ترامب، هل يعرف ديغول وهيكل.. وخريطة أمريكا؟

تبدو رحلة البحث عن تفسير لما يجري من أحداث سياسية مُثقلة بتفاصيل محلية وإقليمية متداخلة. حكومة عالقة في بيروت. مظاهرات تتسع في شوارع بغداد وأزمة سياسية عراقية تتفاقم. المعركة في إدلب معقل الإرهاب تحتدم. ملف الغاز في شرق المتوسط عنوان خطوط تماس جديدة. مؤتمر برلين. تفجيرات اليمن. ضجيج إعلامي عالي السقف يرافق الأحداث المتسارعة. أما الرؤية، فهي أسيرة الحيرة والتشتت.

تعالوا نلتقط أنفاسنا، ولتكن نظرة بانورامية للأحداث، بالإتكاء على مقولتين. الأولى، للزعيم الفرنسي شارل ديغول يوم قال “إذا اردت التكلم في السياسة، فانظر الى الخريطة”. والثانية، للكاتب العربي الكبير محمد حسنين هيكل حين قال “إذا أردت فهم شعب عليك تعلم لغته، وإذا اردت حوار شعب عليك تعلم تاريخه”.

يدعونا ديغول الى ارتداء عدسات الجغرافيا السياسية وليس الجغرافيا الأثنية أو الدينية عند التحدث في شؤون السياسة. أما هيكل، فيدعو أهل السياسة، إلى قراءة التاريخ وإستيعابه وأخذ العبر منه.

عند ديغول، الصورة الفعلية هي للتضاريس وتفاعلها مع المصالح الدولية. فلا البحار ماء ولا الجبال صخور ولا الصحاري رمال. هي العلاقة بين الانسان والمصالح في ظل التضاريس. أو تحت حكم الديكتاتور العادل: الجغرافيا.

على سبيل المثال، انظروا الى المضائق المائية الثلاثة في المنطقة العربية: قناة السويس، باب المندب ومضيق هرمز. وتفحصوا خريطة الطاقة ومسار نقل وقود العالم من خلال هذه المضائق. ثم تابعوا النظر بأحوال الكتل السكانية التي تحيط بهذه القنوات التي تفرض ثقلها على مصير التبادل التجاري العالمي.

بالأرقام، ثمة أربعمائة مليون مواطن يعيشون في حوض النيل مقابل خمسمائة مليون مواطن في حوض البحر الأبيض المتوسط. تربطهم وحدة المسار والمصير. مليار نسمة تقريبا، يصبح معها أمن القاهرة وأديس أبابا من أمن باريس ولندن وبرلين ومدريد وروما وغيرها من عواصم أوروبا.

وإذا أكملنا المشوار ستظهر لنا خريطة الغاز الموازية لهذا المسار في البحر الأبيض المتوسط. من على مرمى حجر من شواطئ لبنان وسوريا مكامن غاز غزيرة تبحث عن أسواق. تبحث عن ممرات آمنة. لتتعقد الأمور أكثر حين تتصل الطاقة مع الأمن ودواعي الاستقرار، وتصطدم بكومة من المصائب أقلها أزمة اللجوء السوري.. وأكبرها مشكلة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. وما بينهما من تنافس أمريكي إيراني لنعود الى المضائق الأولى.

كومة من المصائب: التخبط الأمريكي، التأزم الأوروبي، الفراغ العربي، الانفلاش الإيراني، الاحتلال الإسرائيلي، المأزق التركي، الزحف الروسي، وأخيرا مصير النظام العالمي. كومة من المصائب تزداد تعقيدا حين يبحث أصحابها عن الثمن السياسي الذي يكمن الجواب عليه من خلال النظر الى الخريطة، حسب ديغول.

عند الحديث عن الثمن السياسي لصراعات المنطقة تقفز مقولة محمد حسنين هيكل أمامنا من رحم كومة المصائب. يشرح هيكل في مقولته العلاقة السرمدية بين الإنسان والمصالح. وأنها تعيش تحت ظل التاريخ، لكن بقوانين الطبيعة. تنمو وتثمر فوق تراكم الثقافات والأحداث على مر السنين. غير أن التحدي يكون في استيعاب التاريخ وليس تكراره. المصالح تستمد طاقتها من شخصية المكان. وكأن هيكل يقول: صدق التاريخ ولو كذب المدونون.

بحسب مقولة هيكل إذا أردنا فهم سياسة إيران وبغض النظر عن حاكمها سواء أكان كسروياً أم شاهنشاهياً أم إماماً، علينا تعلم اللغة الفارسية وليس الشيعية

يدلنا ذلك إلى عدم مقاربة أزمات المنطقة بذهنية أحادية لا تأخذ بالاعتبار طبيعة التكوين التاريخي للأطراف المتصارعة. لنأخذ إيران كمثال. بحسب مقولة هيكل، إذا أردنا فهم سياسة إيران وبغض النظر عن حاكمها سواء أكان كسروياً أم شاهنشاهياً أم إماماً، علينا تعلم اللغة الفارسية وليس الشيعية! وإذا ما تهيأت ظروف الحوار مع طهران، فعلينا تعلم التاريخ الفارسي الذي يمتد لآلاف العصور. هنا تبرز ضرورات الفهم قبل الحكم، على حد وصف هيكل أيضاً.

ومن السياق ذاته، نكتشف كيف تحولت أوروبا القارة الحيوية الى القارة العجوز. وكيف تأزمت من الداخل بعد سنين طويلة من الرخاء أدت الى شيخوخة سياسية واقتصادية واجتماعية. تعددت اللغات المحكية على أرضها، لكن اللغة الأطلسية طغت بعد الحرب العالمية الثانية. وفي ظل الحرب الباردة بين السوفيات والأمريكان، نشأ نظام أوروبي لم يعد يتقن المناورة وبالتالي إفتقد روح المغامرة.

وعند الغوص في تاريخ هذه القارة، تقفز أمامنا معاهدة وستفاليا العام 1648م. تاريخ الصلح الذي أنهى حروب الثلاثين عاما والثمانين عاما في القارة (الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت). هو تاريخ تأسيس العقل السياسي الغربي على مبدأ سيادة الدول. انتهاء عصر هيمنة الكنيسة على الشأن العام. الأهم نقطة انطلاق أوروبا من عصر الظلام الى التنوير ثم النهضة مرورا بالنكبة (الحرب العالمية الأولى) والنكسة (الحرب العالمية الثانية) وصولا الى الشيخوخة في القرن الحادي والعشرين.

سيرة أوروبية قرأها جيدا وريث لينين وستالين، رجل الكرملين الأول فلاديمير بوتين. عرف ألا يناكف الجغرافيا كأسلافه. وألا يستدعي شياطين التاريخ كما فعل القيصر من قبله. وعرف أن موسكو روسية لا آسيوية ولا أوروبية. وأن أمنها القومي لن يستقيم من دون استقرار منطقتي جرمانيا (ألمانيا والنمسا) والأناضول (تركيا). فرمى بذراعيه: ذراع في القرم والثاني في سوريا، متماهياً مع شخصية بلده وحاجتها للتمدد من شمال أوروبا إلى غرب آسيا.

تتعقد الأمور أكثر عند الحديث عن واشنطن. أمريكا دولة بحرية وليست برية. كل عناصر الجغرافيا والتاريخ ترسم إطار سياسة هذا البلد. ترسم العقل السياسي لقادته من جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وجون أدمز وغيرهم من الأباء المؤسسين. وهو ما سار عليه معظم الرؤساء من بعدهم. غير أن الرئيس الحالي دونالد ترمب يعوض عن جهله السياسي والفكري، بالبحث عن صفقات، ضارباً عرض الحائط قوة أكبر منه اسمها الخريطة.

قال كل من ديغول وهيكل كلمته ومشى. وبقيت الخريطة بكامل كبريائها لم تتغير. جيل بعد جيل يترك بصمته في صفحات التاريخ. ونقف نحن أمام خريطة ترسم حدودها بالدم والناروالأشلاء، أما خطوط الطول والعرض فيها، فتقاس بالعقيدة.(راجع “المضائق… قنوات تواصل أم ممر للأزمات؟”: http://180post.com/archives/4505

(*) كاتب سعودي

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free