“فاغنر”… من حماية منشآت النفط السورية إلى “استثمارها”؟

في كانون الثاني/ديسمبر الماضي، أصدر البرلمان السوري تشريعاً لإبرام اتفاقات مع شركتين روسيتين لتطوير ثلاث رقع لحقوق النفط والغاز، بمساحة إجمالية تبلغ حوالي 12 ألف كيلومتر مربع، واحتياطيات قدّرها الجانب السوري بنحو ثلاثة أرباع تريليون متر مكعب من الغاز... الملفت في الأمر أن الشركتين اللتين فازتا بهذه العقود الضخمة لم يكن أحد في قطاع النفط والغاز قد سمع باسمهما حتى هذا التاريخ!

في تحقيق موسع نشرته قبل يومين، حاولت صحيفة “نوفايا غازيتا” الروسية المعارضة فك لغز شركتي “فيلادا” و”ميركوري”. الأولى، فازت بعقود الاستكشاف في الرقعة 23، بينما فازت الثانية بعقود الاستكشاف في الرقعتين 7 و19.

حدث ذلك في 16 كانون الثاني/ديسمبر الماضي، حين عقد البرلمان السوري جلسة تشريعية، أُقِرّت خلالها مشاريع قوانين بشأن إبرام اتفاقات لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز مع “شركتي النفط الروسيتين”.

وفقاً لوزير النفط السوري علي غانم فإنّ الرقعة 23 هي حقل غاز تصل مساحته إلى 2159  كيلومتراً مربعاً، وتقع إلى الشمال من دمشق؛ أما الرقعة 7  فهي حقلٌ نفطي مساحته 9531  كيلومتراً مربعاً ويقع على الضفة الشمالية من نهر الفرات؛ وأما الرقعة 19، فلم يقل غانم أيّ شيء عنها، ولكن يتضح من السياق، وفقاً لـ”نوفايا غازيتا”، أنها قريبة من الرقعة 7.

وبحسب الوزير السوري، فإنّ احتياطيات الغاز في كل رقعة يناهز 250 مليار متر مكعب.

“فيلادا”… الشركة “الغامضة”

 

بحسب تحقيق “نوفايا غازيتا” فقد تم تأسيس شركة “فيلادا” برأس مال مصرح به يبلغ 10 آلاف روبل  في عام 2015 من قبل إيكاترينا تروفيموفا. وفي تموز / يوليو  عام 2018، حلت  داريا بارانوفسكا مكانها كمدير عام وشريك وحيد في الشركة.

الملفت للانتباه أنه لا يوجد سوى موظف واحد مدفوع الأجر في “فيلادا”. وبين العامين 2015-2017 ، تبيَّن من البيانات المالية للشركة أن الإيرادات كانت صفرية، بينما بلغت الإيرادات في العام 2018 نحو 3.2 ملايين روبل، مع خسارة صافية إجمالية قدرها 27 ألف روبل.

يضاف إلى ما سبق أنه ليس من الممكن معرفة جهات اتصال عامة يمكن الوصول إليها للتواصل مع “فيلادا”: لا هاتف، لا  موقع الكترونياً، ولا عنوان بريد إلكتروني.

يبرز هنا السؤال: كيف نجحت شركة  لا خبرة لديها في التنقيب عن الغاز، وليس فيها موظفون، ولا رأس مال، في الفوز بعقد في دولة مضطربة مثل سوريا، لاستكشاف رقعة غاز تقدر احتياطاتها بربع تريليون متر مكعب؟!

لكن اللغز له حل بسيط،  بحسب “نوفايا غازيتا”، إذا علمنا أن إيكاترينا تروفيموفا شغلت في السابق منصب مساعد مدير في شركة أخرى  هي “كونكورد ماندجمنت أن كونسلتينغ” التي يملكها  يفغيني بريغوزين، الذي يشار إليه غالباً في الإعلام بتسمية “طاهي بوتين”، والذي  تشتبه الولايات المتحدة في تدخله في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

بحلول صيف العام 2018، كانت ايكاتيرينا تروفيموفا قد تركت منصبها في “فيلادا” لصالح داريا بارانوفسكايا، وغادت روسيا لتقيم في الولايات المتحدة.

هناك تمكنت “نوفايا غازيتا” من التواصل معها، حيث لم تنكر  دورها “الصوري الصرف” في “فيلادا”، مشيرة إلى أن ذلك كان بطلب من الدائرة المالية في “كونكورد” مقابل حوافز مالية وظيفية.

أما بارانوفسكايا،  رئيسة مجلس الإدارة  و”مالكة” الشركة الغامضة، فلم يكن من الممكن الوصول إليها، مع العلم بأن المعلومات المتاحة عنها تفيد بأنها خريجة “معهد سانت بطرسبورغ التكنولوجي”.

حاولت “نوفايا غازيتا” التواصل مع أحد أقرباء  بارانوفسكايا، وهو  مدير في إحدى شركات بريغوزين، ولكن من دون جدوى، كما أن رسالةً بُعثت إليها عبر إحدى صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، لم تلقَ رداً، رغم انها قرأتها بالفعل.

“ميركوري”… من التموين في كامتشاتكا إلى النفط السوري

على عكس “فيلادا”، فإنّ شركة “ميركوري” معروفة جيداً، ولكن في ميدان مختلف، ومنطقة أخرى تماماً.

بين عامين 2015 و2018، أبرمت “ميركوري” عقوداً سنوية بقيمة 115-118 مليون روبل لصالح وزارة الدفاع الروسية لتوفير الغذاء للعسكريين.

من خلال مواقع التوظيف، وبيانات إجراءات التحكيم ، يتضح أنه كان لدى “ميركوري” أكثر من عشرة مقاصف في كامتشاتكا (بتروبافلوفسك كامتشاتسكي، فيلوتشينسك، ييليزوفو، وباراتونكا)، وقد وظّفت أكثر من ألف شخص، وبلغت إيراداتها  3.1 مليارات روبل في العام 2018.

صاحبة الشركة المسجلة في موسكو هي أولغا خولودوفيتش المتحدرة من سانت بطرسبورغ، ومديرها العام هو بافيل كاراسيف من منطقة لينينغراد ، في حين يقع المكتب المعروف للشركة في بتروبافلوفسك كامتشاتسكا.

معظم هواتف ميركوري المدرجة في إعلانات التوظيف لا ترد، ولكن “نوفايا غازيتا” تمكنت من الوصول إلى موظفة سابقة في إدارة شؤون الموظفين في كامتشاتكا، وحسبما قالت فإنّ “ميركوري” لم يعد لها أيّ وجود، وقد توقفت تماماً عن ممارسة انشطتها.

لم يكن ممكناً العثور على هواتف أو عناوين بريد إلكتروني أو حسابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي للمدير العام كاراسيف، كما لم يُعثر على أية معلومات عن مدير كبير في مجال تقديم الطعام العام بهذا الاسم. أما الحساب الوحيد الذي يحمل اسم خولودوفيتش على موقع “فكنوتاكتي” فلا يتوافق مع شخص رقم أعماله يناهز المليار دولار.

إقرأ على موقع 180  بوتين يمسك عصي الشرق الأوسط... من دمشق

وفقاً لـ”نوفايا غازيتا” يبدو أن “ميركوري” بدّلت نشاطها، وبدأت في استكشاف النفط والغاز في سوريا. هذه المعلومة أمكن الوصول إليها من خلال راميل بارييف، الذي كتب  في سيرته الذاتية، أنه شغل منصب المدير العام لـ”ميركوري” بين آب/ أغسطس 2017  وتموز/يوليو 2018، وشارك في “تنظيم تنفيذ الأعمال المتعلقة بالجيولوجيا والجيوفيزياء والتنمية” في الشرق الأوسط. لم يرد بارييف على خطاب أرسلته “نوفايا غازيتا”، للاستفسار عن طبيعة عمله!

ما علاقة “فاغنر”؟

حسبما صرّح وزير النفط السوري علي غانم لوكالة “ريا نوفوستي”، فإنّ “التعاون مع شركة ميركوري كان جزءاً من بروتوكول اللجنة الحكومية المشتركة الذي تم التوقيع عليه في سوتشي عام 2017”.

تشير “نوافايا غازيتا” إلى أن “ميركوري” هي واحدة من الشركات التي تشكل إمبراطورية بريغوزين، سواء  في مجال توفير الحصص الغذائية للمدارس والثكنات العسكرية أو في قطاعات أخرى مثل الإنشاءات والتعدين، والأهم مما سبق في المجال الأمني عبر مجموعة “فاغنر”.

في هذا الإطار، يأتي دور شركة “يفرو (يورو) بوليس”، التي ينظر إليها باعتبارها الإطار القانوني لمجموعة “فاغرنر”.

تشير “نوفايا غايزتا” إلى أنه في كانون الأول/ديسمبر عام 2016، وخلال زيارة وزير النفط السوري إلى موسكو، حيث التقى نظيره الروسي الكسندر نوفاك، تم توقيع اتفاقية بين “يفروبوليس” و”مؤسسة النفط السورية” الحكومية، تقوم بموجبه الأولى (المعروفة باسم العلامة التجارية “فاغنر بي أم سي”) بإجراء عمليات عسكرية لتحرير حقول النفط والغاز مقابل ربع حجم الإنتاج اللاحق.

وفقاً لـ”نوفايا جازيتا”، تمت المصادقة على الاتفاق من قبل الحكومة السورية في أيار/مايو عام 2017 وتم تنفيذه بصرامة. وعلى هذا الأساس، تشير الصحيفة الروسية إلى أن “فيلادا” و”ميركورو” هما، على ما يبدو، جزء الشركات المرتبطة بهذا الاتفاق، وذلك على قاعدة واضحة: تلزيم عقود استكشاف الحقول وتطويرها للجهة نفسها التي استطاعت استعادتها وحمايتها بقواتها المسلحة.

Print Friendly, PDF & Email
وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  فخامة الرئيس.. أهكذا يكون "اليوم التاريخي"؟