نتنياهو.. حين يصبح خصومه طوق نجاته!

ثمة من يُردّد أن أقصر الطرق إلى بقاء بنيامين نتنياهو في السلطة يمرّ عبر المعارضة اليمينية التي تريد إسقاطه. فخصومه قد يجمعون مقاعد أكثر من معسكره، ثم يعجزون عن تشكيل حكومة، لأنهم يرفضون التعاون مع الأحزاب العربية التي يمكن أن تمنحهم مفتاح الحكم. تزداد المفارقة حين ينتقل ناخبون غاضبون من نتنياهو إلى حلفائه الأكثر تطرفًا، فتتراجع قوة «الليكود»، بينما تبقى أصوات هؤلاء داخل معسكره. أما لبنان، فلا يقدم له الجنرال المنافس غادي آيزنكوت وعدًا بانسحاب إسرائيلي بلا شروط. هكذا يصبح السؤال أبعد من هوية الفائز: من يستطيع تحويل الأصوات إلى سلطة، وماذا سيفعل بها؟

تكشف المستوطنات الإسرائيلية المحاذية للبنان جانبًا مهمًا من تبدّل المزاج الانتخابي. فقد نقلت وكالة «أسوشيتد برس» نتائج استطلاع أجرته «مختبرات أغام» في الجامعة العبرية، أظهرت تراجع التأييد لنتنياهو في شمال إسرائيل من نحو 29% قبيل انتخابات 2022 إلى نحو 17% في تشرين الأول/أكتوبر الحالي. وهي مقارنة بين قياسين للاستطلاعات، لا بين نتائج انتخابية، لكنها تشير إلى تصدّع الثقة في منطقة عاش المستوطنون فيها فصولاً من النزوح والحرب وانتظار العودة الآمنة.

غير أن هذا التراجع لا يعني انتقال الأصوات تلقائيًا إلى المعارضة. فالناخب الذي لم يعد يثق بنتنياهو قد يختار إيتمار بن غفير، حليفه الأكثر تطرفًا. وقد رصدت وكالة «رويترز» اتساع شعبية حزب «القوة اليهودية» بين الشباب والناخبين الجدد، خارج قاعدته التقليدية لدى المستوطنين المتشددين.

وهكذا، قد يخسر «الليكود» مقاعد بينما يحتفظ معسكر نتنياهو بفرص المنافسة على الحكم. بل إن تراجع حزبه لمصلحة حلفائه قد يزيد قدرتهم على فرض شروطهم عليه. لذلك، لا تكفي مراقبة حجم خسارته؛ فالأهم معرفة من يستفيد منها.

آيزنكوت.. تغيير تحت السلاح

لا يأتي التحدي الذي يواجه نتنياهو من معسكر سياسي معارض لسياساته، بل من قوى يجمعها رفض استمراره، يتصدرها غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق وزعيم حزب «يَشار»، إلى جانب نفتالي بينيت ويائير لابيد وأفيغدور ليبرمان ويائير غولان.

وتتضح حدود التغيير عند النظر إلى مواقف آيزنكوت نفسه. فهو يعارض إقامة دولة فلسطينية، ويتمسك بتفكيك القدرات العسكرية لحركة «حماس». ولهذا قدّمته «رويترز» بوصفه بديلًا متشددًا أمنيًا لنتنياهو، برغم اختلاف شخصيته ونهجه القيادي.

ويحاول آيزنكوت الجمع بين مطلبين لدى ناخبيه: محاسبة القيادة على إخفاقاتها، والمحافظة على التفوق العسكري الإسرائيلي. إنه يطرح تغييرًا في إدارة الحكم والعلاقات الخارجية، مع الاحتفاظ بأدوات القوة والضغط. وهذه نقطة أساسية لفهم ما يمكن أن يتغيّر إذا وصل، وما قد يستمر معه.

العرب.. المفتاح المحرّم

يواجه آيزنكوت مشكلة تتعلق بشركائه المحتملين أكثر مما تتعلق بشعبيته. ففي استطلاع القناة الإسرائيلية الثانية عشرة، المنشور في 23 تشرين الأول/أكتوبر، حصل معسكر المعارضة على 56 مقعدًا، مقابل 50 لمعسكر نتنياهو، فيما نالت «القائمة العربية الموحدة» خمسة مقاعد، والقائمة العربية المشتركة تسعة مقاعد.

وحسابيًا، تكفي مقاعد «الموحدة» الخمسة لرفع رصيد المعارضة إلى 61 مقعدًا، إذا اتفقت جميع أطرافها على التعاون. لكن هذه إمكانية حسابية، وليست تحالفًا سياسيًا قائمًا.

فقد أوضحت مجلة «+972» أن بينيت وليبرمان يرفضان الاعتماد على الأحزاب العربية، فيما استبعد آيزنكوت إشراكها في حكومته، برغم التلميح إلى احتمال الاستفادة من دعمها الخارجي. وحتى محاولات منصور عباس توسيع قبول حزبه، بالتركيز على مكافحة الجريمة وتعزيز تمثيله الانتخابي، لم تكسر هذا الحاجز.

والمثير أن نتنياهو يوظّف هذا الرفض لإرباك خصومه. فقد نشرت حملته ملصقات تجمع صور قادة المعارضة مع قادة الأحزاب العربية، تحت شعار يخيّر الناخب بين «اليمين» و«فلسطين». والرسالة واضحة: التصويت للمعارضة يعني وصولها إلى الحكم بدعم عربي.

بهذا الأسلوب، يدفع نتنياهو خصومه إلى التعهد برفض أصوات قد يحتاجون إليها لإطاحته، فتتحول الأحزاب العربية من فرصة لتغيير الحكومة إلى عقبة يفرضها المعارضون على أنفسهم.

الدعم العربي من خارج الحكومة

لكن الاستعانة بالأصوات العربية لا تشترط منح أصحابها حقائب وزارية. فمن الممكن دعم حكومة أقلية من خارج الائتلاف، أو تسهيل تنصيبها بالامتناع عن التصويت ضدها.

ووفق «المعهد الإسرائيلي للديموقراطية»، لا يشترط تصويت الثقة الأول بالحكومة الجديدة تأييد 61 نائبًا بالضرورة، بل يكفي حصولها على أصوات مؤيدة أكثر من الأصوات المعارضة. أما حجب الثقة عن حكومة قائمة فيتطلب تأييد 61 نائبًا لحكومة بديلة محددة برئيسها وتركيبتها.

والتمييز مهم: تستطيع المعارضة نظريًا تشكيل حكومة أقلية بدعم خارجي، لكنها تحتاج إلى تفاهمات تضمن استمرارها. وإذا فشلت جميع محاولات تشكيل الحكومة بعد الانتخابات، تُجرى انتخابات جديدة، وتواصل الحكومة المنتهية ولايتها تصريف الأعمال إلى حين قيام حكومة أخرى.

وهكذا، تصبح قدرة المعارضة على التفاهم أهم من قدرتها على حشد الغضب. وقد يبقى نتنياهو في مكتبه، بينما يتفاوض خصومه على كيفية إخراجه منه.

لبنان.. تفاوض تحت الاحتلال

عندما ننتقل إلى لبنان، يصبح السؤال: هل يفتح تغيير القيادة الإسرائيلية طريقًا للانسحاب، أم يبدّل شروط التفاوض عليه؟

بحسب تحليل نشرته «جيروزاليم بوست»، تتقارب مواقف آيزنكوت ونتنياهو بشأن الاحتفاظ بمنطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية، مع احتمال انسحابات جزئية مقابل إجراءات تتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وتنسب الصحيفة إلى آيزنكوت الحديث عن عمق ثمانية كيلومترات للحيلولة دون استخدام الصواريخ المضادة للدروع ضد إسرائيل. لكن هذا موقف منقول عنه، وليس حدودًا أمنية متفقًا عليها أو تسوية مقبولة لبنانيًا.

إقرأ على موقع 180  عبدالله بوحبيب.. مساحة الحوار اللبناني والعقل المفقود

والاختلاف المحتمل بين الرجلين لا يتعلق بالضرورة حول مبدأ الانسحاب، بل حول توقيته وشروطه واستخدام السيطرة العسكرية ورقة ضغط في المفاوضات. فلا ضمانة بأن وصول آيزنكوت سيؤدي إلى خروج إسرائيلي سريع من لبنان.

في المحصلة؛ يبدأ الاختبار الحقيقي بعد فرز الأصوات: هل يتفق خصوم نتنياهو على إزاحته، أم يساعده خلافهم على البقاء؟ وهل يتحول رفضهم الاستعانة بالأحزاب العربية إلى طوق نجاة لرئيس الحكومة الذي يريدون إسقاطه؟

أما لبنان، فلن يقيس التغيير بأسماء القادة الإسرائيليين، بل بما يحدث على أرضه: انسحاب فعلي، وإنهاء الاحتلال، لا مجرد تبديل شروط التفاوض عليه.

Print Friendly, PDF & Email
علي دربج

باحث ومحاضر جامعي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  شرق الفرات يتأرجح بين احتمالات المواجهة.. والتهدئة