صدفٌ أم مواعيد بين إسرائيل وتونس: إقالة مندوب، مباراة تنس وصورة

تزامن خبر إقالة مندوب تونس الدائم لدى الأمم المتحدة السيد المنصف البعتي على خلفيّة ما عُرف بـ"خروجه عن النص" و"ذهابه أبعد ممّا كان يريده رئيس الجمهوريّة السيد قيس سعيّد"، بعد أنْ "بالغ" المندوب الدائم في إظهار كافة أشكال الدعم للفلسطينيين بشكلٍ يرقى إلى أنْ "يُفسد" العلاقات التونسيّة الأميركيّة؛ مع واقعة مماثلة لناحية تحرّي العناوين المقبلة، تزيد من ترجيح كفة أخرى، لا يرغب لا التونسيون ولا غيرهم في تصوّرها في المدى المنظور، نتطرّق إليها لاحقاً هنا.

هاجم السفير والمندوب التونسي السابق في الأمم المتحدة “صفقة القرن”، وتحالف مع السفير الإندونيسي، وبلورا معاً موقفاً عدائياً شديداً ضد الصفقة، من دون الرجوع إلى النص الرسمي في تونس، أو حتى طلب الإذن من الإدارة المركزيّة في بلده! هكذا تقول الأخبار التي لم يصحبها النفي أو يتبعها، إذّ نقلت مجلة “فورين بوليسي” الأميركيّة (الرابط هنا) خبراً، مفادهُ أنّ الجانبين التونسي والإندونيسي قاما معاً بـ”صياغة مشروع قرار غير رسمي بتاريخ 4  شباط/ فبراير يُدين الخطة الأميركيّة التي تنتهك القانون الدولي ومعاهدات السلام بين إسرائيل وفلسطين، ويدعو إسرائيل الى الكفّ عن توسعها الاستيطاني”.
من جهتها، صاحبة النص الرسمي أي وزارة الخارجيّة، سبّبت قرار الإقالة بالنيابة عن الرئاسة، في صفحتها الرسميّة على موقع فيسبوك بالتالي: “يهمّ وزارة الشؤون الخارجية التوضيح أنّ قرار إعفاء سفير تونس المندوب الدائم لدى منظمة الأمم المتحدة بنيويورك، يعود لاعتبارات مهنية بحتة تتعلق بضعف الأداء وغياب التنسيق والتفاعل مع الوزارة في مسائل هامة مطروحة للبحث في المنتظم الأممي خاصة وأنّ عضوية تونس غير الدائمة بمجلس الأمن تقتضي التشاور الدائم والتنسيق المسبق مع الوزارة بما ينسجم مع مواقف تونس المبدئيّة ويحفظ مصالحها.”
يبدو “ضعف الأداء” و”غياب التنسيق والتفاعل”، وإعراض المُقال عن “التشاور”، وارتكابه ما يُعرف بـ”سوء السلوك المهني”، تُهم غريبة في حقّ رجلٍ يملك في رصيده، خبرة أربعين عاماً في العمل الدبلوماسي، فأين يكمن السبب بالضبط؟
أتصوّر أنّ السفير السابق، ضحية الارتجال، لم يكن ليفوتهُ أن يعود إلى وزارة بلده للتشاور قبل أن يُقدم على أيّ خطوة سياسية ـ أدبيّة خارج المطلوب منه، بات هذا الأمر بديهياً، فلا فاعلهُ يُجازى بالثناء، ولا تاركهُ يُكنّى بالشجاعة، إذ إنّ موقف تونس الرسمي، في السابق على الأقل، واضح للغاية من قضايا التحرّر الوطني بعامة، وقضية فلسطين بخاصة، لذلك لم يلفت التونسيون خطاب رئيسهم حول هذا الأمر أثناء الترشّح وفي مناظرتهِ لغريمه نبيل القروي التي نُقلت في التلفزيون، في حين أفاضت الكثير من الحبر والضجيج في المشرق العربي، بحكم “مصادرة” القضية الفلسطينيّة لدى محور يُسمّى بـ”الممانع”، يقابلهُ محور حلّق بعيداً عنها يُوسم بـ”الاعتدال”، وهي مستويات لغويّة ذات أحمالٍ وأكلاف سياسيّة، غريبة عن التونسيين الذين لم تتشظ مواقفهم يوماً إزاء القضيّة الفلسطينيّة.
فهل رغبَ السفير المُقال أن يُسجل نقطة لنفسه، ويستحدث موقفاً نبيلاً يستحوذ فيه على الغنيمة الإنسانيّة والعربيّة في زمنٍ الالتقاط السريع للمواقف الأشدّ قوميةً والأكثر بعداً عنها في آن؟ أمّ أنّه راحَ قرباناً لتعثّر مساعي التنسيق الإداري بينهُ وبين مبنى الخارجيّة التونسيّة في شارع جامعة الدول العربيّة في العاصمة؟
إذا صحّ هذا، فلتونس الرسميّة كل الحقّ في إقالة مسؤول سامٍ، فوق اقترافه لخطأ الخروج عن النص؛ ورّط حتى الرئيس قيس سعيد في وحل التناقض في ملفٍ بالغ الحساسيّة، سريع الإفتئات بالاتهام.
والذي زاد الطين بلّة هو ما نقلته صحيفة لوموند الفرنسيّة (الرابط هنا) عن “مصدر دبلوماسي” يقول بأنّ (مكالمة هاتفية (قد) جرت بين الرئيس التونسي قيس سعيّد وجاريد كوشنر، مستشار وصهر الرئيس دونالد ترمب، كانت نقطة البداية لممارسة الضغط الذي كان بلا شك قوياً بشأن ملف حسّاس (صفقة القرن) لواشنطن وتونس). ووصف الدبلوماسي (المكالمة بـ”الزناد” الذي أطاح السفير من منصبه).
وقد تمّ تناقل هذا الخبر في كافة وسائل الإعلام عن المصدر المشار إليه أعلاه، الامر الذي زاد في تعميق الجراح الدبلوماسيّة التونسيّة، وأفرز الكثير من التكهنات، وحمِل النوايا على الخفايا، ودرّ الكحول على الطوايا..

هذا التزامن المكلّف بين إعفاء مسؤول كبير على خلفية موقف أكثر صلابة من موقف بلده الرسمي، وتطبيع رياضي غير مشفوعٍ بتكذيب منشور أو تنديد رسمي يرقى إلى سدة رئاسة الجمهوريّة، أوقعَ حظ الحكومة التونسيّة في وحل الريبة وأدخلها قفص الاتّهام

إنّ خطأ الإقالة في هذا الوقت بالتحديد لا يبرّرهُ شرعية الاستغناء القانوني عن السفير والمندوب الدائم بداعي الخطأ المهني، في انتظار إشهاره لتظلمه الإداري، ذلك أنّ التزامن الغريب الذي أشّرتُ على متنهِ في فاتحة المقال، لا يُعفي حكومة تونس من ثقل الظنّ بسوء السريرة البتة، فقد نشرت صحيفة إسرائيليّة (الرابط هنا) صورةً وصفتها بـ”التاريخيّة”، لرئيسة الجامعة التونسيّة للتنس السيدة سلمى المولهي بصحبة رئيس الجامعة الإسرائيليّة للتنس على هامش لقاء رياضي بين المنتخبين التونسي والإسرائيلي في بطولة Fed الدولية بـ فنلندا  بتاريخ 5 شباط/ فبراير الجاري.
وقد أدانت “الحملة التونسيّة لمقاطعة ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني”، ما قالت أنّه “قيام رئيسة جامعة التنس سلمى المولهي بالتقاط صورة مع رئيس جامعة التنس للكيان الصهيوني”، واعتبرت تصرف المولهي “استفزازاً للتونسيين ولمبادئهم المناهضة للتطبيع مع المحتل الغاصب”. وأكدت “الحملة التونسيّة” أنّ الصورة التي نشرتها صحف اسرائيليّة “صحيحة”.
لكنّ هنالك من يقول في المقلب الآخر، بأنّ سلمى المولهي لم تمثّل تونس هنا، وإنّما مثّلت اللجنة الأولمبية الدولية(IOC) ، بوصفها العضوة الإفريقيّة والعربيّة الوحيدة فيها، وكانت حاضرة بمناسبة تخليد ذكرى لاعب تنس مصري. هذه الفعاليّة شارك فيها الاتحاد الدولي للتنس (ITF)، كما تقول الصحيفة الرياضيّة الإسرائيليّة.
وإذا صدّقنا قول كهذا؛ كيف يمكن أن نتجاوز الأهمّ، وهو مشاركة منتخب تونس للتنس (ضمّ أنس جابر وشيراز البشري) ضد المنتخب الإسرائيلي في مباراة الزوّجي، وهي المشاركة التي أعقبها تنديد رسمي من قبل وزارة الخارجيّة التونسيّة، وتلكؤٍ جهير في وزارة الشباب والرياضة واعتصامٍ لافتٍ بالصمت لدى الرئاسة!
لقد حدث نوعٌ من التجاذب بين صاحبة الصورة ووزارة الشباب والرياضة، عكس نوعاً من التململ وضعف التنسيق بين الهيئات والفعاليّات في تونس ما بعد قيس سعيّد، فقد قالت سلمى المولهي: “إنّ الاتحاد الدولي للتنس صارم في تسليط العقوبات على المنتخب المنسحب تصل إلى حدّ تجميد النشاط”. وأضافت: “لقد أبلغت الوزارة بالمشاركة وطالبتها باتخاذ الإجراءات المناسبة قبل أن تخوض اللاعبات المواجهة”.
فردّت عليها وزيرة الشباب والرياضة السيدة سنيّة بن الشيخ بالآتي:  “فوجئت بطلب (الاتحاد) اتّخاذ ما يجب اتّخاذه خاصة بعد تسجيل وتأكيد مشاركة المنتخب التونسي… كان من الأجدر إشعارنا بكل هذه الحيثيات قبل تحوّل المنتخب الوطني إلى فنلندا”.
وقد جاءت واقعة اللقاء الرياضي بعد أيام قليلة من مشاركة لاعب تنس يحمل الجنسيّتين الإسرائيليّة والفرنسيّة في دورة أقيمت في تونس، وطلب الرئيس قيس سعيّد وقتذاك، فتح تحقيق رسمي في ذلك، لم يرَ النور إلى الآن من خارج الأقبية.
هذا التزامن المكلّف بين إعفاء مسؤول كبير على خلفية موقف أكثر صلابة من موقف بلده الرسمي، وتطبيع رياضي غير مشفوعٍ بتكذيب منشور أو تنديد رسمي يرقى إلى سدة رئاسة الجمهوريّة، أوقعَ حظ الحكومة التونسيّة في وحل الريبة وأدخلها قفص الاتّهام، وقلّص أي هامش متوقعٍ لاجتماع الصدف، وأعاد إلى الأذهان اعتقاد الخبير المصري في شؤون الطاقة د. نايل الشافعي بأنّ “تونس معمل عربي لتجارب أميركا والغرب في المنطقة”، وأهرق حبراً كثيفاً تحت اسم السيد قيس سعيّد لم يرقَ في دخيلته إلى سويّة التطبيع، بيد أنّه أضفى إلى مضمونه مقارنات لا تخدم وثاقة مواقفه، ذاك أنّ “تاج القيصر لم يحمهِ يوماً من الصداع” كما يقول المثل الروسي.

ضيف حمزة ضيف

كاتب وصحافي جزائري

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course