حميدتي.. تاجر الإبل الذي صار قائد ميليشيا بالسودان

Avatar18007/02/2020
نشر موقع "أورينت 21" مقالة للكاتب الفرنسي المتخصص في الشأنين الأثيوبي والأفريقي جيرار برونيي (المدير السابق للمركز الفرنسي للدراسات الأثيوبية في أديس أبابا) عرض فيها للمشهد السوداني منذ عزل واعتقال الرئيس عمر البشير في 10 أبريل/نيسان 2019 وما تلاه من تعايش هش بين المجتمع المدني و"القوات المسلحة" شبه المخصخصة، وركز على شخصية الضابط محمد حمدان دقلو الملقب بـ"حميدتي"، قائد قوات الدعم السريع في السودان.

“كان سياق بداية سنة 2019 خاصا في السودان، إذ لم يعد النظام الإسلامي -العسكري إسلاميا، ودخل الجيش في منافسة مع قوات شبه عسكرية أصبحت مستقلة عندما طلب منها الرئيس عمر البشير أن تشارك في صراعات خارجية. وقد لعب إرسال حميدتي لـ”متطوعين” من قوات الدعم السريع إلى اليمن دورا مهما في ذلك. فبعد اعتقال البشير، أصبح حميدتي نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، لكنه عمليا يلعب دور القائد الحقيقي، برغم وجود رئيس المجلس وهو الفريق الأول عبد الرحمن عبد الفتاح برهان. ويجب الإشارة هنا إلى أن تسليح هؤلاء المتطوعين يفوق تسليح الجيش النظامي الذي ينتمي إليه برهان، إذ ساهمت فيه الإمارات التي مدت قوات الدعم السريع بوسائل تقنية.

وحميدتي رجل متوحش وخبيث وذكي، رغم تدني مستوى تعليمه. وقد بات مليونيرا بفضل استغلال “فظ” لمناجم الذهب غرب البلاد. وقد كان قائد ميليشيا في دارفور حيث ارتكب أعمال عنف واسعة قبل أن ينقلب على البشير الذي كان يرى فيه “حاميه”. هنا يكمن التباس الوضع الحالي، فهل نحن أمام انقلاب عسكري أم أمام ثورة ديمقراطية؟(…)

الفريق الأول السفاح حميدتي من مواليد ضواحي دارفور، وقد جمع تحت راية قوات الدعم السريع الكثير من الجنود الضائعين الذين سبق وشاركوا في حروب الساحل (من التشاد والنيجر وجمهورية أفريقيا الوسطي وحتى منشقين عن بوكو حرام). لا يكن حميدتي عداء للإسلام لتجذر الثقافة الإسلامية في المجتمع السوداني. لكن الإسلاميين الذين يفضلون “الدولة الإسلامية العميقة” عن وطنهم قد خسروا السيطرة على السكان، وهو السبب الذي يجعل محاولة السعودية والسودان في الحفاظ على نظام إسلامي دون إخوان ستبوء بالفشل.

فهم ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد هذا الأمر قبل “حلفائه السعوديين”، وكذلك فعل الفريق الأول حميدتي. لما تمرد شبه المسرحين من جهاز الأمن والمخابرات الوطني في ثكنتين في 14 يناير/كانون الثاني، حيث كانوا يمكثون دون عمل، لم يتردد حميدتي طويلا ـ بل أرسل رجاله لمهاجمة الثكنتين وتواصل القتال حتى ساعة متأخرة من الليل. وقد عرف المتمردون بحلّ كتيبة العمليات التابعة لجهازهم والتي كانت تعنى بالإبتزاز والاختطافات والضرائب غير الشرعية.

إلى أين سيصل تاجر الإبل الذي صار قائد ميليشيا؟ كثيرون يعيبون عليه تدني مستواه التعليمي وأصوله غير السودانية، لكن ذلك لم يمنعه من أن يصير شخصية رئيسية على الساحة الدولية والإقليمية

انهزمت مجموعات جهاز الأمن والمخابرات الوطني وذهب موتاهم في تعداد الخسائر. لكن حميدتي أجبر على السفر إلى أبو ظبي ليشرح لبن زايد قراره. فصحيح أنه حليف الإمارات في السودان، لكنه ليس مجرد أداة مفعول بها في المنطقة. وقد انتبه بن زايد إلى ذلك عندما اعتذر حميدتي عن عدم إرسال دعم للقائد خليفة حفتر الذي لم ينجح بعد في دخول العاصمة الليبية طرابلس. ولم يكن من الإمارات إلا أن قامت بتجنيد “حراس أمن” من خلال شركة “بلاك شيلد” للخدمات الأمنية وهي مجرد واجهة لسلطة أبو ظبي.

هناك مثال آخر على استقلالية ضابط دارفور، وهو رفضه تقديم يد المساعدة لمجموعات مرتبطة بـ”الـدولة الإسلامية العميقة” حاولت تنظيم مظاهرات ضد السلطة في ود مدني (وسط السودان) في 11 يناير/كانون الثاني، فما كان منها إلا أن دفعت مقابلا لعمال فلاحيين عاطلين عن العمل لحشد الصفوف.

هل يمكن إذن قول إن تصريح الوزير الأول عبد الله حمدوك أمام الوفد الأمريكي يؤكد فعلا وجود نموذج سوداني للعلاقات بين المدنيين والعسكريين؟

الأمر صحيح نسبياً. فمن يقصد هنا بالـ”عسكريين” هو حميدتي، لأن الجيش النظامي لم يعد يسيطر على الوضع السياسي أو العسكري. فخلال محادثات جوبا بين مقاتلي الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال المستمرة في إقليم كردفان جنوب البلاد، كان حميدتي يلعب الدور الرئيسي، وقد نجح في الوصول إلى اتفاق سلام أولي، قد يتأكد في 14 فبراير/شباط القادم.

لن تكون هناك انتخابات قبل 2021 وفق اتفاق تقاسم السلطة في 5 يوليو/تموز 2019، كما أنه لا يحق للمسؤولين الحاليين في الفترة الانتقالية أن يتقدموا لها. صحيح أن الوزير الأول عبد الله حمدوك يبذل قصارى هجده، لكنه يفعل ذلك ببطء شديد ومزعج في نظر السكان الذين شاركوا في المظاهرات حتى تاريخ يونيو/حزيران 2019. إذ لم يقرر إلا مؤخرا إقالة وزير الخارجية الذي أساءت لامبالاته إلى الديبلوماسية السودانية الجديدة، بعد 30 سنة من الركود والفساد.

كما يواصل حمدوك التوسل للبنك الدولي للحصول على مساعدة لا يزال يرفضها الأمريكيون بتعلة العقوبات التي صوتت لها في الماضي ضد النظام الإسلامي. وتبدو علاقة حميدتي بالوزير الأول جيدة دون أن تكون ودية، كما يبقى على صلة بأحزاب قديمة مثل حزب الأمة لصادق المهدي أو بأحزاب أخرى – لكن بأكثر سرية. ويقوم رجال حميدتي بتوزيع الغذاء والأدوية مجانيا، وهو اليوم يجند عناصر جدد ليس فقط في مسقط رأسه بدارفور، بل كذلك من “أولاد البلد” في وادي النيل.

أما سكان دارفور الحاضرون في مكاتبه بالخرطوم، والذي قتل أحيانا أقرباؤهم على يد حميدتي، فهم ينتظرون الوقت المناسب للاستفادة من الوضع: “نحن نعرفه على الأقل ونعرف كيف نتعامل معه. كما يسرنا أن يصل أحد أبناء دارفور إلى الرئاسة، بعد سني الاحتلال”.

إلى أين سيصل تاجر الإبل الذي صار قائد ميليشيا؟ كثيرون يعيبون عليه تدني مستواه التعليمي وأصوله غير السودانية، لكن ذلك لم يمنعه من أن يصير شخصية رئيسية على الساحة الدولية والإقليمية.

(المقال كاملاً : https://orientxxi.info/magazine/article3599 )

Avatar

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course