إيران تخرج من سوريا.. لكنها باقية إستراتيجياً

كما كان رحيل أو بقاء الرئيس السوري بشار الأسد محور انقسام إقليمي ودولي حاد، فان خروج أو بقاء ايران على الساحة السورية، يُشكل احد أبرز العقد التي تحدد مستقبل العلاقات السورية ـ العربية والسورية ـ الغربية. لكن هذا الأمر يُعتبر ورقة رابحة في يد دمشق، ذلك ان التواجد العسكري الايراني المباشر قابل للانتهاء في سوريا تماما كحال حزب الله، بعدما يستعيد الجيش السوري سيطرته على كافة المناطق، وفق ما بشّر به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في زيارته الأخيرة إلى العاصمة السورية.

كيف تطورت العلاقات الايرانية – السورية التي نسجها بدقة الرئيس الراحل حافظ الأسد مع القيادة الايرانية، غداة إنتصار الثورة الإيرانية في العام 1979، ووظفها في علاقاته مع الخليج، وفي تموضعه اللافت للإنتباه آنذاك على الساحة الدولية خصوصا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، تماما كما وظفها في الصراع المرير مع إسرائيل؟

كان القلق السوري قد بلغ ذروته بعد اجتياح العراق من قبل الجيشين الأميركي والبريطاني في العام 2003، من دون أية تغطية من مجلس الأمن الدولي. كانت غطرسة المحافظين والمبشّرين الجدد في الإدارة الاميركية قد فاقت كل التوقعات. صار التهديد العسكري المباشر يطرق بقوة أبواب سوريا بتهمة إعاقة هذا الاجتياح والتمهيد لضرب الأميركيين، وأيضا بهدف اضعاف آخر دول الطوق الداعمة للمقاومة والرافضة لإستمرار الهيمنة الإسرائيلية. جرى كل ذلك، بعدما فشل التفاوض الإسرائيلي – السوري برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون في أواخر عهد الرئيس حافظ الأسد، وتنكّرت تل أبيب لما سميت “وديعة رابين”، أي قبول رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين بالانسحاب من كامل الجولان السوري المحتل مقابل السلام مع إسرائيل.

توجه الرئيس بشار الأسد إلى طهران في 16 آذار/مارس 2003، للقاء المسؤولين الإيرانيين. كان اللقاء مع مرشد الثورة السيد علي خامنئي حاسماً وواضحاً في الذهاب صوب مقاومة أميركا في العراق. يتبين مما تسرّب من محضر تلك الجلسة أن الأسد قال لمضيفه الإيراني: “لم نكن في بداية الأمر راغبين في الحرب لمعرفتنا بضررها الكبير، لكننا لا نستطيع أن ننتظر مجيئها إلينا، وتعلمون أننا وإياكم الوحيدون في المنطقة الذين نملك قرارنا، وباعتقادنا أن إطالة أمد الحرب هو أهم ما يمكن أن نعمل عليه لأن ذلك سيؤدي إلى إنهاك أميركا وإغراقها أكثر في الوحل العراقي. صحيح أن الكثير من الشعب العراقي لا يحب صدام حسين، لكنه لن يقبل إحتلالاً أميركياً على أرضه، ونحن على اقتناع بأن مقاومة ستنطلق ضد هذا الاحتلال، ولا بد لنا من التنسيق قبل الحرب، لأنه في حال نجحت أميركا في العراق، فستصبح إسرائيل هي التي تقرر مصير جميع الدول، بما فيها سوريا وإيران، وسوف تنتقل الحرب ضد الفلسطينيين وتستهدف القضاء على المقاومة. ونحن نعتقد أن علينا الآن التركيز على المواطن العراقي غير المرحب بالأميركي وغير المرتبط بواشنطن والذي لا ينتمي إلى أية جهة، يجب أن نعمل على إفشال أميركا في العراق، وإن لم نستطع هزيمتها يجب أن نساهم في إبقاء الوضع متفجراً وأن تحصل عمليات استشهادية، ذلك أن أكثر شيء يرعب الأميركيين هو أن نقول لهم إن أبناءكم سيُقتلون في العراق”.

كان لسان حال الأسد في كل اللقاءات مع الرئيس محمد خاتمي أو مع المرشد خامنئي أن الحل هو فقط بالإعداد للمقاومة، خصوصا بعدما تبين أن كل تعاون سوريا مع الاميركيين لمكافحة الإرهاب عبر الحدود، لم يغير شيئا في نظرة المحافظين الجدد في الإدارة الاميركية لدمشق وطهران كمحورين للشر. وهو إذ وجد بعض الحذر الدبلوماسي عند الرئيس الايراني آنذاك محمد خاتمي وفق ما تظهر محاضر الجلسات، فإن مرشد الثورة وافقه تماماً على ضرورة  المقاومة.

اعتبر خامنئي أن المقاومة ودعمها في العراق هما الأساس على الرغم من أن سوريا وإيران كانتا آنذاك على طرفي نقيض مع بعض المعارضة العراقية، كما أن دمشق كانت قد بدأت ( قبل الاجتياح) بإقامة علاقات مع العراق حتى ولو أن التقارب مع صدام حسين كان فاتراً أو شبه معدوم بسبب أحقاد الماضي. فقبيل الحرب بفترة قصيرة، ذهب رئيس الوزراء السوري محمد مصطفى ميرو إلى بغداد، وقدم لصدام حسين سيفاً دمشقياً تعبيراً عن التضامن وطي صفحة الماضي. وما لم تقله الهدية، أوضحه ميرو بقوله لصدام: “إن العدوان على العراق هو عدوان على سوريا”، ثم إن الأسد نفسه كان قد استقبل من كانوا بالأمس القريب أشد خصومه في العراق: علي حسن المجيد وطه ياسين رمضان وغيرهما، وفتحت دمشق أبوابها لقادة العشائر ومسؤولين من المعارضة والكرد.

كان الأسد يقول لمحدثيه إن أميركا قد تنجح فقط إذا خرقت النسيج الداخلي العراقي، ولذلك علينا جمع العراقيين والتواصل مع كل المعارضة

 تفخيخ المنطقة بالفتنة

اللافت للإنتباه منذ تلك اللقاءات بين الرئيس بشار الأسد والمسؤولين الإيرانيين أو التي قام بها أيضاً نائب الرئيس السوري، آنذاك، عبد الحليم خدام إلى بغداد، أن القلق من الفتنة المذهبية كان الشاغل الأول لسوريا. كان الأسد يقول لمحدثيه في معظم اللقاءات إن أميركا قد تنجح فقط إذا خرقت النسيج الداخلي العراقي، ولذلك علينا جمع العراقيين والتواصل مع كل المعارضة. وهو ما كان يقوله أيضاً الإيرانيون وعبد الحليم خدام. وهو ما ردده لاحقاً وفي أكثر من خطاب السيد حسن نصر الله، معتبراً أن إسرائيل وأميركا عجزتا عن ضرب المقاومة بالقوة وأنهما ستلجآن إلى تفخيخ العرب والمسلمين بالفتنة السنية ـ الشيعية.

كان لافتاً للنظر أيضاً أنه في خلال لقاءات الأسد في طهران، كان الطرفان على اقتناع بأن المشاريع التفتيتية والتقسيمية تستهدف السعودية إضافة إلى إيران والعراق وسوريا، ولو بنسبة أقل.

ويعجب المرء أن دمشق وطهران كانتا تعتبران أن سقوط النظام السعودي في حينه سيؤجج الفوضى ويأتي بتكفيريين الى الحكم السعودي، ولذلك حرصتا على العمل لمنع حصول ذلك.

شعرت سوريا آنذاك، بأنها ستكون الهدف التالي بعد اجتياح العراق، وأن السبب هو موقفها من إسرائيل، ولذلك لم تجد وسيلة أخرى سوى تعزيز دورها في تأسيس ما سيصبح لاحقا “محور المقاومة”.

لم تكن هذه فقط قناعة القيادة السورية، وانما أيضا بعض معارضة الداخل السوري. في هذا السياق، كان عبد العزيز الخيّر، المعارض السوري الماركسي يؤكد أن إحتلال بغداد “جاء في سياق مشروع الشرق الأوسط الكبير ليرفع المخاطر والتهديدات إلى مستوى شديد السخونة، وليتبعه بلا إبطاء تفاهم أميركي – فرنسي على تغيير الوضع في لبنان ومباشرة الضغوط والحصار على النظام لإخضاعه سياسياً واقتصادياً للمشروع الجديد بلا قيد أو شرط، كحلقة يتعين إسقاطها لإسقاط سائر حلقات المحور الذي يندرج فيه مع إيران وحزب الله وحماس، ذلك المحور الرافض لمشروع الشرق الأوسط الكبير. وقد استمرت تلك الضغوط حتى نهاية العام 2008، عندما فشل العدوان على غزة في إسقاط حماس، كما فشلت محاولة استئصال حزب الله في لبنان عام 2006”.

هذه القناعة التي تولدت أولا من ردة فعل أميركا على سوريا بعد الاعتداءات الإرهابية على برجي التجارة العالميين في نيويورك في العام 2001، برغم عدم علاقة دمشق بالأمر، ثم بعد اجتياح العراق، وقبلهما بعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في العام 2000، جعلت الأسد يقتنع، وأكثر من أي وقت مضى، بأن التحالف الاستراتيجي مع طهران أمر حيوي لمستقبل سوريا.

تعددت المبادرات واللقاءات بين ايران وسوريا. طارت الصورة التي جمعت الأسد في العام 2010 بالرئيس الايراني محمود احمدي نجاد والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عبر أثير الفضائيات العالمية. وقرر خامنئي، بعد فترة تردد بسيطة، فتح كل أبواب المساعدات العسكرية والأمنية والمالية والاقتصادية للقيادة السورية بغية مواجهة تداعيات الحرب على أرض سوريا.

من المرجّح الا يتم الاتفاق على خروج القوات الايرانية وقوات حزب الله، الا بعد الاطمئنان الكامل على تطور علاقات سوريا العربية والدولية

ماذا بين ايران وسوريا؟

 ثمة مغالاة كثيرة في الحديث عن “هيمنة إيرانية” وعن “عمليات تشيييع واسعة” وعن “تغلغل إيراني” في النسيج السوري، وذلك لسببين، أولهما، ان هذا النسيج بقي طيلة قرون عصيا على الاختراق من قبل الخارج، وثانيهما، لأنه بعيدا عن الحرس الثوري الذي كانت له اليد الطولى في دعم سوريا في خلال الحرب، وبالتالي، فان الإدارات الايرانية تتعامل مع دمشق من منطلق المصالح المشتركة، ماليا واقتصاديا، أي من خلال الديون وليس الهبات، وهو ما أدى  لاحقا الى منح المستثمرين الايرانيين بعض التسهيلات في عدد من المناطق والمرافق لتسديد هذه الديون على المدى الطويل.

صحيح ان السياحة الدينية الايرانية الى سوريا كانت لافتة للانتباه برغم الحرب، وصحيح أيضا ان ثمة مساجد جديدة أقيمت، وصحيح ان البعض اشترى أراض وعقارات، لكن كل ذلك لم يؤد حتى الآن الى تشكيل بنية “شيعية – فارسية” في سوريا كما يعتقد غير العارفين، وانما بقي في اطر محدودة.

أما ما يحكى عن تأسيس خلايا مقاومة ضد إسرائيل في المناطق الحدودية، فهذا صحيح، ولكن كل ذلك يبقى تحت سقف وغطاء الجيش السوري، ومن يعرف طبيعة وتركيبة هذا الجيش، يدرك أنه من المستحيل تأسيس أي خلية أمنية بعيدا عنه او مستقلة او تابعة لطرف آخر. وهنا يختلف الأمر تماما بين الايراني والروسي، ذلك ان التحالف التاريخي بين روسيا وسوريا، قارب كثيرا بين عقليات ومفاهيم الجانبين على مدى عقود طويلة، وهذا ليس أمرا طارئا او جديدا، وهو حتما سيستمر حتى بعد الخروج العسكري الايراني.

ماذا عن المستقبل؟

من المنطقي القول إن دمشق غير محتاجة عسكريا لتواجد مباشر لقوات إيرانية او لحزب الله على أرض سوريا. فحين يستعيد الجيش السوري السيطرة على كل المناطق بدعم مباشر من روسيا، لا تعود ثمة حاجة لأي وجود عسكري آخر. وتزداد الحاجة الى الحضور العربي، ذلك ان إعادة الاعمار تتطلب ليس فقط حضورا للصين وروسيا وانما ايضا وخصوصا لدول الخليج التي باشر بعضها فعلا في فتح السفارات والشروع في وضع خطط للمساهمة في إعادة الاعمار والاستثمار، وهذه ورقة تفاوضية رابحة بيد الدولة السورية.

فاذا كانت واشنطن ودول الخليج والدول الاوروبية تشترط مثلا خروج القوات ذات الثقل “الشيعي” من سوريا، لكي تعيد فتح سفاراتها، او لترفع العقوبات، او لتسهل عمل الدولة السورية، فان دمشق تستطيع ان تستخدم ورقة الخروج العلني للقوات الايرانية ولحزب الله (وبالتنسيق معهما طبعا) في أي وقت تراه مناسبا. هذا سيساعد كثيرا الحليف الروسي الذي يفضل ان يكون وحده راعي المصالح السورية مستقبلا، وهو القادر أن يفاوض مع الدول العربية والأوروبية وأميركا وصولا الى إسرائيل بشأن هذا الأمر، بمعنى انه سيقول ان وجوده في سوريا كفيل بضمان أمن إسرائيل وانه ساهم في خروج ايران وحزب الله.

لعل الرئيس الأسد حاول ونجح الى حد ما في الحفاظ على الورقتين الروسية والإيرانية بيده، نظرا لتناقضهما في عدد من الملفات، برغم ما يقال عن ان طهران وموسكو هما اللتان أمسكتا بخيوط اللعبة السورية. لذلك، من المرجّح الا يتم الاتفاق على الخروج العلني للقوات الايرانية وقوات حزب الله، الا بعد الاطمئنان الكامل على تطور علاقات سوريا العربية والدولية.

هذا كله بات قابلاً للتحقيق. فالقوات الايرانية وقوات حزب الله لن تبقى في سوريا بعد انتهاء الحرب في سوريا، ولا حاجة أصلا لبقائها، وخروجها سيخفف عبئا ماليا كبيرا عنها. اما العلاقات الاستراتيجية مع طهران وحزب الله، فهي كانت وستبقى من ثوابت السياسة الخارجية السورية.

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy course download free