..It’s the End of the world as we know it  

في مقابلة لمجلة Q الأميركية عام 1992، تحدث قائد فرقةREM  الغنائية عن مصدر الهامه لكلمات أغنيته بعنوان "انها نهاية العالم كما نعرفه" (It’s the End of the world as we know it )، التي حصدت أعلى المراتب عند جمهور الروك. شرح كيف جاءه الإلهام من كل مكان. في المنام وفي زياراته وعند ممارسته هواية التنقل بين أقنية التلفاز. فجأة، وبينما كان يتنقل من محطة تلفزيونية إخبارية إلى أخرى سمع الأغنية، وقال "عندها، أدركت أن نتيجة ما يحصل في حياتنا هو أن العالم الذي نعرفه قد تغير". السؤال هو الآتي: أية حياة ستتغير؟ وما هو العالم الذي سنعيش فيه بعد مرور فيروس كورونا بجميع مراحله؟

تخطى كورونا مرحلته الأولى: ولادة الفيروس. إنتقل إلى المرحلة الثانية، وهي الانتشار. الصين انتقلت إلى المرحلة الثالثة وهي الاحتواء. تنتهي فوبيا “كورونا كوفيد 19” عندما يتم إحتواءه عالمياً ويبتكرالعلماء اللقاح الحيوي، ليصبح مثله مثل باقي إخوته من عائلة الأنفلونزا، غير أن آثار الفيروس على الاقتصاد العالمي تتخطى قدرة الإنسان على التحكم بالنتائج.

“إكتمل النقل بالزعرور”. مثل قديم يتداوله أهل بلاد الشام. تفسيراته عديدة، لكن العبرة أن هذه المصائب التي نعيشها اليوم لم يكن ينقصها إلا كورونا. القشة التي قسمت ظهر بعير المصالح الدولية. القارات تتحول إلى جزر معزولة والقارة نفسها تتحول إلى محميات. الخسائر المالية في تصاعد قياسي. حتى الآن خسائر قطاع الطيران العالمي، وحده، تجاوزت 150 مليار دولار. ثلاثة تريليون دولار خسائر هبوط سوق الأسهم الأميركية وحده. إضافة الى الهبوط الحاد لأسعار النفط. الخسائر في الأرواح. إقفال المدارس والجامعات. إلغاء فعاليات ومناسبات إجتماعية وسياسية وإقتصادية ودينية ورياضية تدر مئات مليارات الدولارات سنويا. أرقام تتهاوى أمام صناع قرار عاجزين عن إتخاذ قرارات استراتيجية من شأنها أن تضع حدا لفيروس صغير تحول وباءً عالميا وبات يهدد الحياة البشرية برمتها.

لكأننا نعيش في خضم الحدث الذي سيولد دينامية تستدعي القدرة على التطوير المستمر للقرارات، حتى يستحق هذا أو ذاك أن يكونوا فعلا من صناع القرار في أي نظام دولي جديد قد ينشأ في المستقبل. فيروس كورونا يجعل العالم أكثر إنكشافا. التوازن المفقود منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع العقد الأخير من القرن الماضي. حينذاك، إنتقل النظام الدولي من ثنائية القطب (الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد السوفياتي) إلى أحادية القطب (أميركا حاكمة العالم) وصولا الى نظام دولي جديد في يومنا هذا لم تتبلور هويته النهائية، لكنه يتجه إلى أن يكون متعدد الأقطاب.

هي حالة فقدان التوازن العالمي التي أفرزت تناقضات وحروب أهلية وثورات وقلاقل مقابل إلغاء الحروب التقليدية المباشرة. تصادم مستمر للمصالح ألغى أدوار مؤسسات دولية عديدة مثل الأمم المتحدة (مجلس الأمن)، حين وقفت عاجزة أمام القرار الأميركي بإحتلال العراق (2003) وأمام الحرب الكونية على أرض سوريا وليبيا (2011 الى اليوم)، ناهيك عما يجري من تنكر لكل القرارات الدولية المتعلقة بفلسطين، لا سيما بعد ولادة ما تسمى “صفقة القرن”.

نحن في خضم مرحلة صراعية إنتقالية، لا بد وأن تصل إلى حالة توازن ما. مسار ولادة الأنظمة الدولية يبدأ عادة بحدث زلزالي كبير، نحتاج بعده إلى سنوات من التراكم حتى تتبلور هوية النظام العالمي الآتي.

اعتقد البعض أن الانهيار المالي في الولايات المتحدة في العام 2008 قد يكون نقطة التحول التي انتظروها منذ العام 1991. إستطاعت واشنطن حصر تداعيات الأزمة المالية العالمية واحتواءها بالرغم من عمق تلك الأزمة ونتائجها الكبيرة. لدى واشنطن بئر مالي من دون قاع اسمه البنك المركزي الأميركي. لا خيار عندها سوى أن تطبع الدولارات وتؤمم مؤسسات مالية وتأمينية مهددة بالانهيار. كانت تلك أكبر عملية إنقاذ حكومية في تاريخ البشرية عرفت بالـ”Bail Out”.

خرجت الولايات المتحدة من الأزمة المالية بأقل الأضرار. لم يتغير النظام الدولي لكن قواعد اللعبة السياسية تغيرت. حتى الركود الإقتصادي العالمي الذي كان متوقعا، وقتذاك، لم يحصل. أدرك الجميع أن التصحيح أت لا محالة، وأن ما نشهده هو عبارة عن تمديد للوقت الإضافي للعبة إضاعة الوقت!

اثنتا عشرة سنة مضت هي مدة الوقت الإضافي. لعب الجميع في ظل بيئة جيوبوليتيكية متقلبة وغير مستقرة. وثمة دلائل تشير الى أن الأصول المالية في العالم مجتمعة ستواجه إعادة ضبط لا محالة. ما كان ينقص هو توفير الشعلة التي ستحدث انفجار عملية التصحيح.

إذا صدقت النبوءة، ستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ البشرية المعاصر يتم فيها إعادة صياغة النظام الدولي من دون حرب شاملة (الحرب العالمية الثانية) أو انهيار قطب عالمي (سقوط الاتحاد السوفياتي)

كنا أمام ثلاثة احتمالات كفيلة بإضاءة الشعلة: حرب تجارية بين الصين والولايات المتحدة. بريكزيت (انفصال) خشن لبريطانيا عن أوروبا. حرب إقليمية في الشرق الأوسط.

لكن المستجد من خارج جدول الأعمال العالمي هو فيروس كورونا.

إذا صدقت النبوءة، ستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ البشرية المعاصر يتم فيها إعادة صياغة النظام الدولي من دون حرب شاملة (الحرب العالمية الثانية) أو انهيار قطب عالمي (سقوط الاتحاد السوفياتي). ستكون للعالم فرصة العيش في توازن شبيه بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وما حملتها من توازن دقيق بين القوى الكبرى بدلا من الانفلات الحاصل حالياً.

يتسم الأمن العسكري والسياسي للعالم بأسره، اليوم، “بالمخاطر المتزايدة وانخفاض القدرة على التنبؤ المرتبط ببداية انهيار الهيكل الحالي للاستقرار الاستراتيجي ونظام الحد من الأسلحة”، على حد تعبير نيكولاي باتروشيف، أمين عام مجلس الأمن القومي في روسيا الاتحادية، الذي رسم أربعة سيناريوهات لتطوّر الوضع العالمي من الآن وحتى العام 2035: الأول، الانتقال إلى نظام عالمي متعدد المراكز. الثاني، استمرار محاولات الولايات المتحدة للحفاظ على هيمنتها. الثالث، تشكّل نموذج ثنائي القطب للنظام العالمي. الرابع، هو تعزيز عمليات الهيكلة الإقليمية.

في ضوء مشهدية كورونا الصادمة للرأي العام العالمي، يتجدد السؤال الأول في بداية هذه المقالة: حياة من ستتغير؟

استعنت بصديق لبناني متابع للأحداث. سألته: لو جاء العالم اليك طالبا منك الاختيار بين علاجين: علاج ينقذك من الكورونا أم علاج ينقذ إقتصاد لبنان إقتصاديا، فايهما تختار؟

أحالني إلى جواب قائد الفرقة: “العالم الذي نعرفه قد تغير”. بالنسبة إليه، وهذا جواب غير مألوف، الأولوية لحماية الذات وليست لحماية الهيكل العام.

هذا على مستوى الأفراد. ماذا على مستوى الدول؟

(*) كاتب سعودي

طارق زيدان

كاتب سعودي

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
online free course