أولاً؛ لم تقتصر الموجة الديموقراطية على الولايات المتأرجحة، بل اجتاحت معاقل جمهورية، بينها تكساس وكانساس وأيوا وأوهايو وكارولاينا الجنوبية والشمالية. وفي تكساس، لم يقتصر الاختراق على مقعد مجلس الشيوخ، بل شمل منصب الحاكم بعد أكثر من ثلاثة عقود من السيطرة الجمهورية. لكن اتساع الخسارة الجمهورية لا يثبت انقلاباً دائماً في الانتماءات الحزبية؛ إنه، حتى الآن، أقرب إلى تصويت عقابي على أداء الإدارة.
ثانياً؛ تداخلت المخاوف من كلفة المعيشة والرعاية الصحية مع الاستياء من الحرب على إيران. هنا فقدت السياسة الخارجية صفتها قضية بعيدة عن الناخب؛ فالحرب، عبر آثارها الاقتصادية والسياسية، أصبحت جزءاً من حساباته اليومية. وقد أقرّ ترامب ونائبه جي دي فانس بأن إيران كانت أحد أسباب الهزيمة، وإن رفض الرئيس الأميركي تحميل نفسه مسؤوليتها.
ثالثاً؛ هنّأ الرئيس خصومه، لكنه عزا الهزيمة إلى غيابه اسمه عن لوائح المرشحين وضعف بعض المرشحين، وهو تفسير لا يوحي باستعداد سريع لمراجعة نهجه. ومع ذلك، لا يمكن قياس الوزن النسبي لكل دافع انتخابي قبل استكمال تحليل بيانات الناخبين.
ويستطيع الديموقراطيون تعطيل أجزاء أساسية من برنامج ترامب، لكنهم لا يملكون فرض برنامج بديل من دون توافق معه أو تجاوز نقضه بأغلبية الثلثين في المجلسين. كما تتطلب معظم التشريعات في مجلس الشيوخ ستين صوتاً لإنهاء النقاش، مع استثناءات إجرائية، أبرزها تشريعات تسوية الموازنة. وتبقى أدواتهم الأهم رئاسة اللجان واستدعاء الشهود وطلب الوثائق، والضغط عبر الموازنة، ورفض التعيينات التي تحتاج إلى موافقة الشيوخ بأغلبية بسيطة. ويمكن لمجلس النواب توجيه اتهامات دستورية، لكن إدانة الرئيس وعزله تتطلب ثلثَي أصوات الشيوخ، وهي عتبة لا تبدو متاحة، برغم محاولات “الجرجرة” التي لن يتوانى الديموقراطيون عن القيام بها سواء طالت ترامب أو أفراد عائلته لكي لا يشعر بالاستقرار في ما تبقى من ولايته الثانية.
هنا لا بد من تسجيل ست إشكاليات تواجه ترامب وحزبه من الآن وحتى انتخابات 2028 يمكن اختصارها كالآتي:
الأولى، صراع الصلاحيات: بعدما اعتمد ترامب على الأوامر التنفيذية في التجارة والإنفاق والعمليات العسكرية، سيواجه كونغرساً أكثر استعداداً لمنازعته سلطاته. وقد أبطلت المحكمة العليا، في شباط/فبراير 2026، رسوماً جمركية فُرضت استناداً إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية، مؤكدة حدود تلك السلطة. والتصعيد المقبل قد يتخذ شكل نزاعات قضائية ومساومات تشريعية متصلة بالتمويل.
الثانية، المالية العامة: ستصبح قوانين الإنفاق وسقف الدين ساحتين للمواجهة، مع احتمال تعطل تمويل الحكومة إذا ربط الديموقراطيون الموافقة بتنازلات في الرعاية الصحية أو السياسات الاقتصادية، ورفض البيت الأبيض الاستجابة. لكن الإغلاق الحكومي ليس نتيجة حتمية؛ إذ يعرف الطرفان كلفته على الخدمات والثقة العامة.
الثالثة، الرقابة والشرعية: ستفتح الأغلبية الجديدة تحقيقات في إدارة الحرب والإنفاق والمصالح التجارية للرئيس ومحيطه. غير أن الاستقطاب قد يحوّل المساءلة الدستورية، في نظر جمهور الجمهوريين، إلى حملة انتقام سياسي، فتزداد الفجوة بين رقابة مشروعة وشرعية متنازع عليها.
الرابعة، تماسك الديموقراطيين: جمع الفوز ناخبين تقدميين ووسطيين ومحافظين ناقمين على ترامب، لا أصحاب برنامج متطابق. وستظهر التباينات عندما يُطلب من الحزب الاختيار بين التحقيقات والاشتباك السياسي، أو إعطاء الأولوية لمطالب الناخبين المعيشية، وبين التشدد في السياسة الخارجية وتقليص التدخل العسكري.
الخامسة، مستقبل الجمهوريين: ستطلق خسارة المجلسين مراجعة مؤلمة داخل الحزب: هل كانت المشكلة في المرشحين، أم في قرارات ترامب والحرب والاقتصاد؟ ومع اقتراب انتخابات 2028، قد ينفتح صراع مبكر على خلافته، فيما يصبح الرئيس أكثر اعتماداً على الصلاحيات التنفيذية وأقل قدرة على حماية قراراته تشريعياً.
السادسة، فجوة الوعود والإنجاز: انتُخب الديموقراطيون على وعود تتعلق بالأسعار والرعاية الصحية، لكن تنفيذ إصلاحات جوهرية يتطلب تشريعات وموافقة الرئيس. وإذا أخفقوا في تحقيق نتائج ملموسة، فقد ينتقل الغضب الشعبي من الجمهوريين إلى الأغلبية المنتصرة، حتى لو كانت حدود سلطتها تفسر جانباً من العجز.
الجدير ذكره أنه حتى 3 كانون الثاني/يناير 2027، موعد بدء الولاية الدستورية الجديدة للكونغرس الحالي، يحتفظ الكونغرس الجمهوري الحالي بصلاحياته، وقد يحاول تمرير قرارات قبل تسلّم الأغلبية الجديدة. وبعد ذلك، تبرز ثلاثة مسارات: مساومات محدودة على التمويل والخدمات، أو مواجهة واسعة تشمل التحقيقات والتعطيل، أو جمود مزمن تتراكم معه الملفات والتعيينات المتأخرة. ومن المرجح أن نشهد تداخلاً بين المساومة في الملفات التي تفرض كلفة مشتركة، والمواجهة في القضايا التي تغذي الاستقطاب قبيل انتخابات 2028.
وتبقى الحرب مع إيران الاختبار الأصعب. يستطيع الكونغرس تنظيم جلسات مساءلة، وفرض قيود تمويلية، ومناقشة صلاحيات الحرب؛ لكنه لا ينتزع تلقائياً قيادة العمليات من الرئيس، ولا يستطيع تجاوز حق النقض بسهولة. ومن ثم، قد يصبح أثر التحول الانتخابي رقابياً وسياسياً أكثر منه انقلاباً فورياً في الاستراتيجية العسكرية.
الخلاصة أن انتخابات 2026 قيّدت ترامب من دون أن تشلّ الرئاسة، ومنحت الديموقراطيين حق الاعتراض والرقابة من دون منحهم القدرة المستقلة على الحكم. وبين رئيس قد يضاعف استخدام صلاحياته وأغلبية مطالبة بإثبات جدارتها، لن يكون السؤال من يملك الأصوات فقط، بل من يتحمل مسؤولية ما سيعجز النظام السياسي عن إنجازه.
