الفنون جنون

غالباً ما يواجهنا السؤال حول جدوى الأدب والفن في اللحظات المصيرية من حياة الشعوب والأوطان، وماذا ينفع الناسَ الكلامُ عن الشِّعر والموسيقى والغناء وسواها من أشكال التعبير الإنساني، فيما الطائرات النفاثة تهدر في السماء والمدافع تملأ الأرض دوياً وموتاً وخراباً.

قد يغيب عن بال السائل أن معظم الفنون العظيمة ولدت في الأزمنة الصعبة ومن رحم المآسي والويلات. ففي الأوقات المذكورة، تمسي حاجة الإنسان إلى التعبير عن نفسه أشد ضرورة وإلحاحاً. ولو راجعنا تاريخ الفن، لوجدنا أن الكثير منه تزامن مع التحولات الكبرى التي عاشتها الشعوب والمجتمعات.
ويظل السؤال مطروحاً حتى حين نقول إن الفنون تهذب النَّفْس البشرية وتساهم في سموها وارتقائها الى أعلى، إذ نجد مَن يجيب بأن ثمة فنانين كانت أعمالهم مصدر “إلهام” لطغاةٍ ووحوشٍ بشرية، كما كان الحال مثلاً مع النازية وزعيمها أدولف هتلر الذي استعان بفنانين ومفكرين للترويج لأفكاره المجنونة. هذا صحيح، لكنه استثناء. القاعدة أن الفن باختلاف تعبيراته وأشكاله له تأثير كبير في تشكيل الوعي النقدي والذائقة السليمة وتكوينِ حسٍّ مرهف ينأى بصاحبه عن العنف والتطرف في المشاعر والأفكار. عفواً، قد يتطرف عاشق الفن ويصل الى حافة الجنون، لكنه تطرف جميل مبدع مختلف عن التطرّف القاتل الذي حوَّل بلادنا الى ما يشبه المقبرة الجماعية في حفلة جنون دموية لها أول وليس لها آخر، اذ لن تُكتَب نهاية قريبة لما يعصف بِنَا ما لم يصحو العقل العربي من سباته ويُعلِي شأن المعرفة على ما عداها كي نبدأ خطواتٍ أولى في مشوار الألف ميل للخروج من النفق المسطوم الذي يخنقنا ويحجب عنا النور وضوء الشمس.
ما لم تشرق شمس العقل أولاً لن نعرف شمس النهوض والتقدم واللحاق بركب الأمم المعاصرة المتحضرة.
نافلٌ القول أيضاً أن الفن عاملٌ مهمٌ من عوامل تكوين شخصية الانسان، ونقصد هنا الفنون الجميلة الراقية لا “الفنون” التجارية الهابطة التي تشوه ذائقة المرء عِوَض الارتقاء بها. هل أجمل من أن ينشأ الطفل على رؤية لوحة تشكيلية معلّقة على جدار غرفته أو على مقطوعة موسيقية ترافقه لحظة نومه واستيقاظه، وأن يكون الكتاب جزءاً أساسياً من مقتنياته، وأن يعتاد الذهاب الى السينما والمسرح برفقة ذويه، ويُقدِّر فنون الرسم والنحت والموسيقى والتمثيل، ولا ينظر إليها بازدراء أو بوصفها رجساً من عمل الشيطان، بل نِعماً الهية سُخِّرت لكي تكون حياتنا أخفَّ وطأة، ولا غرابة البتة في كون الفنون تزدهر مع ازدهار الأمم وعلو كعبها كما حصل في بغداد الرشيد أو أندلس العرب، حينها كانت فنون الشعر والموسيقى والغناء والعمارة في أوجها، ومَن ينسى مثلاً قصيدة ابن الرومي في “وحيد” المغنية. ولعل زيارة واحدة إلى إسبانيا والاطلاع على الإرث الابداعي الذي خلّفه العرب في الأندلس تكفي لإعطائنا لمحة عن أهمية الفنون في البنيان الحضاري للأمم.
ونذهب أبعد ذلك، إذ نعتبر الفنون الراقية طريقاً الى معرفة الخالق والتسبيح بحمده. فما يصدر من القلب والروح قادر على الوصول إلى القلب والروح، وهنا ربما يكمن الفارق بين العلم والفن. فالأول يتكّل اتكالاً عميقاً على العقل، فيما الثاني ينبع أساساً من القلب والروح. طبعاً لا يمكننا الفصل كلياً بين العقل والقلب، أو بين العقل والروح. فالكائن بلا عقل لا يصير إنساناً، وبلا روح لا يصير كائناً أصلاً. ولعل الفن الحقيقي يولد من تلك المنطقة العميقة “المجهولة” التي يتقاطع فيها العقل مع الروح. وبهذا لا يعود مستغرباً مثلاً أن تسمو الموسيقى روحياً بالإنسان، وترتقي به إلى مراتب الوجد والتجلي في علاقته مع خالقه. فالموسيقى الجادة والحقيقية، تظلّ من أهم الفنون التي ابتدعها الانسان، وفضلاً عن كونها تسمو بِالنَّفْس البشرية وترتقي، تساهم أيضاً في علاج الأمراض النفسية والعصبية نظراً لمفعولها السحريّ الجميل النافع. كما بات معلوماً أن ثمة أنواعاً من النباتات تصبح أكثر نمواً وتفتُّحاً حين “تصغي” الى الموسيقى. فما بالك إذاً بالإنسان؟

ليست الفنون جنوناً ولا ترفاً، بل ضرورة من ضرورات العيش والحياة، فما أوحش هذا الكوكب لولا الشعر والموسيقى والغناء وسائر أشكال التعبير الإنساني

نعرف أن ما يطغى اليوم على المشهد هي الفنون الاستهلاكية والتجارية التي باتت أكثر شيوعاً وانتشاراً بفعل ثقافة العولمة الاستهلاكية، وبسبب الميديا الحديثة التي سهلت انتشار الغثّ والسمين على السواء، لكن هذا الواقع يدفعنا إلى التمسّك أكثر بضرورة التبشير الدائم بأهمية الثقافة الإنسانية الحقيقية والجادة، ومن ضمنها الفنون التي تخاطب عقل الإنسان وتلامس روحه، ولا تقتصر على مخاطبة غرائزه وعصبياته. ولا نستغرب أن تنحاز الشركات الكبرى والمنتجون المقتدرون إلى الفنون السهلة والنأي عن كل ما هو جاد، إذ أن تلك الشركات المُعولَمة (كما أسلفنا سابقاً في هذه الصفحة) لا ترى في الكائن البشري إنساناً بقدر ما تراه مجرد زبون في سوق هائلة تمتد على امتداد المعمورة.
حيال هذا الواقع يغدو التبشير بالفن الحقيقي والجاد واجباً وضرورة وجزءاً لا يتجزأ من فعل المقاومة. مقاومة الرداءة والابتذال، التي تعني مقاومة الخراب والتخلّف والتطرف بشقيّهما: الرجعي والاستهلاكي.
لكن تبقى المعضلة الفعلية التي تواجهنا في مجتمعات كمجتمعاتنا حيث الفقر والأمية والبطالة مرتفعة المنسوب بما يتجاوز الخطوط الحمراء، هي كيف يستطيع الانتباهَ الى الفنون مَن ينام خَاوِيَ المعدة لأنه لا يجد قوت يومه، ولا خبزه كفاف يومه؟ كيف يتفاعل مع الفن مَن لا يقرأ ولا يكتب؟ بل كيف يفهمه المتعلم نفسه اذا لم يكن ذو ثقافة عامة؟
والآن، هنا، ماذا تعني الفنون جميعها لأولئك المهجرين من بيوتهم وأوطانهم؟ أو لمن فقدوا أحبة وأعزاء؟ ودُمِّرت بيوتهم وأرزاقهم؟ لأولئك الغرقى في البحر أو على شفا الموت طلباً للضفة الأخرى من الأبيض المتوسط؟
كلها أسئلة محقة ومشروعة، لا إجابة شافية عليها بغير السعي لتحقيق نهضة تنموية شاملة تكافح كل تلك الآفات، متى انتهى الفقر وامّحت الأمية وانتفت البطالة وسادت العدالة الاجتماعية تراجعت احتمالات الحروب واستعصت بلادنا على مشاريع الفتن والتفتيت والتجزئة.
لا مشروعَ نهضوياً تنموياً بلا احترام العقل، والفنون من أجمل نتاجات العقل البشري، هي ليست ترفاً ولا كماليات، بل إحدى أبرز الأدوات الممكنة لمكافحة الفقر والأمية والبطالة، فالإنسان متى تحلى بالوعي والمعرفة والثقافة ازدادت فرص نجاحه في الحياة، ومتى نجح يغدو أكثر مقدرة على مكافحة تلك الآفات. ولأن الفنون من أهم روافد الوعي والمعرفة، علينا احترامها وتقديرها وتوفير ما استطعنا اليه سبيلاً كي نحصّن أرواحنا وعقولنا في مواجهة عالم لا يعرف الرحمة.
ليست الفنون جنوناً ولا ترفاً، بل ضرورة من ضرورات العيش والحياة، فما أوحش هذا الكوكب لولا الشعر والموسيقى والغناء وسائر أشكال التعبير الإنساني.
نشأنا ونحن نسمع أسلافنا يرددون: “الفنون جنون”. اليوم نقول ما أجمل جنون الفنون مقارنة بجنون العصبيات القاتلة المدمرة.

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
udemy paid course free download