“حوارات بوتين”… مذكرات مبكرة لـ”صانع” روسيا الجديدة

قد يبدو غريباً إدراج تجربة بوتين في الحياة والحكم ضمن زاوية بعنوان "من الذاكرة". الرجل لا يزال مالئاً للدنيا وشاغلاً للناس من اقصى الشرق الآسيوي إلى اقصى الغرب الأميركي، وتجربته لا تزال مستمرة بكل زخمها، بكل تفاعلاتها المثيرة للإعجاب والكراهية على حد سواء، داخل روسيا أو خارجها، وأمامه ثلاث سنوات أخرى في الحكم... قابلة للتجديد نظرياً.

  ولكن إذا كان لكل قاعدة استثناء، فإنّ ثمة استثنائين في كتاب “حوارات بوتين” للمخرج الاميركي أوليفر ستون.

الاستثناء الأول، هو مرور عشرين عاماً على تجربة بوتين في الحكم، منذ سلّمه سلفه بوريس يلتسين مفاتيح الكرملين ليلة رأس السنة 1999-2000. ولعلّ من يعرف الروس جيّداً يعلم ما تمثله أرقام “يوبيلية” مثل الرقم 20 من رمزية.

أما الاستثناء الثاني، فهو أن أوليفر ستون، بإبداعه الإخراجي، استطاع أن يحوّل فيلم “حوارات بوتين” إلى مذكرات مبكرة عرضت شريط حياة الرئيس الروسي منذ لحظة ولادته في 7 تشرين الأول/اكتوبر عام 1952، وحتى اللحظة التي اختتم فيها سلسلة الحوارات الطويلة التي أجراها معه المخرج الأميركي، والتي استمرت سنتين، وتمخضت كتاباً يضم بين دفتيه الكثير من المعلومات لم تنشر في الحلقات التلفزيونية.

يقول أوليفر ستون عن بوتين إنه يتميز بصراحته وكلامه المباشر والواضح، ويعتقد أن تلك الميزات تساعده على إيصال وجهة نظره إلى الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، ومن شأنها أن تساعد في نزع فتيل التوتر في العلاقات بين روسيا والدول الأخرى.

تنطلق “الحوارات” مع بوتين من نشأته في عائلة سانت بطرسبورغية متواضعة، كانت فيها الوالدة تعمل ضمن الوردية المسائية في أحد المصانع، لكي تبقى إلى جانب ابنها في فترة الصباح، لكونها رفضت ارساله الى مدرسة مخصصة للاطفال، وذلك بعدما فقدت طفلين قبله، احدهما اثناء فترة حصار لينينغراد. وأما والده، فكان يعمل ميكانيكياً في مصنع، بعدما حصل على شهادة في التعليم التقني، وقد رفض أن يتخلى عن العمل برغم تقاعده، حتى بلغ السبعين من العمر.

ويقول بوتين في “الحوارات” إنه حصل على وثائق تشير الى ان والده  قاتل في “الحرب الوطنية العظمى” في مدينة لينينغراد، مع مجموعة تسمى ” خماسية النيفا”، نسبة الى نهر نيفا الشهير في المدينة.

إثر ذلك، يبحر بوتين وسْتون في مرحلة العمل الوظيفي في جهاز “كا جي بي”، والتي انتهت بعد الانقلاب الشهير في الاتحاد السوفياتي في شهر آب/اغسطس عام 1991، حيث يقول بوتين إنه لم يعد حينها بإمكانه العمل ضمن الجهاز، الذي كان أحد أفراده في المانيا الشرقية.

على هذا الأساس، عاد بوتين إلى مدينة لينينغراد، وعمل مساعداً لعمدتها آنذاك اناتولي سابتشاك، علماً بأنّ الاخير هو من اتصل بمدير الاستخبارات حينها، طالباً اعفاء بوتين من مهامه، وهو ما حصل بالفعل بعد أيام قليلة.

الحديث عن هذه المرحلة يستتبع حكماً سؤالاً من سْتون لبوتين حول نظرته إلى الشيوعية. بحسب بوتين فإنها “أفكار جيدة”، لا بل يؤكد أنه ان مؤمناً بذلك، وعمل بكل قوته لتترجم على ارض الواقع… لكن “الواقع كان اقوى”، فالنظام السياسي الذي كان قائماً قد في ظل الشيوعية وصل الى طريق مسدود والاقتصاد بات عاجزاً عن التقدم.

ومع ذلك، ينفي بوتين أن يكون قد تأثر بافكار ميخائيل غورباشوف، أبي “البيرسترويكا” و”الغلاسنوست”، ويرى أن آخر رئيس للاتحاد السوفياتي خضع للواقع الذي كان سائداً آنذاك.

بعد عمادة سانت بطرسبورغ (لينينغراد) عمل بوتين في ادارة الرئيس الروسي بوريس يلتسين  ضمن الفريق الحقوقي، وقد تم نقله للعمل في موسكو دون منة من احد او اية مساعدة، حسبما يقول، وأمّا تعيينه مديراً لجهاز الأمن الفدرالي “أف أس بي”، وريث جهاز “كاجي بي”، فكان لحظة غير منتظرة ولم يكن يتوقع ذلك .

لم يكن بوتين من شاربي الكحول، وكانت لقاءاته مع الرئيس الروسي  ضمن نطاق العمل، وهو ما أشار إليه بالقول إنه لم ير يلتسين يوماً ثملاً او شارباً للكحول اثناء فترات العمل، وبالتالي فإنه لم يكن من المجموعة المقربة منه على الصعيد الشخصي.

اوكرانيا وعودة القرم

تعتبر الأزمة الأوكرانية، وما رافقها من استعادة روسيا لشبه جزيرة القرم، من المفاصل الحساسة جداً في مسيرة حكم الرئيس الروسي، والتي ما زالت تداعياتها حاكمة لسياسة روسيا الخارجية.

أزمة السلطة في أوكرانيا في أواخر عام 2013 وأوائل عام 2014، والتي انتهت بإسقاط الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، وإعادة توحيد روسيا مع شبه جزيرة القرم، والحرب الأهلية في شرق البلاد، يراها بوتين نابعة مشروع انضمام اوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.

ويعتقد بوتين، أن قرار توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، والذي اتخذه يانوكوفيتش في عام 2013، كان قراراً غير عادل بالنسبة لروسيا، فمن نتائجه أن الأسواق الروسية – التي لا تتبع سياسة التعرفة الجمركية مع أوكرانيا – كانت ستُفتح على سلع الاتحاد الأوروبي، ما سيهدد الشركات الروسية.

بعد القرار الذي اتخذه يانوكوفيتش، بالتشاور مع بوتين، بتأجيل توقيع اتفاقية الشراكة، بدأت الاضطرابات الشعبية في كييف بدعم من الغرب: “تمكن شركاؤنا الأوروبيون والأميركيون من إطلاق العنان لهذا السخط العام وبدلا من أن يحاولوا معرفة ما كان يحدث حقا قرروا دعم الانقلاب”.

وبحسب بوتين، فإنّ ما حدث في أوكرانيا في عام 2014 كان انقلابا عنيفاً انخرط فيه المتطرفون اليمينيون، وأن الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة الأوكرانية الجديدة بما في ذلك محاولاتها الضغط على السكان الناطقين بالروسية في المناطق الشرقية أدت إلى إضراب البلد ودخوله في حالة من الفوضى والنزاعات الأهلية.

“إذا نظرنا إلى الوراء، هل ارتكبتَ خطأ بضمك شبه جزيرة  القرم إلى روسيا في عام  2014 ؟”. هذا ما سأله سْتون لبوتين مشيراً إلى العواقب السلبية لهذه الخطوة على روسيا، والتي تتمثل بالعقوبات الغربية وزيادة التوترات الدولية.

يذكّر بوتين محاوره بأن “روسيا لم تكن هي من ضمت القرم، بل برلمان القرم  – الذي انتخب تحت الحكم الأوكراني – هو الذي قرر إجراء استفتاء على الانضمام إلى روسيا، والنتيجة معروفة جيدا: أكثر من 96 في المئة صوتوا لانضمام القرم إلى روسيا “.

أما بالنسبة للجنود الروس الذين تواجدوا في القرم قبل الاستفتاء بفترة وجيزة، فيؤكد بوتين أن هدفهم الوحيد كان ضمان أمن القرم، والذي كان من المحتمل أن يصبح تحت تهديد القوميين الأوكرانيين… باختصار “كان يجب أن يشعر الناس هناك بأنهم آمنون”.

بعد إعادة توحيد روسيا مع القرم، تعقدت العلاقات بين موسكو وكييف بشكل كبير. ومع ذلك، يعتقد بوتين أنها ستصبح أفضل عاجلاً أو آجلاً، ذلك أن “لدينا آلاف الروابط مع أوكرانيا، وما يجمعنا مع الشعب الأوكراني ليس مجرد صلات وصل، نحن متشابهون إلى حد كبير وكأننا واحد”.

سوريا

المحطة المفصلية الثانية في حقبة بوتين، والتي توازي استراتجياً المحطة الأوكرانية، كانت في سوريا، وتحديداً حين اتخذ القرار بالتدخل العسكري لحماية الدولة السورية في أيلول/سبتمبر من العام 2015.

يلخص بوتين سبب اشتراك روسيا في الأزمة السورية على النحو التالي: “هدفي الرئيسي كان منع تكرار السيناريوهين العراقي والليبي في سوريا، فقد تعرضت الدولتان لفوضى بعد الإطاحة بزعمائهما”.

وأضاف “لدينا أيضا بعض الأهداف العملية”، المتصلة بالأمن القومي الوسي، ذلك أن “الآلاف من الروس ومواطني بلدان آسيا الوسطى يقاتلون في سوريا لصالح تنظيم داعش وغيرها من الجماعات الإرهابية. ويجب أن نمنع هؤلاء الأشخاص من العودة إلى روسيا”.

وقال بوتين إن “آلاف المسلحين المنحدرين من أراضي الاتحاد السوفياتي السابق، ومن روسيا، يقاتلون هناك، وقد يعود كلهم إلينا، ونحن لا يمكن أن نسمح بذلك. وكل هذا دفعنا إلى الخطوات التي تعرفونها”.

ينطلق بوتين في تحركاته السورية من أن روسيا “هي الدولة الوحيدة التي يعد وجودها في سوريا شرعياً، فقواتها مدعوة من قبل القيادة السورية الشرعية (حكومة الرئيس بشار الأسد)”.

وفي الوقت نفسه يرى بوتين أن القيادة الحالية لسوريا ارتكبت بعض الأخطاء في تشكيل العلاقات داخل بلادها، مشيراً في هذا الإطار إلى أنه أجرى حوارا مع الرئيس السوري بشار الأسد قبل اتخاذ القرار ببدء العملية العسكرية في سوريا، حيث “تبين أنه يفهم الكثير من المشاكل بنفسه… وهو ليس فقط على استعداد للحوار مع المعارضة، بما فيها المسلحة، بل على استعداد أيضا للعمل معها على دستور جديد، كما أنه مستعد للموافقة على وضع الانتخابات الرئاسية المبكرة المقبلة المحتملة تحت رقابة دولية صارمة وشديدة”.

من 11 أيلول.. إلى انتخاب ترامب

 

الملفان الأوكراني والسوري بالذات، رسما ملامح العلاقة المعقدة بين روسيا والولايات المتحدة، والتي تطال الكثير من القضايا الجوهرية، المتصلة بشكل أساسي بالأمن القومي الروسي.

في “الحوارات”، يتحدث بوتين بشكل مسهب عن تلك العلاقة في كافة المحاور التي أتى على ذكرها، وذلك منذ بدء ولايته الأولى، وصولاً إلى اللحظة الآنية في ولايته الرابعة.

أولى تلك محطات العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة في عهد بوتين كانت في السنة الثانية من حكمه، يوم صدم العالم أجمع بتلك الطائرات التي هزّت أميركا في 11 أيلول/سبتمبر عام 2001.

يتذكر بوتين هذه اللحظات قائلاً “نعم، لقد اتصلت بالرئيس الاميركي بوش. وفي اليوم التالي كان هناك موعد مقرر لبدء مناورات لاطلاق الصواريخ البالستية الروسية، ولكن تم تأجيلها بسبب الاحداث. كنت اريد ان يعرف الرئيس الاميركي ذلك. من الناحية الاخلاقية كان لا بد من التضامن في وجه الهجمات الارهابية واظهار ذلك”.

لكن الأحداث اللاحقة أظهرت أن السلوك الأميركي كان مناقضاً لـ”حسن النوايا” الروسية: “لقد اعتقدنا ان الحرب الباردة قد ولت، وأن هناك علاقات سياسة شفافة مع بقية الدول قد بدأت، ولكن يبدو ان الولايات لمتحدة عملت عكس ذلك، وحرب الشيشان كانت دليلا على التدخل الاميركي، وكذلك جورجيا واوكرانيا، لمواجهة روسيا”.

يقارن بوتين السلوك “التشاركي” الروسي مع السلوك “العدائي” الأميركي، حيث “كنا اثناء حرب الشيشان نأمل بمساعدة اميركية ضد الارهابيين ولكن ما حصل هو العكس تماماً”.

إضافة إلى ما سبق، يكشف بوتين عن واقعة تشي بأن القلق الغربي من حضوره في المشهد السياسي الروسي بدأ مبكرا، وتحديداً في التسعينيات، يوم تحدث إمكانيّة إنضمام ​روسيا​ إلى حلف شمال الأطلسي “​الناتو​”، خلال زيارة قامم بها الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون لموسكو.

هذه الأفكار، وفق ما قال بوتين، “أثارت قلقاً لدى الولايات المتحدة الأميركية”، متسائلاً “لماذا أصابهم القلق؟ لأنّه في حال انضمام روسيا، كان يفترض أن يصبح لديها صوت (في “الناتو”)، ونحن لم نكن  لنسمح بالتحكّم فينا، لكنّ أصدقاءنا الأميركيّين لم يرغبوا حتّى بالتفكير في ذلك”.

ما حدث خلال العشرين الأولى من الألفية الثالثة، وبعدها في العشرية الثانية، جعل الأمور تمضي إلى مزيد من التوتر، على النحو الذي بات يهدد الأمن العالمي.

في هذا السياق، يتطرق بوتين في “الحوارات” إلى غزو العراق، باعتباره “كان خطأً كبيراً” من جانب الولايات المتحدة التي أرادت فرض “نموذجها الديمقراطي”. ولكن الديمقراطية، بحسب بوتين، هي “نموذج ينطلق من داخل المجتمع وليس عبر القوة وهذا ما يشكل خطراً ولن ينتج اي ثمار”.

الشيء الخطير، وفق بوتين، هو ان “الولايات المتحدة تحاول قلب الانظمة في هذه المنطقة من العالم، وتفرض النموذج الاميركي. ما يحصل غير منطقي. وكانت النتيجة ظهور داعش وغيره من التنظيمات الارهابية في العراق وسوريا وليبيا التي لم تعد دولة موحدة. لقد فرح البعض بسقوط القذافي… هل كان يجب النضال من اجل الديمقراطية؟ نعم .. ولكن هل كان ينبغي اعتماد أيّة وسيلة؟ كلا… النتيجة كانت كارثية”.

بين 31 كانون الثاني/يناير 1999، و31 كانون الثاني/ينار 2019، تغيّرت روسيا كثيراً، وتغيّر العالم أكثر، فقد استعادت روسيا – بوتين مكانتها المفقودة على الساحة الدولية، ولذلك باتت المواجهة الأميركية – الروسية أكثر حدّة، وتصوّر على أنها “حرب باردة” جديدة، أو ربما “حرب دافئة”!

الخطير في الأمر أن تلك المواجهة باتت مباشرة اكثر من أيّ وقت مضى منذ اعلان فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية عام 2016، وما رافقها من اتهامات بتدخل روسي غير مسبوق في السباق إلى البيت الأبيض.

في “الحوارات”، ينفى بوتين بشكل قاطع “تورّط روسيا بهجمات قرصنة بالإنتخابات الأميركية”، مبيّناً “أنّنا لم نشارك بأيّة هجمة قرصنة، وأنّه من الصعب أن نتصوّر أي بلد آخر، بما في ذلك روسيا، يكون قادراً بأية طريقة ما على التأثير على سير الحملة الإنتخابية ونتائجها”.

يقود ذلك إلى الحديث عن مستقبل هذه “الحرب الباردة”، وهو ما يجيب عليه بوتين بالتشديد على أن “روسيا ترغب في حوار موضوعي مع الولايات المتحدة على مستوى وزارة الخارجية والإستخبارات ومجلس الأمن القومي والبيت الأبيض”، معرباً عن أمله في أن “نستطيع العثور على نقاط نستطيع من خلالها أن نفهم فيها بعضنا البعض”، ومشددداً على أن “روسيا والولايات المتحدة الأميركية يجب أن تفتحا صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين”.

مع ذلك، لا يبدو بوتين مستعداً للمساومة على حق روسيا في ضمان أمنها، وهو ما يجعله مصراً على تعزيز القدرات العسكرية الروسية، التي تغطي حالياً معظم أراضي روسيا الاتحادية.

لكن ذلك بنظر بوتين ينبغي أن يندرج ضمن إطار ترسيخ السلام العالمي، “ففي حال اندلاع حرب بين روسيا والولايات المتحدة لن ينجو احد”.

(ينشر موقع “180” فصولاً مختارة من كتاب “حوارات مع فلاديمير بوتين” للمخرج أوليفر ستون).

فؤاد خشيش

صحافي متخصص في الشؤون الدولية

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download