم في هذا الإرث هي التنبيه إلى أن الإنسان لا يمكن اختزاله في فكرة بلا جسد، ولا في جسد بلا تاريخ نفسي واجتماعي.

***

يبقى الجسد مسرحاً للتعبير؛ تظهر فيه الأفراح والمخاوف والرفض والقبول، وتتكشف عبره إشارات قد تسبق اللغة نفسها. ولهذا نتحدث عن «لغة الجسد»، لكن هذه اللغة ليست قاموساً ثابتاً؛ الإشارة نفسها قد تعني أشياء مختلفة باختلاف الشخص والسياق. ونتحدث أحياناً عن «ذاكرة الجسد» بوصفها استعارة عن أثر الخبرة في الاستجابة والحساسية والتوتر، لا عن ذاكرة مستقلة مخزنة في الأنسجة.

في النهاية، جسد الإنسان ابن الموروث البيولوجي وابن البيئة معاً. والصحة لا تُفهم كاملة إذا تجاهلنا أحد الطرفين.

في الزمن الهادئ، يحتاج الطبيب إلى أن يرى الإنسان بكليته؛ فكيف في بيئة تضج بالقصف والتهديد والنزوح والموت والدمار؟

أجسادنا اليوم لا تعيش الحرب خارجها فقط؛ إنها تتلقى أصواتها وخوفها وفقدها، وتحمل آثارها أحياناً في النوم والعضلات والمعدة والقلب والتنفس. وإذا استعرنا لغة فرويد على سبيل المجاز، يمكن القول إن «ثاناتوس» يطل من مشهد العنف، لا كتشخيص للناس أو للعصر، بل كصورة عن اندفاع التدمير حين يصبح واسعاً ومزمناً. وما نستطيع فعله، في الحد الأدنى، هو ألا نترك الجسد وحيداً في مواجهة كل ذلك: علينا ألا نهمل الفحص الطبي، وأن نطلب الدعم النفسي حين يصبح الخوف أو الألم أو الأرق عبئاً يفوق القدرة على الاحتمال.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى الحاج

أخصائية نفسية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "جبال قنديل" مفتاح حل بين سوريا.. وكردها