دوْس الهيبة من الكابيتول إلى رياض الصلح

"لا تُجدي السلطة من دون هيبة"، قالها ذات يوم شارل ديغول. فقائد "فرنسا الحرّة"، كان استقال واعتزل الحُكم والسلطة، بالمطلق، بعدما شعر أنّ هيبته تعرّضت لانتكاسة. إذْ اعتبر رفْض نصف الفرنسيّين (أو أكثر بقليل) للإصلاحات التي استفتى الشعب عليها بعد ثورة 1968، يفوق قدرته على التحمّل. لم يستطع ديغول المساومة على عنفوانه واعتزازه بنفسه و..هيبته. فما هي الهيبة؟

هي المكانة، مُضافٌ إليها “كمشة” من القوّة والكرامة والوقار والفخر. وثمّة مَن يزيد إليها عنصراً “جماليّاً”، عندما يتّصل الأمر بهيبة الأشخاص. فيكون هذا العنصر، عندئذٍ، شيئاً من تمثيلات الذكورة والجاذبيّة (الكاريزما). لكن، لا فرق كبيراً بين هيبة الأشخاص وهيبة الأنظمة والدول. فالهيبة هي الهيبة. شيءٌ من هالةٍ، لا يقوى المرء (أو الجماعات) على المسّ بها. والهيبة ليست السطوة. فالسِمتان ليستا وجهيْن لعملةٍ واحدة. الفرق كبيرٌ جدّاً. كالفرق بين الجمال والقبح. ومَن له هيبة، لديه كلّ المقوّمات لممارسة السطوة. إنّما العكس ليس صحيحاً، على الإطلاق. لكن للأسف، العديد من الحُكّام تختلط عليهم الأمور. وكلّما ارتفع لديهم منسوب التفاهة وعشق الذات والشعور بالعظمة والنقص معاً، يرتفع لديهم بالمقابل منسوب الغطرسة في نفوسهم. بمعنى، أنّهم كلّما ابتعدوا عن “الهيبة”، تسَارَع دنوّهم من “السطوة” بغطرسةٍ موصوفة.

من بين هؤلاء، لمحنا قبل يومين سحنة الرئيس الأميركي المهزوم دونالد ترامب. وكنّا (وما زلنا) نكحِّل عيوننا، بتأمّل سحنات السواد الأعظم من حُكّام العالم الثالث والشرق الأوسط، على وجه التحديد. هم فئة من الحُكّام، ممّن يعتبرون أنّ وجودهم في السلطة يعني تأبيد سطوتهم وهيبتهم. يظنّون أنّ لهم هيبة لا تزول، كونهم يمسكون بخناق سلطةٍ لا تزول. أي، يعتقدون أنّهم سيبقون واقفين كالرمح، حتّى بعد زوال سلطتهم وحُكمهم. يثقون بأنّ لهم وقاراً لا يخبو. بأنّ لهم قراراً لا يضعف، ما داموا يمارسون سطوة القوّة واستغباء الشعوب. ويتفوّق بين هؤلاء، بلا ريب، أولئك الذين يرتقون بسرعةٍ لافتة على سلّم الدمار والخراب والقمع والظلم والفساد والإنكار. كلّهم، يا حسرتي عليهم، يعملون بوحي المثل الأميركي القائل “إعتقد الحمار نفسه عالماً.. لأنّهم حمّلوه كتباً”. ألَمْ يقلْ الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي يوماً “أنا زعيمٌ دولي. أنا عميد الحُكّام العرب. أنا ملكُ ملوك إفريقيا وإمامُ المسلمين. ووضعي لا يسمح لي أن أنزل إلى مستوى أدنى”؟ قالها، بلى. وكلّنا يعرف إلى أين قاده هذا القول وذلك التفوّق، وإلى أيّ هاويةٍ أودى بالشعب الليبي المنكوب! لماذا الكلام عن الهيبة اليوم؟

محطّة، دُقّ فيها أوّل مسمار في نعش هيبة دولةٍ عظمى لا تنفكّ تعطي دول المعمورة دروساً في الديموقراطيّة. دولة، سوّلت لأجهزتها الإطباق، شبه التام، على معظم الأنظمة العالميّة

لأنّه حصل ما حصل في واشنطن بالأمس القريب. بحيث شاهد العالم قاطبةً، بالصوت والصورة، هيبةً (ولا كلّ الهيبات) تهوي على أبواب الكونغرس الأميركي. هيبة سلطةٍ عظمى، تتكسّر بوحشيّة على زجاج نوافذ “الكابيتول هيل”. فما رآه العالم كلّه، وطوال ساعات الاقتحام الدموي لحرم إحدى قلاع الديموقراطيّة الأميركيّة، لم يكن مجرّد سلوكٍ عنفي عابر. لم يكن احتلال الكونغرس، من قِبَل مجموعة رعاعٍ يناصرون الرئيس المهزوم دونالد ترامب، محاولةً قسريّة لتعطيل استحقاق نقل السلطات إلى رئيسٍ جديد. كان الأمر أخطر بكثير. لقد شكّل محطّة مفصليّة في تاريخ بلدٍ يقود “العالم الحرّ” بالإكراه. محطّة، دُقّ فيها أوّل مسمار في نعش هيبة دولةٍ عظمى لا تنفكّ تعطي دول المعمورة دروساً في الديموقراطيّة. دولة، سوّلت لأجهزتها الإطباق، شبه التام، على معظم الأنظمة العالميّة. حكمتها، بقوّة العسكر والاقتصاد والاستخبارات والتفوّق العلمي والتكنولوجي.

لكنّ كلّ هذا الجبروت، إنهار في بضع ساعات. لقد فعلها دونالد ترامب، بعدما أطلق العنان لـ”وعده الصادق”، قبل أيّام. لقد جعل النظام السياسي الأميركي ودستور الولايات المتّحدة عُرضة للبهدلة المعيبة، كما علّق صحافيّون أميركيّون. لقد حطّم هيبة أميركا وصدقيّتها، تحت أنظار الأميركيّين والناس أجمعين. فائض الرعونة والشعبويّة والأنانيّة والغرور والشبق اللّامحدود للسلطة، لم يردعه عن ارتكاب خطيئة ارتقت إلى مستوى الخيانة! حتّى أنّ بعض المحلّلين، وصل بهم الخيال إلى حدِّ اعتبار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الجهة التي تقف وراء هذه “المؤامرة” على أميركا! أي إنّ ترامب كان، طوال السنوات الأربع الماضية، وديعة النظام الروسي في البيت الأبيض لكي يقوم بالانقلاب على “الديموقراطيّة الأميركيّة”. كان ترامب، باعتقاد هؤلاء المحلّلين الأفذاذ، ينتظر ساعة الصفر لبدء هجوم “تفتيت” الولايات المتّحدة على الطريقة الغورباتشوفيّة. وبعد؟

بالتأكيد، ستتمّ سريعاً محاولات ترميم مشهد “غزوة الكونغرس”. لكنّ الضرر الكبير قد وقع. فما كُتِب قد كُتِب. وسنظلّ نتابع، لسنواتٍ طويلة، ذاك المسلسل الأميركي الطويل. مسلسل، قصّة وسيناريو وحوار حاكمٍ مجنون، عنونه بـ”الهيبة الضائعة”. لكن، مَن سيعيد تلك الهيبة إلى أصحابها؟ مَن سيتمكّن من منع الانقسامات في المجتمع الأميركي؟ مَن سيلجم، بعد اليوم، المدّ الشعبوي والإيديولوجيّات المتطرّفة؟ مَن سيصدّ التجرّؤ، من الآن فصاعداً، على أيّ مؤسّسة دستوريّة؟ والسؤال الأكبر، أين ستنفِّس أميركا غضبها وذلّها العلني؟ وكيف ستبلسم جرحها الوطني؟ بالتأكيد، لن تنفع السطوة واستخدام القوّة. وعسى أن تدرك الإدارة الجديدة هذا الأمر، قبل فوات الأوان!

قد تكون دولتنا في لبنان، أكثر الدول المطابقة مواصفاتها للدول الفاقدة للهيبة (ولكلّ شيء بالمناسبة). بمعنى أوضح، يمكن لدولتنا العليّة أن تعطي الدروس، في كيفيّة دوْس الهيبة. وفي كيفيّة تمريغها بالوحول خلال سنة، على أبعد تقدير

كثيرون كتبوا وعلّقوا على “غزوة واشنطن”. شبّهوها بما يحصل، عادةً، في الدول الشموليّة، وفي دول العالم الثالث. أي في دولنا. حتّى أنّ مراسلة إحدى القنوات التلفزيونيّة العربيّة المهجوسة بـ”الخطر الإيراني”، بدت مصعوقة ممّا تراه عيناها. ارتجف صوتها وهي تغطّي الحدث الأميركي. ولا سيّما، عندما زفّت إلى المشاهدين خبر “تدخّل الحرس الثوري الإيراني لوقف عمليّة اقتحام الكونغرس (كانت تقصد المسكينة الحرس الوطني الأميركي)”! وبدأت التعليقات اللبنانيّة، هي الأخرى وكالعادة، تنهال على مواقع التواصل الاجتماعي. الكلّ كان يهزأ، من أجنحة الهيبة الأميركيّة المتكسّرة على أسوار الكونغرس. علّقوا، أيضاً وأيضاً، وكتبوا عن إيفاد وزير داخليّتنا الرشيق إلى بلاد العمّ سام، بمؤازرة فرقة من حرس المجلس النيابي اللبناني. كُلِّف مبعوثو السلام بمهمّةٍ محدّدة، تقضي بقمع المقتحِمين للكابيتول وقلع عيونهم إذا أمكن! فهؤلاء متمرِّسون في هذه الرياضة. والسلطة اللبنانيّة العتيدة، مثلها مثل سائر السلطات في الدول العربيّة والنامية، ما زالت ترى هيبة الدولة في فضائها الأمني. وقد تكون دولتنا في لبنان، أكثر الدول المطابقة مواصفاتها للدول الفاقدة للهيبة (ولكلّ شيء بالمناسبة). بمعنى أوضح، يمكن لدولتنا العليّة أن تعطي الدروس، في كيفيّة دوْس الهيبة. وفي كيفيّة تمريغها بالوحول خلال سنة، على أبعد تقدير. كيف؟

عندما يخرق المسؤولون مبدأ الانتظام العامّ في المؤسّسات الدستوريّة. وعندما يعطّلون هذه المؤسّسات أشهراً وسنوات. وعندما يوقفون العمل في كلّ مؤسسات البلاد. وعندما يشلّون القضاء ويضربون هيبته (أي المصدر الأساسي الذي تستمدّ منه الدولة قوّتها). وعندما يمعنون في إنكار مطالب الشعب وحقوقه، من أجل طموحات محض شخصيّة وفئويّة فاقعة. وأكثر. عندما تضع السلطة نفسها في الطرف المعادي لمصالح الناس، وتمارس دوراً إجراميّاً بكلّ المقاييس. وعندما تتحالف مع شبكات وذوي النفوذ (أيّاً كانوا)، وتتحوّل أداةً طيّعة بيدهم لإيذاء الشعب. وعندما تقضي، عن سابق تصوّر وتصميم، على شرعيّة الدولة. وتستخدم غيابها لإحلال شرعيّةٍ بديلة تخدم مصالح هذه الفئة أو تلك. ماذا بعد؟

لا تتراجع هيبة الدولة بسبب الدور المعارض لبعض مواطنيها. بل، هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن ضياع هيبتها، ودفع الشعب ليمارس تجاهها سلوكاً انتقاميّاً. بكلّ تأكيد، يدرك حُكّامنا، كبيرهم وصغيرهم، أنّ هيبتهم ذهبت مع الريح، وإلى غير رجعة. يعلمون أنّ اللبنانيّين، حتّى المطأطئين لهم الرؤوس، لا يقيمون لهم وزناً. هم يخافون منهم، ليس إلاّ. يخشون سطوتهم. يتجنّبون زعرنة زعرانهم وغزوات درّاجاتهم الناريّة في الشوارع وفي أزقّة الإنترنت. هي السطوة إذن، وليست الهيبة. ولا بأس من التذكير، بأنّ السمتيْن ليستا مرادفتيْن. ولأنّهم يعرفون هذه الحقيقة، تراهم يفرطون في استخدام مصطلحات التفخيم والتعظيم لأنفسهم. تجدهم يغالون في السلوكيّات والتصرّفات التي تستجدي الهيبة. ها هم يفتشون عن هيبتهم المبعثرة بين ألعاب الأطفال. لا يجدونها. يغضبون. يرتبكون بسلوكهم. يلجؤون إلى القمع. يعتقدون أنّ قمع أصحاب الحقّ في الكلام هو السبيل إلى إحياء الروح في هيبتهم الميتة. يظنّون، لَعَمْري، أنّ لجوء بعض القوى الأمنيّة إلى ممارسات وحشيّة، قد تساهم في رسم حدود الدولة الحديثة. قلبنا على دولتنا وقلب دولتنا على حجر. هي تسعى جاهدةً لتلميع صورتها، لعلّ وعسى تعيد هيبتها الهاربة. لعلّ وعسى يمكن أن تخفي في طيّاتها كلّ الهزائم والانكسارات والخيبات وقلّة الهيبة. ولكن، كما نعبّر في لبنان عن الجهود التي تذهب سدى: “شو بتعمل الماشطة مع الوجه الشنيع”؟

كلمة أخيرة. يقول عالم الاجتماع الفرنسي Gustave Le Bon: “الهيبة هي العامل الرئيسي لكلّ سلطة. والسلطة وحدها لا تكفي. هذه حقيقة ثابتة في دنيا السياسة، يلمسها العقلاء في جميع درجات التسلسل السلطوي في المجتمع”. ولكن لا عقلاء في كلّ سلسلة السلطويّين في بلادنا. فماذا نفعل بغياب العقلاء؟ إقتضى التساؤل و..التحسُّر على غيابهم.

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download