تهدئة ادلب… “القيصر” يروّض “السلطان”

ست ساعات من المفاوضات أثمرت توافقاً روسياً - تركياً على فترة سماح جديدة للمضي قدماً في تطبيق اتفاقات سوتشي. في لقائه مع رجب طيب أردوغان، كان يكفي فلاديمير بوتين أن يفرض اعترافاً تركياً بالحقائق الجديدة في الميدان الادلبي لكي يخرج بمكاسب واضحة، مع الحرص على إفساح المجال للضيف التركي للدفاع عن موقفه والعودة الى بلاده بإنجاز وحيد يحفظ ماء وجهه، وإن كان لا يتجاوز تسجيل موقف يتيم بأنه لن يقف مكتوف الأيدي في حال تعرض جنوده للاستهداف السوري مجدداً.

على وقع تصعيد عسكري متبادل، انعقد اللقاء بين بوتين واردوغان. بالتزامن مع استعداد طائرة الرئيس التركي للاقلاع الى موسكو، حاملة وفداً رفيع المستوى ضم وزيري الخارجية والدفاع ورئيس المخابرات، كانت خامس سفينة إنزال روسية تجتاز مضيق البوسفور في طريقها الى الساحل السوري. على المقلب الآخر، ما إن بدأت وسائل الإعلام في نقل مباشر لوقائع المصافحة الفاترة بين الرئيسين التركي والروسي، كانت المجموعات المسلحة تطلق هجوماً على مدينة سراقب، في خطوة يائسة بدا الهدف منها مقتصراً على إظهار قدر من الضغط على الجانب الروسي.

مقدمات اللقاء المغلق بين بوتين واردوغان بدت في تفاصيلها انعكاساً لميزان القوى بين روسيا وتركيا. الرئيس التركي، الذي أتى الى موسكو متسولاً لحل يحفظ ماء وجهه، لم تسعفه عدوانيته الباردة، التي جعلته يتخلى عن البروتوكول التقليدي بتجنب عبارة “الصديق العزيز” أو حتى إلحاق صفة “المحترم” بعبارة “السيد الرئيس”، في إخفاء ارتباكه. حتى إشارته إلى أهمية التعاون الاقتصادي التركي-الروسي لم تحقق غايتها كرسالة ضغط على روسيا، إذ بدت في سياقها تعبيراً عن مأزق “السلطان” أمام مضيفه “القيصر”.

في المقابل، بدا بوتين أكثر ارتياحاً بأشواط كبيرة مقارنة بضيفه، ما أتاح له فرصة المواءمة بين الدبلوماسية التي تبدت في عبارات من قبيل “شكراً لك على موافقتك على القدوم إلينا” بجانب تقديم التعزية في مقتل الجنود الأتراك، وبين تكريس نقاط القوة في الموقف الروسي من خلال التأكيد على عدم معرفة الجانبين الروسي والسوري بتواجد القوات التركية في المنطقة التي استهدفت، في ما بدا نسخة دبلوماسية للاتهامات الصريحة التي ساقتها وزارة الدفاع الروسية عن دعم الجيش التركي للإرهابيين، واستخدام عبارات من قبيل التشديد على أن الوضع الراهن “لا يجب أن يتكرر”.

المثير للانتباه أيضاً أن بوتين كان واضحاً في توصيف المسار الحالي، والمستقبلي، للمقاربة الروسية-التركية في الأزمة السورية: “لا نتفق دائماً على تقييمات لما يحدث في سوريا لكن في اللحظات الحرجة، وبالاعتماد على المستوى العالي للعلاقات الثنائية، يمكننا مرة تلو الأخرى إيجاد أرضية مشتركة بشأن القضايا المثيرة للجدل التي تنشأ والتوصل إلى حلول مقبولة” .

بالرغم من التوقعات الروسية المسبقة بأن اللقاء بين بوتين واردوغان، والذي اتجهت كافة الانظار اليه، من موسكو وانقرة ودمشق وصولاً إلى طهران وبروكسل وواشنطن، سيكون صعباً، إلا أن مفاوضات الساعات الست التي تلت المصافحة الرئاسية والكلمات المتبادلة أمام الصحافيين انتهت بالفعل بالتوصل الى مذكرة تفاهم من ست نقاط رئيسية، يمكن إيجازها على النحو التالي:

  • تجديد التوافق الروسي- التركي على أن النزاع السوري ليس له حل عسكري.
  • تطبيق وقف لإطلاق النار في إدلب ابتداءً من من الساعة 0:00 من يوم 6 آذار/مارس (منتصف هذه الليلة). 
  • إنشاء ممر آمن على بعد 6 كيلومترات شمال الطريق السريع “M4” (حلب-اللاذقية) وجنوبه.
  • تسيير دوريات روسية تركية مشتركة على طول الطريق السريع “M4” ابتداءً من 15 آذار/مارس.
  • تجديد الالتزام المشترك بسيادة سوريا والعزم على مكافحة الإرهاب.
  • احتفاظ تركيا بحقها في الرد على تصرفات قوات الحكومة السورية

بذلك، نجحت الدبلوماسية الروسية في تسوية مؤقتة، تضمن نزع فتيل التصعيد في شمال سوريا، وإعطاء فرصة جديدة لتركيا للالتزام باتفاقية سوتشي، مع مراعاة المتغيرات التي فرضت في الميدان خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وهو ما عكسته تماماً المذكرة الجديدة، التي يفترض أن تلحق بالاتفاقية الأصلية، لجهة تثبيت خطوط التماس التي رسمتها العمليات العسكرية الأخيرة للجيش السوري في إدلب.

لعل النقطة الأخيرة تعني، بميزان الربح والخسارة، أن موسكو حققت مرادها في المقاربة المتصلة بترتيبات الوضع في إدلب، خصوصاً أن التوافق على وضعية الطريق السريع M4 يعني من الناحية العملية افقاد تركيا الفرصة لفرض أمر واقع، على المستوى الاستراتيجي، في هذه المحافظة التي تتقاطع عندها تعقيدات الصراع في سوريا.

والواقع أن تثبيت خطوط التماس المستحدثة، يعني من الناحية التكتيكية أن منطقة إدلب، التي تريد تركيا أن تكون ضمن مجال نفوذها في سوريا، قد باتت مقطعة الأوصال، على النحو الذي لا يسمح للطموحات التركية بأن تذهب إلى المدى الأوسع نطاقاً الذي يسعى رجب طيب أردوغان لتكريسه.

هكذا نجح اختبار قوة السياسة الروسية في سوريا، على نحو يساهم إلى حد كبير في رسم قواعد الاشتباك والتلاقي في المرحلة المقبلة، على قاعدة مساري “استانا” و”جنيف” سياسياً، واتفاقية “سوتشي” وملحقاتها ميدانياً.

يعني ذلك بعبارة أخرى ترسيخ الموقف الروسي الرافض لأي انحراف عن المسارات القائمة، والتي جعلت اردوغان يذهب بعيداً في محاولات فرض قواعد بديلة عنوانها “الخطوط الحمراء” التي روجت لها تركيا خلال الفترة الماضية، موحية بأنها لا يمكن أن تتراجع عنها، حتى وإن تطلب الأمر مواجهة مستحيلة مع روسيا، ومن بينها سحب القوات السورية إلى خارج حدود منطقة التصعيد، وتخلي بوتين الكامل على الأسد، وصولاً الى جعل مسألة رحيله شرطاً جوهرياً للتسوية السياسية.

في نهاية المطاف، تبددت تلك “الخطوط الحمراء”، ولو الى حين، وكل ما تمكن اردوغان من الظفر به هو وقف لإطلاق النار  والتشديد على أنه لن يقف مكتوف اليدين أمام هجمات الجيش السوري على جنوده، وهما “انجازان” يأمل “السلطان” المأزوم في قدرتهما على احتواء العاصفة الداخلية التي تتكون في تركيا، والتي لاحت بالأمس في عراك عنيف داخل البرلمان التركي بدا معبراً للغاية عن حالة الاصطفاف الكبرى التي تشهدها تركيا، وفي صلبها الخلاف حول الملف السوري.

مع ذلك، لا يمكن افتراض أن اردوغان مستعد لرفع الراية البيضاء أمام بوتين، فالتفاهمات الجديدة قد تكون مفاعيلها مؤقتة، كحال الكثير من التفاهمات السابقة التي لم تصمد طويلاً، خصوصاً أنها لا تقدم ضمانات حاسمة لتنفيذ القضايا الجوهرية في اتفاق سوتشي، واهمها ايجاد تركيا الالية العملية لفصل المجموعات الارهابية عن “المعارضة المعتدلة”، بجانب المسائل الأوسع نطاقاً المتصلة بالتسوية السورية من جهة، ووضعية ادلب والشمال السوري عموماً من جهة اخرى.

بذلك، قد يكون ما خرج من لقاء بوتين-اردوغان مجرد فرصة جديدة لمسار سوتشي، حدها الأقصى مثالي، ويتمثل في نزع الألغام التي تعيق تنفيذه وتسوية الوضع بحسن نية، وحدها الأدنى واقعي، ويتمثل في توفير تهدئة مؤقتة تسمح الطرفين التركي والروسي-السوري بالتقاط الانفاس مجدداً والاستعداد لجولات مقبلة.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download