“داعش” يطلق “غزوة الثأر”: استراتيجية “الاستنزاف”

ضمن استراتيجية "الاستنزاف العام" التي أرسى قواعدها زعيم "داعش" السابق قبل مقتله بعدة أسابيع، أطلق التنظيم يوم الأحد سلسلة عمليات تحت عنوان "غزوة الثأر لمقتل الشيخين أبو بكر البغدادي وأبي الحسن المهاجر"، من أبرز أبرز أهداف هذه الاستراتيجية إنهاك العدو وإبقائه في حالة "الاستنفار المجهد".

تقوم استراتيجية “الاستنزاف” على تغيير طريقة نشاط “داعش” من نمط تحرّك الجيوش الذي اعتمد عليه خلال فترة توسعه، إلى نمط عمل “المفارز الأمنية” الذي يستند إلى مبادئ حرب العصابات.

البغدادي كان توقع أن يضطر التنظيم إلى اتّباع هذه الاستراتيجية لمدة ثلاث سنوات قبل أن يتمكن من حصد ثمارها، حسب ما أشارت “فورين بوليسي” في تقرير نشرته الشهر الماضي.

وتعتمد هذه الاستراتيجية على توزيع عناصر “داعش” إلى خلايا أو “مفارز أمنية” يتكون كل منها من عدد قليل لا يتجاوز عدد اصابع اليدين. وتتوزع هذه المفارز داخل مناطق سيطرة الأعداء، وعلى خطوط الامداد والطرق الرئيسية، وتعمل وفق أسلوب حرب العصابات الذي يتضمن تنفيذ عمليات اغتيال وخطف وزرع عبوات ناسفة وسيارات مفخخة، بالإضافة إلى استهداف المواقع الاقتصادية والمحاصيل الزراعية وموارد الطاقة.

ويبدو أن قيادة “داعش” الجديدة بزعامة أبي أبراهيم الهاشمي القرشي، قد تبنّت هذه الاستراتيجية وما زالت تعمل وفق الخطوط العريضة التي وضعها البغدادي.

وفي سياق ذلك، كان من اللافت أن وكالة “أعماق” أعلنت عن تنفيذ مقاتلي التنظيم يوم الأحد سلسلة من العمليات تحت اسم “غزوة الثأر للشيخين البغدادي والمهاجر”. وتوزعت هذه العمليات بين محافظات درعا وحلب وديرالزور.

وبحسب “أعماق” أسفرت عملية درعا عن مقتل جنديين روسيين، فيما استهدفت العمليات الأخرى حاجز للجيش السوري جنوب شرق حلب وآلية عسكرية رباعية الدفع تابعة لقوات قسد في بلدة صبحة بديرالزور، بالإضافة إلى استهداف جنود للجيش السوري في بلدة كفر شمس في الصنمين بدرعا.

ويأتي إطلاق الغزوة قبل أيّام من مرور شهرين على مقتل البغدادي في بلدة باريشا بإدلب. والمفارقة أن عمليات الثأر لم تشتمل على استهداف أية موقع للقوات الأميركية التي قامت بتنفيذ عملية الاغتيال نهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر.

ورغم أن العمليات السابقة جاءت متزامنة مع هجوم نفذه مقاتلو “داعش” على حقل الهيل النفطي في بادية حمص، إلا أن إعلام التنظيم لم يضع هذا الهجوم ضمن ذات الغزوة.

ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت هذه الغزوة بعملياتها المتسلسلة، هي رد التنظيم على مقتل زعيمه السابق أم ما زال في جعبته مزيداً من العمليات.

يعتبر “داعش” أن “عمل المجاهدين” لا يقاس فقط بنتائجه المباشرة، بل بما يترتب عليها من تكاليف وأعباء تلحق بالعدو

وفي مقارنة بسيطة بين الثار لمقتل زعيمه، والثأر لمقتل أسامة بن لادن عام 2011، يمكن ملاحظة مدى تراجع قدرة “داعش” على تنفيذ عمليات كبرى تكون قادرة على استقطاب اهتمام إعلامي واسع، هذا ما لم يكن التنظيم يتبع خطة التدرج وتوسيع العمليات في وقت لاحق.

وترافق إطلاق غزوة الثأر مع تكريس التنظيم لمفهومي “الاستنزاف” و”الاستنفار المجهد” للعدو باعتبارهما أداتَي عمله ونشاطه خلال المرحلة المقبلة.

ويعتبر التنظيم أن “عمل المجاهدين” لا يقاس فقط بنتائجه المباشرة، بل بما يترتب عليها من تكاليف وأعباء تلحق بالعدو على المدى الطويل. وأكثر ما يحقق هذه النتيجة هو إبقاء العدو في حالة استنفار دائم عبر شنّ هجمات مفاجئة في أماكن غير متوقعة، حسب تقرير موسع نشرته صحيفة النبأ التابعة لداعش في العدد رقم 213.

وانطلاقاً من قاعدة ذهبية معروفة في علم الحروب مفادها بأنه “لا يمكن لأي جيش من الجيوش الاستنفار كل الوقت في كل مكان”، تسعى استراتيجية “داعش” إلى الاستفادة القصوى من الثغرات التي تنطوي عيلها هذه القاعدة، إذ ليس أمام قادة ايّ جيش إلا أحد خيارين إما أن يستنفروا في كل مكان لبعض الوقت أو يستنفروا كل الوقت في بعض الأماكن فقط، وذلك لسببين هما، أن حالة الاستنفار تشكل استنزافاً كبيراً للجيش ومعنويات جنوده وتدخلهم في حالة من التعب والارهاق؛ والثاني أنها تشكل حالة جمود دفاعي تصعّب من عمليات المبادرة الهجومية.

لذلك يمكن التكهّن بما يسعى إليه التنظيم من خلال تبنّيه لمفهوم “الاستنفار المُجهد” وهو إجبار “العدو” على الاستنفار كل الوقت في كل مكان، وذلك عن طريق إشغاله بالعمليات مهما كانت بسيطة، مع تغيير تواترها من حيث الزمن والشدة من أجل إبقاء العدو في حالة صدمة وغير قادر على توقع مكان وزمان الهجمات المقبلة.

ويعتقد واضعو هذه الاستراتيجية بأنه “كلما دفع المقاتلون الأعداء إلى تشديد النفير وإدامته لفترات طويلة بفعل تصعيدهم للعمل كمّاً ونوعاً وتوسيع انتشاره مكاناً كلما كان أمد الحرب قد اقترب من نهايته، لأن ذلك سيكون مؤشراً على “شدة تهديد المقاتلين لجيش العدو”، وأن الأخير بات عاجزاً عن توفير فائض في العدد يسدّ به النقص في صفوفه لتوفير نصاب عمليات المناوبة والتبديل بين العناصر.

وما سبق-بحسب واضعي الاستراتيجية- سيدفع قادة الجيش إلى الضغط على ما في يده من جنود إلى الحد الأقصى الذي من المتوقع أن يؤدي إلى وضع الجيش بكامله على حافة الانهيار.

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free