حكومة العراق على خطى حكومة لبنان.. وببركة السفارات

"إنجاز تاريخي" كان قد وعد به رئيس الحكومة العراقي المكلف محمد علاوي، يوم السبت الماضي، يبدو أنه على وشك التحقق، مع إعلانه الانتهاء من تشكيل حكومته المستقلة، داعيا البرلمان إلى عقد جلسة استثنائية الاثنين المقبل في 24 شباط/فبراير للتصويت على منحها الثقة، وذلك قبل انتهاء المهلة الدستورية الأخيرة لتقديم الحكومة للبرلمان، والتي تنتهي 2 آذار/مارس المقبل. 

أكثر من قوة دفع من داخل العراق وخارجه، إختلطت معها السياسة بالمهل الدستورية، فكان أن كسب رئيس الحكومة العراقي المكلف محمد توفيق علاوي تشكيلة حكومية ينتمي معظم الوزراء فيها إلى فئة التكنوقراط، وحظيت بقبول من مكونات سياسية، وبرفض من المكونين السني والكردي، ينتظر أن يتم تذليله في غضون الأيام القليلة المقبلة.

بدا خطاب محمد توفيق علاوي، اليوم (الأربعاء)، شبيها بخطاب رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب في بعض نقاطه،  اذ أكد علاوي أن التشكيلة الحكومية “مستقلة لأول مرة منذ عقود بدون مشاركة مرشحي الأحزاب السياسية”، وهذا لا ينفي أن علاوي فاوض، كما فعل نظيره اللبناني، الأحزاب والمجموعات السياسية التي قامت بتسمية ممثليها إلى حكومة التكنوقراط، لكن بفارق جوهري، أن حكومة حسان دياب هي حكومة من لون سياسي واحد، بينما حكومة علاوي يفترض أن تمثل معظم المكونات العراقية، بسبب طبيعة الإنقسام السياسي في العراق والذي يغلب عليه الطابع العامودي، من دون إغفال حقيقة وجود مكونات مستقلة، خاصة في البيئتين الكردية والسنية، وهي شخصيات وقوى حاولت تشجيع علاوي بالمضي بخيار حكومة التكنوقراط..

ومثلما حاول حسان دياب، أن يرضي الأميركيين من خلال بعض الحقائب السيادية تحديدا، فإن محمد توفيق علاوي، يسعى للمضي بالإتجاه نفسه، وهو الأمر الذي أظهرته مجريات المفاوضات التي جرت بين رئيس الحكومة المكلف والمكونات السنية والكردية والتي تجاوزت موضوع الكابينة الحكومية لتلامس قضايا سيادية سياسية بالغة الحساسية، مثل موضوع إنسحاب القوات الأميركية من العراق ضمن سقف زمني محدد، وتحديدا إلى ما بعد الإنتخابات النيابية المبكرة (تجمد خلاله فصائل المقاومة العراقية عملياتها) وكذلك مواضيع مثل حصة إقليم كردستان من نفط العراق. هذه العناوين إستوجبت دخول سفارات في المنطقة الخضراء على خط التأليف، تماما كما حصل في بيروت، حيث كان سفراء الدول الكبرى يواكبون تأليف حكومة حسان دياب، وثمة من يقول أنهم باركوا الأسماء في أكثر من وزارة لبنانية مثل الداخلية والخارجية والدفاع، على سبيل المثال لا الحصر.

حسان دياب وعد اللبنانيين بأن يكون ما بعد 17 تشرين الأول/أكتوبر ليس كما قبله ومحمد توفيق علاوي قال للعراقيين إن ما بعد نزولهم للشارع ليس كما قبله

ومثلما قال حسان دياب، قبل تأليف حكومته، وبعد نيلها الثقة البرلمانية، قبل أكثر من أسبوع، أن ما بعد السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر لن يكون كما قبله، في رسالة إيجابية تحاول دغدغة مشاعر جمهور الإنتفاضة الشعبية اللبنانية المستمرة، حاول محمد توفيق علاوي مخاطبة الشارع العراقي بالطريقة نفسها، بالقول إن ما بعد نزول العراقيين إلى الشارع ليس كما قبله، مجددا الوعد بإجراء “انتخابات مبكرة حرة ونزيهة بعيدا عن تأثيرات المال والسلاح والتدخلات الخارجية”. وهذه النقطة الأخيرة محرجة لحسان دياب، إذ أنه يعلم أن القوى التي سمته لرئاسة الحكومة ترفض إجراء إنتخابات نيابية مبكرة، لكنها لا تمانع أن تحاول الحكومة الجديدة وضع قانون إنتخابي وهي مدركة سلفا أن دياب لن يكون بمقدوره التوصل إلى أية نتيجة، بسبب تضارب الرؤى الإنتخابية.

وفيما وعدت وزارة الداخلية اللبنانية بالتحقيق في بعض أعمال العنف التي إستهدفت المتظاهرين في شوارع العاصمة اللبنانية، أشار محمد توفيق علاوي إلى إن أول إجراء لحكومته “سيكون التحقيق في قتل المتظاهرين وتقديم الجناة للعدالة”.

وعلى طريقة حسان دياب الذي طلب من المتظاهرين أن يمهلوا حكومته قبل الحكم عليها، دعا محمد توفيق علاوي المحتجين في ساحات العراق إلى منح حكومته فرصة برغم “أزمة الثقة تجاه كل ما له صلة بالشأن السياسي”، والتي ألقى مسؤوليتها على فشل أسلافه. وقال ما حرفيته:”أطلب البدء بصفحة جديدة من صفحات هذا البلد العظيم لعلنا نسجل بها تاريخاً يليق بإسم العراق”.

وجاء إعلان علاوي عن تشكيلته الحكومية بعد محاولات حثيثة لتخطي العقبات، وأبرزها العقبة الكردية والعقبة السنية. وقد وردت بعض الأنباء عن أن وساطة اميركية نجحت في اقناع الكرد بالتراجع عن تمسكهم بوزير المالية الحالي، وأن علاوي كان قد  أنهى بالأمس مع وفد كردي بحث اسمين جديدين مرشحين للمنصب نفسه.

يذكر أن الأحزاب الكردية أصرت على أن تقدم أسماء المرشحين للوزارات المخصصة للمكون الكردي، وأن يكونوا وزراء سياسيين أي تابعين للأحزاب الكردية، كما أن الأغلبية السنية، وبدعم من رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، أرادت إستنساخ موقف الأكراد بتقديم لائحة مرشحين، على أن يختار علاوي من بينها أسماء الوزراء الذين يمثلون المكون السني.

وقبيل إعلان علاوي تشكيل حكومته، عقد اجتماع مساء أمس الثلاثاء في منزل رئيس البرلمان محمد الحلبوسي لتحديد مصير حكومة رئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي، وقد حضره  هادي العامري زعيم تحالف الفتح، ونوري المالكي رئيس ائتلاف دولة القانون، وعمار الحكيم زعيم تيار الحكمة، وممثلي الأحزاب الكردية جميعا، بغياب التيار الصدري الذي يتخذ موقفا مساندا لحكومة علاوي.

وفيما بدا هادي العامري مدافعا بشدة  عن حكومة علاوي وطريقته في اختيار الوزراء، ومثله زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم بحسب المعلومات، فقد أوردت المعلومات نفسها أن  نوري المالكي، قد أخذ موقف الوسط.

وبعد أن كان  النائب العراقي يحيى المحمدي عن “اتحاد القوى” قد أكد أن “القوى الكردية والسنية مع إنجاح الحكومة، ولا تريد عرقلتها، ولكن إذا جرى تهميشنا وعدم إشراكها بعملية الترشيح، فسيكون لها قرار بمقاطعة جلسة الإثنين المقبل، ونتيجتها إفشال الحكومة”، فإن الهيئة العامة لتحالف القوى العراقية  ناقشت مساء اليوم (الأربعاء) ملف تشكيل الحكومة في اجتماع ترأسه رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، أكدت بعده على “أهمية أن تحظى الحكومة بثقة وقبول الشعب وأن تلبي طموح المتظاهرين السلميين كشرط لانعقاد جلسة مجلس النواب، وأن تحظى بدعم وإسناد القوى السياسية وشركاء الوطن دون إستثناء أو تغييب أو أقصاء، كما وإلزام الحكومة بتضمين برنامجها الحكومي لموعد إجراء الإنتخابات البرلمانية المبكرة خلال سنة من تاريخ تشكيلها، وإلزامها بحصر السلاح بيد الدولة والقضاء على كل أشكال الجماعات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة”.

يشار إلى أن رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي وجه  رسالة مفتوحة إلى القوى السياسية يحذر فيها من دخول البلاد بفراغ دستوري اذا استمرت الخلافات، ولم يتم التصويت على حكومة علاوي، وقال:”سيكون من غير الصحيح وغير المناسب الاستمرار بتحملي المسؤوليات بعد تاريخ 2 اذار/مارس 2020، ولن اجد امامي سوى اللجوء الى الحلول المنصوص عليها في الدستور او النظام الداخلي لمجلس الوزراء”، أي تسليم رئاسة الحكومة إلى رئاسة الجمهورية.

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course