الحيثيات التي حصلت بمقتضاها «بيلاي» على الجائزة الدولية المرموقة تسحب من «ترامب» أي استحقاق سياسي أو أخلاقي، فهي ذات تاريخ مشرّف في الدفاع عن العدالة الدولية وسيادة القانون ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية، على عكس سجله تماماً.
مع ذلك، لا يكف عن الادعاء بأنه أوقف ثماني حروب، يعددها أمام الإعلام كأنها حقائق لا تقبل شكاً، تجعل من تخطي أحقيته في الحصول على جائزة «نوبل للسلام» أمراً غير مفهوم!
في عام 2003، أصدر الأديب الكولومبي العالمي «غابرييل غارسيا ماركيز»، الحائز على جائزة «نوبل للأدب»، بياناً «لا يوقع عليه سواي»، يقترح فيه منح رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني المتطرف «أرييل شارون» جائزة «نوبل للقتل»، أسوة بحصول «مناحيم بيغن» على جائزة «نوبل للسلام» لعام 1978 مناصفة مع الرئيس المصري «أنور السادات»، كـ«نوع من المكافأة على اتفاقية براقة أرست قواعد السلام من طرف واحد هو العربي».
كانت تلك إحدى عجائب الدنيا!
«الرجلان اقتسما الجائزة، لكن المصير اختلف، من أحدهما إلى الآخر».
«ترتبت عليها، في حالة أنور السادات، انفجار بركان الغضب داخل جميع الدول العربية، فضلاً عن أنه ذات صباح من تشرين الأول/أكتوبر 1981 دفع حياته ثمناً لها. أما بالنسبة لبيغن، فقد كانت هذه الاتفاقية بمثابة الضوء الأخضر ليستمر، بوسائل مبتكرة، في تحقيق المشروع الصهيوني، الذي لا يزال يمضي قدماً».
إذا ما قُدّر لـ«ماركيز» أن يطل، وقتها، في مرآة المستقبل على ما حدث في قطاع غزة من حصار وتجويع وإبادة بعد عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لما تردد في أن يقترح منح جائزة «نوبل للإبادة الجماعية» مناصفة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي «بنيامين نتنياهو» و«ترامب».
تضمنت حيثيات منح «بيلاي» «نوبل للسلام» عملها في لجنة التحقيق الأممية بشأن الجرائم المرتكبة في غزة، وعلى رأسها الإبادة الجماعية.
بصورة، أو أخرى، شاركت، كجنوب أفريقية، في إعداد مذكرات الاتهام الواضح والموثق الذي تقدمت به بلادها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بحق أهالي غزة.
إنها أبشع تهمة يمكن أن توجّه إلى دولة ما.
في حالة إسرائيل، فإنها تنزع عنها جانباً رئيسياً من شرعيتها المنتحلة، التي تأسست لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي على جرائم الهولوكوست ضد اليهود في معسكرات النازي أثناء الحرب العالمية الثانية.
لم يكن الفلسطينيون طرفاً في تلك الجرائم البشعة، لكنهم دفعوا وحدهم، بغير ذنب، أثمانها الباهظة من أراضيهم وأرواحهم وأي مستقبل يتطلعون إليه.
بأثر عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بدت إسرائيل في انكشاف عسكري واستخباراتي غير مسبوق، وعلى أعتاب هزيمة استراتيجية، غير أن إدارتَي «بايدن» الديمقراطية و«ترامب» الجمهورية تكفلتا، على التوالي، بتوفير الغطاء اللازم لمنع انهيار إسرائيل، وتمكينها، في الوقت نفسه، من ارتكاب أبشع جرائم حروب الإبادة والتجويع في التاريخ الإنساني الحديث، لإخافة من حولها دون خشية عقاب أو ملاحقة.
بدا فوز «بيلاي» بـ«نوبل للسلام» صفعة مدوية للسياسات التي تتبناها إدارة «ترامب»، ولنوع السلام الذي حاول فرضه على الفلسطينيين.
بعد سنة كاملة من خطة «السلام المدعاة»، المنسوبة إليه، لم تتوقف آلة الحرب وحصد الأرواح، ولا انسحبت أي قوات إسرائيلية من القطاع المحتل، ولا خفت حدة الجوع، ولا عادت الحياة إلى شيء من طبيعتها.
هكذا تبدّت صفعة أخرى لـ«ترامب»، كأنها مقصودة بتوقيتها وسياقها، في الذكرى الثالثة للسابع من تشرين الأول/أكتوبر وما تلاه من جرائم إبادة جماعية.
بحكم أدوارها في المحكمة الجنائية الدولية، أو عندما ترأست لجنة تحقيق أممية بالجرائم التي ارتُكبت في غزة، بدا حصولها على الجائزة الدولية نوعاً من الانتصار الرمزي للضحايا الفلسطينيين، وتأكيداً على ضرورة عدم إفلات المجرمين من العقاب.
كان فوزها بذاته إشارة إلى ضرورة إنفاذ مذكرتَي الاعتقال الصادرتين عن المحكمة الجنائية الدولية بحق مجرمَي الحرب «نتنياهو» ووزير دفاعه السابق «يوآف غالانت».
إنها «معادية لإسرائيل».
كان ذلك أول تعليق من الرجل الذي يزعم أحقيته بالحصول على جائزة «نوبل للسلام».
فرضت إدارته، على الفور، عقوبات جديدة على المحكمة الدولية، لشل قدرتها على الوفاء بمهامها.
بدا ذلك تصعيداً في مستوى الصدام مع العدالة الدولية، كقيمة سياسية وقانونية وإنسانية.
استدعى التصعيد الأميركي في الحرب المفتوحة ضد المحكمة الجنائية الدولية اعتراضاً جدياً من خمس دول أوروبية كبرى، بالإضافة إلى كندا واليابان.
في بيان مشترك، أكدوا أنهم ملتزمون بدعم استقلال المحكمة ونزاهتها وحيادها.
كانت تلك هزيمة «ترامبية» أخرى من داخل معسكره الغربي!
رغم وحشية القوة الإسرائيلية وجرائم الحرب التي ارتكبتها في غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان وإيران، فإنها خسرت بالكامل حرب الصورة.
تقوضت سرديتها تماماً، حتى باتت معزولة، وكل من يدافع عنها في موضع اتهام سياسي وأخلاقي، كما هو حادث الآن في أجواء الانتخابات النصفية الوشيكة لمجلسَي الكونغرس.
في الاحتجاجات الطلابية الفرنسية الصاخبة، بدت الكوفية الفلسطينية رمزاً للغضب والتمرد عند الأجيال الجديدة، كما بدا العلم الفلسطيني، في الاحتجاجات الاجتماعية أو السياسية التي شهدها يوم واحد في بروكسل ولندن وكوبنهاغن، تعبيراً عن مستوى مرتفع من التضامن مع أعدل القضايا الإنسانية.
إنها إدانات حية لـ«ترامب» في الميادين الأوروبية، تؤكد استحقاقه لـ«جائزة نوبل للإبادة»، على ما كان سوف يقترح «ماركيز».
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
