تتجاوز علاقة الإنسان بالمكان كونه مجرد حيز جغرافي صلب، ليصبح المختبر الأول الذي تتبلور فيه الهوية الفردية والجمعية، ووعاءً حياً يختزل الممارسات الثقافية والتاريخية.
تتجاوز علاقة الإنسان بالمكان كونه مجرد حيز جغرافي صلب، ليصبح المختبر الأول الذي تتبلور فيه الهوية الفردية والجمعية، ووعاءً حياً يختزل الممارسات الثقافية والتاريخية.
منذ الصغر نشأنا على أغنية الفنان اللبناني الكبير وديع الصافي «الله معك يا بيت صامد بالجنوب». أغنية كلما سمعتها أذهب بمخيلتي إلى بيت القرية وشواهد كانت تمدّني بتراث أجدادنا، وتتحرك معها صور: البركة، الحاكورة، رائحة الخبز، الحطب المشتعل، الحقول، والفرحة في لمّ المحصول.. وهنا وهناك ألف ذكرى وذكرى. إلى أن جاء خبر تدمير البيت في القرية، حاله كحال باقي البيوت والمنشآت المدنية التي استهدفتها إسرائيل، فتحوّلت الأغنية إلى أبيات رثاء، ولم يعد البيت صامدًا، والمكان الدافئ والحاضن صار أنقاضًا وركامًا.
لم يعد مصطلح «النرجسية» حبيس العيادات النفسية كما كان في السابق، بل خرج إلى الفضاء العام، متداولًا على نطاق واسع في وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، ومستخدمًا بكثافة في توصيف العلاقات الشخصية والعاطفية والمهنية. غير أنّ اللافت للانتباه في السنوات الأخيرة هو انتقال هذا المفهوم من المجال النفسي الفردي إلى ميادين أوسع، شملت الاقتصاد والسياسة والحروب والعلاقات الدولية، حيث بات يُستدعى لوصف سلوك دول وقادة، في مشهد غير مسبوق.
ذات يوم، قلتُ لابنتي إنّ في ثمرة التين خصائصَ جمّةً للعظام، إلا أنّها سارعت وتناولت هاتفها الذكي ليدلّها رفيقها اليومي "شات جي بي تي" (برنامج ذكاءٍ اصطناعيٍّ)، على حقيقة المعلومة، لعلّ الروبوت الذكي وخوارزمياته أخبرُ مني، كونه من أبناء جيلها! أمّا صديقتي التي كان يحلو لها محادثتي، فلم تعد استشارتي تُشبع حاجتها، وصارت تلجأ إلى المصدر عينه لتحلّ مشاكلها الزوجية والأسرية.
في خضم حديثٍ عابرٍ عقب مظاهرة داعمة لـ «لبنان جديد»، طرحت عليَّ سيدةٌ سؤالاً عميقًا: "ماذا يمكنني أن أعمل لخدمة لبنان من فرنسا"؟ ارتديتُ حينها ثوب الخبير وسألتها عن مجال عملها. وحين علمت بأنها مختصة في المعالجة النفسية، أومأت إعجابًا، ثم بادرتها باقتراح: «ماذا لو اتفقت مجموعة من المختصين أمثالك على إجراء دراسة معمقة لظاهرة «الأنا المتضخمة» في مجتمعنا اللبناني"؟ لعلّنا نجد في نتائجها بوصلة لعلاج هذا الداء الاجتماعي المتفشي؟
في المجتمعات المأزومة، يحتاج الجمهور إلى وجوه كاريزماتية رمزية، حتى يُسقط عليها، وبشكل غير واعٍ، الكثير من الصور المُتخيلة، ومع الوقت تُصبح هذه الوجوه مثال الأنا، أفرادًا وجماعات؛ فترفع أناهم العاجزة وتُهدئ من قلقها، وتُوظف حاجاتهم النفسية المكبوتة وتملأ الفراغ القيادي، وثمة أمثلة تاريخية عديدة في هذا الإتجاه.
حين يختل توازن الروح يختل الجسد وحين يختل توازن الجسد، تنكشف هشاشة الروح وتُختبر نظرة العالم إلينا ونحن في أوج ضعفنا. في روايتها "هند أو أجمل امرأة في العالم"، تنسج هدى بركات حكاية المرض والعزلة، فتلامس مسائل فلسفية ونفسية. هذا المقال هو محاولة للإنصات إلى تلك النبرة، من موقع ينهل من أخلاقيات الطب ويستنير بمراجع ألقت الضوء على الهشاشة والإعاقة والعزلة والإقصاء.
كان العار يوماً آخر المعاقل التي تحتمي بها الروح قبل أن تنهار، كان يشبه ندبة خفيفة تذكّرنا أننا لم نصبح بعدُ وحوشاً كاملة، لكن شيئًا فشيئًا، ومع كل صمت تواطئي، مع كل جريمة لم تهزّ لنا جفنًا، تآكل العار كما تتآكل الذاكرة في جسد مسن، لم يعد أحد يخجل من البقاء حيًا بينما الآخرون يموتون، لم يعد أحد يأنف من التواطؤ، من التجاهل، من المشاركة الصامتة في الجريمة.
لا تُعدُّ الشعبوية في القرن الحادي والعشرين انحرافًا طارئًا في مسار السياسة الديموقراطية، بل تحوّلًا عميقًا في مفهوم القيادة، ووظيفة الخطاب، وتمثيل الهوية الجماعية. لقد تراجعت أهمية البرنامج السياسي المتماسك، لمصلحة قدرة الزعيم على التعبير الفوري عن الغضب العام، وكأن العاطفة أصبحت العملة الوحيدة المتداولة في السوق الانتخابية.
في سؤالي لأحد المنخرطين الفاعلين في المقاومة اللبنانية: ما هي أبرز عناصر قوة المقاومة؟ أجاب بمفردة واحدة من دون طول شرح أو تفصيل: "البيئة". وعندما سألت إحدى الإمهات، وهي سيدة أعمال جنوبية، عن أهم عناصر قوة بيئة المقاومة، كان جوابها "العاطفة".