روسيا وتركيا: ألعاب ماكرة ومصالح مشتركة

Avatar18010/03/2020
قدم المدير المساعد في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس (IRIS) ديدييه بيّون مقاربة تحليلية للعلاقات الروسية ـ التركية بعنوان "العلاقة التركية - الروسية بين التحالف المستحيل والقطيعة غير المحتملة"، نشرها موقع "أوريان 21" وتولى ترجمتها من الفرنسية إلى العربية الزميل هشام المنصوري.

“تتقاسم موسكو وأنقرة رؤية لعالم متعدد الأقطاب تحتل فيه كل منهما مكانًة بارزًة، في ضوء نسبية قوة الدول الغربية اليوم، التي يُنظر إليها على أنها معادية وفي تراجع. مع ذلك، فإنه من الواضح أن طموحات البلدين، على الرغم من المواقف المتقاربة أحيانًا – العالمية بالنسبة للأول والإقليمية للآخر- تدخل عمليا في تنافس، لا سيما بشأن الملف السوري.

فمنذ وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة في عام 2000، تحاول روسيا استعادة المكانة التي كان يحتلها الاتحاد السوفياتي في طليعة النظام الدولي. يمكن الجزم بالنظر إلى تضافر مزيج من العوامل والأزمات بأن الكرملين تمكن من فرض نفسه كفاعل رئيسي في القضايا الدولية الرئيسية الحالية، وذلك منذ منتصف عام 2010.

هذا ما مكّن روسيا من استخدام قدرتها على الحوار مع جميع الجهات الفاعلة في الشرق الأوسط منذ عام 2015. فباستغلالها للمساحات التي وفّرتها التقلبات على رأس الولايات المتحدة الأمريكية، عرفت روسيا كيف تستعمل بشكل جيد بيدق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتنافس بنجاح مع الخط السياسي الذي جسده لفترة طويلة أحمد داود أوغلو – منظِّر السياسة الخارجية التركية – الذي كان يرغب تحديداً في رؤية تركيا تلعب هذا الدور المركزي في المنطقة.

تتبع أنقرة في الوقت الراهن سياسة رد الفعل على الأحداث، وهذا قد يكون مجرد أمر ظرفي. إن عدم قدرة رجب طيب أردوغان على التموقع بشكل مستبصر والاندفاع الذي يميزه، يشكلان علامات ضعف باعثة على القلق ويشيران إلى حدود سقف بلد يمتلك مع ذلك ما يكفي من مواطن القوة التي يمكنه استغلالها. إذا كان حل النزاع السوري غير ممكن بالتأكيد من دون تعاونهما، فإن النزاع الأخير (في إدلب) سيكون موضع تجاذبات لا يبدو أن تركيا مهيأة لتحتل فيها موقع قوة.

علاقات متوترة مع الغرب

يوضح ملف صواريخ إس 400 الروسية والتي بدأ الروس بتسليمها إلى الأتراك في يوليو/تموز 2019، بشكل جليّ علاقة أنقرة المتوترة مع الغرب، والتي أثير حولها الكثير من الجدل. يثير نشر هذه الصواريخ الذي يتعارض مع معايير الحلف الأطلسي تساؤلات حول حقيقة العضوية التركية فيه. ومع ذلك، فإن تركيا لا تنخرط في منطق القطيعة، إذ أن الضمانات الأمنية التي توفرها لها عضويتها في الحلف الأطلسي تظل ثابتة، وأنقرة تدرك أنه لا توجد دولة، أو مجموعة من البلدان، تستطيع أن توفر لها ما يعادلها.

وبرغم الخلافات بين تركيا وشركائها الغربيين، فإن هذه المبادرات لا تشكل في حد ذاتها انقلابا للتحالفات، ولا زلنا نتابع كيف أن علاقة تركيا بالقوى الغربية لا تزال قائمة. تسعى تركيا منذ فترة طويلة لإعادة تنظيم علاقتها مع حلفائها التقليديين، دون الدعوة إلى الانفصال عنهم. إن سياستها الخارجية ليست لعبة يتساوى فيها الربح مع الخسارة، فتحديدها لهدف التموقع بـ 360 درجة الآن لا يعني أنها ستتوقف عن السعي وراء الحفاظ على علاقات وثيقة مع القوى الغربية، على الرغم من الاضطرابات الحالية.

في هذا السياق، من المرجح أن تشكل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي عنصرًا محددًا في العلاقات الروسية التركية. إذا كان من المحتمل أن يكون أي تقارب بين روسيا والاتحاد الأوروبي مفيدًا لتركيا، فإن عدم حدوثه سيحرمها على العكس من بعض أدوات التفاوض. أمّا روسيا، فستخسر سياسياً واقتصادياً من أي دفء يتسلّل إلى العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

منع المواجهات المباشرة

يمكن أن تتقاطع مسارات روسيا وتركيا وأن تلتقي مصالحهما، لكنهما ليسا فاعلين من نفس الطينة. ففي حين تستعيد موسكو تدريجياً مكانتها على الساحة الدولية، تستمر أنقرة في البحث عنها. يخلق هذا الواقع وضعا مستمراً من اللاتوازن وعدم الاستقرار البنيوي، بسبب مصادر التوتر المتكررة بين البلدين، والتي لا يمكن للمصالح الاقتصادية المتبادلة أن تقوضها. والدليل على ذلك هو أن عودة روسيا في السنوات الأخيرة إلى مركز اللعبة الدولية تم على حساب رغبة تركيا في فرض نفسها كرائد إقليمي. وتربط روسيا الآن – من خلال دورها في الأزمة السورية – علاقات مع جميع الأطراف الإقليمية، كما تلعب – بحكم الأمر الواقع – الدور الذي أناطت بها تركيا نفسها قبل بضع سنوات.

وبالتالي، فإن أي تحالف استراتيجي بين البلدين يظل بعيد الاحتمال، بالنظر إلى مسارات ووسائل وأهداف السياسات الخارجية لكل منهما. بصورة أعم، فإن مفهوم التحالف أو الشراكة الذي ينطوي على درجة معينة من الإكراه السياسي و/أو الإيديولوجي، لا يسمح بفهم الطبيعة الوظيفية البحتة للعلاقة الروسية التركية. ولا ينبغي الخلط هنا بين الحاجة الوظيفية التي يجب أن يتعاون من أجلها الطرفان – من وجهة نظر سياسية واقتصادية – مع التقارب الاستراتيجي بمنطق الكتلة، ولا ينبغي لهما أن يحجبا عمليات إعادة التقييم المستمرة لمصالح كلا البلدين، وتطور موازين القوى بينهما.

على عكس ذلك، فإن هذه الحاجة الهيكلية للتعاون تعني أن القطيعة التامة تُعدّ بدورها سيناريوهاً غير محتمل. فإذا كانت فترات المواجهة المباشرة ممكنة كما يتضح ذلك من التسلسل الذي بدأ في 24 نوفمبر/تشرين الأول 2015  (تدمير طائرة روسية من نوع سوخوي 24 بصاروخ أطلقه الجيش التركي)، أو أزمة إدلب (2020)، فإن تركيا تظل شريكًا أساسيًا لنجاح طموحات موسكو في سوريا، والمرتبطة بدورها بطموحات بوتين العالمية.

يبدو أن الكرملين قد فهم ذلك جيداً، بتركه لأنقرة هامش مناورة أمام أكراد حزب الاتحاد الديموقراطي في شمال شرق سوريا. من جانبه، يجد أردوغان في تعاونه مع بوتين الوسيلة الوحيدة للحصول على إمكانية التحكم في المسألة الكردية، التي يعتبرها مسألة وجودية لنظامه. بالمقابل، لا يمكن تصور سوى القليل من التنازلات من طرف موسكو في ملف إدلب، لأن الأمر يتعلق بتمكين النظام السوري من استعادة كامل ترابه الوطني، أي إجبار تركيا على سحب جنودها من دون إذلالها.

تطورات الصراع السوري والمفاوضات من أجل إنهائه هي التي ستحدد طبيعة العلاقة الروسية التركية على المدى القصير. ينبغي قراءة هذه العلاقة أيضاً من منظور روابط البلدين مع كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

لأسباب اقتصادية وأخرى تتعلق بالمكانة، يبدو أن علاقات موسكو وأنقرة مع شركائهما الغربيين ستبقى أولوية، مقارنة مع علاقاتهما الثنائية”.

( النص كاملاً على الرابط الآتي:https://orientxxi.info/magazine/article3701)

Avatar

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
online free course