حتى لا نرسب في إمتحان كورونا

مع توسع انتشار فيروس كورونا في العديد من البلدان، اصبحت التغطية الاعلامية لـ"الوباء"، وهو المصطلح الذي إعتمدته منظمة الصحة العالمية للفيروس الجديد، محط أنظار المختصين والمؤسسات المعنية بعمل الصحافيين/الصحافيات مثل شبكة الصحافة الاخلاقية، وهي منظمة عالمية تجمع صحافيين/صحافيات مهتمين باخلاقيات مهنة الصحافة من دول عديدة حول العالم.

ما يبثه الاعلام وينقله الصحافيون/الصحافيات له تأثير مباشر في تعاطي الرأي العام مع وباء الكورونا وكيفية الحد من انتشاره. لذا، بدت الحاجة ضرورية لتذكير الصحافيين/الصحافيات بدورهم المهني في تحقيق تغطية أخلاقية ومسؤولة.

ثمة مفهوم مرتبط بمفهوم المهنية الصحفية، ألا وهو مفهوم المسؤولية الاجتماعية للصحافي/الصحافية، وهو يعطيهم الحق الكامل بالتعبير وقول ما يريدون، ولكن في الوقت نفسه، يضع الصحافي/الصحافية تحت مجهر محاسبة الجمهور له. فالصحافيون/الصحافيات، وفق العديد من المواثيق الدولية، مسؤولون امام الجمهور ومطالبون بتأمين تغطية مسؤولة للقضايا التي تهم الناس.

لقد تم تداول العديد من الافكار حول كيفية تحقيق هذا النوع من التغطية المسؤولة لوباء كوفيد 19، أو فيروس كورونا الجديد، ومنها ما يستدعي التذكير ببعض اساسيات مهنة الصحافة حتى لا تغيب عن ذهن الصحافي/الصحافية عند ظهور قضايا ليست في صلب جدول الأعمال المعتاد لديهم ولا سيما في عالمنا العربي.

اولاً، إن النقطة الاهم والواجب تداركها في التغطية هي توخي الدقة وضرورة تجنب الاثارة والمبالغة أو اثارة الذعر والبلبة، مما يزيد من حالات الهستيريا العامة التي تشهدها المجتمعات، لا سيما في ظل وباء مرشح للإنتشار سريعاً. على سبيل المثال لا الحصر، اطلاق تعبير “الوباء القاتل”. إذا كانت منظمة الصحة العالمية لم تصنف وباء كورونا بـ”القاتل”، لماذا يعتمد بعضنا مثل هذه التسمية؟ يكفي أنه يمكن لمريض اصيب بالفيروس أن يشفى منه، فلماذا التركيز على الذين اصيبوا وتوفوا فقط؟ لماذا لا نعطي حيزاً في تغطيتنا لاعداد الاشخاص الذي تم شفاءهم من الفيروس؟

ثانياً، التوعية ضرورية واساسية ولكنها يجب أن تكون مبنية على معلومات علمية دقيقة مستوحاة من اصحاب اختصاص فعليين وليس من منتحلي صفة. ومن واجبي كصحافي/صحافية ألا اعطي مساحة للمتسلقين ومدعي الخبرات ومنتحلي الصفة لبث معلوماتهم المغلوطة أو غير العلمية، لأن ذلك من شأنه تضليل الراي العام، مثل القول مباشرة على الهواء ان رجلاً توفي بفعل الفيروس ولم يكن يشكو من اية امراض. لاحقاً نكتشف أن المتوفي كان يعاني من قصور في جهاز المناعة لديه. وهذا القصور تسبب له بإلتهابات حادة، ادت بدورها الى توقف عضو او اخر عن العمل في جسمه، متسبباً بوفاته. إن عدم ربط خبر الوفاة بهذا السرد او بسرد مشابه له، يطلق عليه فعل تعميم الجهل. اذا لم نكن متأكدين من المعلومة التي ننشرها، علينا أن نستشير المختصين قبل البث او النشر، لأن التسرع في النشر، في حالة كهذه، يعزز حالات الذعر بين الناس ولا يفيدهم أبداً.

ولقد راينا  في العراق حالة الشاب الاول الذي تاكدت اصابته بالفيروس وهو يقول لمصور تلفزيوني مستنجداً “لا تصورني”، محاولا الابتعاد عن الكاميرا من دون جدوى، او كما حصل في لبنان مع عرض صورة جواز سفر اللبنانية الاولى التي اعلن رسميا عن اصابتها، الأمر الذي جعل المعلومات الشخصية مادة عامة

ثالثاً، ضرورة الابتعاد عن التنميط والتحريض، سواء المباشر أو غير المباشر؛ مثلا، لماذا نحتاج إلى تذكير الجمهور في كل مرة نتحدث فيها عن الفيروس انه بدأ في الصين، او ان نطلق عليه صفة الفيروس الصيني أو الأصفر او فيروس ووهان أو القادم من الصين، وقد شاهدنا ما خلفه هذا الاستخدام من ممارسات عنصرية ضد الصينين في العديد من بلدان العالم. كذلك، لا بد من الابتعاد عن تنميط مجموعات سكانية أو مناطقية او فئات مجتمعية محددة ووضعها في خانة المسؤولية عن تفشي الفيروس، وهو ما شهدناه في لبنان، على سبيل المثال، وترجم باستهداف طائفة محددة وبخطاب حمل في بعض ملامحه خطاب الكراهية. إن أي تنميط واقصاء يؤدي الى الحاق الاذى باشخاص ابرياء بفعل سهولة تفشي الهستيريا الجماعية.

رابعاً، وإستكمالاً للنقطة الثالثة، ضرورة حماية المصابين بالفيروس وعدم نشر صورهم واسماءهم اذا لم يرغبوا في ذلك او التلميح عنهم عبر نشر اماكن سكنهم او أية معلومات قد تؤدي الى معرفة هويتهم، ما قد يعرض حياتهم وحياة اقاربهم للعزل الاجتماعي أو للأذى المعنوي والنفسي وحتى الجسدي في بعض الاحيان.

لا بد من نيل موافقة الشخص المعني او اهله، قبل تعميم المعلومات عن المصاب بالفيروس، ولقد راينا  في العراق حالة الشاب الاول الذي تاكدت اصابته بالفيروس وهو يقول لمصور تلفزيوني مستنجداً “لا تصورني”، محاولا الابتعاد عن الكاميرا من دون جدوى، او كما حصل في لبنان مع عرض صورة جواز سفر اللبنانية الاولى التي اعلن رسميا عن اصابتها، الأمر الذي جعل المعلومات الشخصية مادة عامة!

خامساً، وفي سياق موازٍ لعدم إثارة الذعر، هناك ضرورة لعدم الاستخفاف بإجراءات الوقاية، حتى عند الحديث عن اهمية طلب المعونة الدينية، لا بد من الاشارة الى انها لا تغني عن الاستشارة والمعالجة العلمية والطبية. ممارسة الشعائر الدينية جزء لا يتجزأ من الحريات العامة والفردية، ولكن لا يجب أن تتحول إلى بديل عن اللجوء إلى الاجراءات الطبية والعلاجات المستندة الى دراسات علمية، والا فإننا قد نُعرض حياة أناس للخطر وقد نساهم في دفعهم للاستهتار بسلامتهم وسلامة من حولهم، وهو ما قد يعاقبنا عليه القانون في العديد من البلدان. يسري ذلك أيضا على من قد يُعمم منا مقولات شعبية لا تمت للعلم بصلة، فهذا يقع ايضاً تحت بند تحفيز الاستهتار بالسلامة العامة للافراد والمجتمعات.

لا يجب ان ننسى ان الدقة في نقل الحقائق ومن دون مبالغة او اثارة، هي في اساسيات مهنة الصحافة في العالم. ان واقع انتشار فيروس كورونا الذي تعيشه الدول والمجتمعات حالياً، يحتم علينا عدم التسرع في النشر وان ندقق في المعلومات والأرقام والصور قبل نشرها.

ليس خافياً على أحد أن وسائل التواصل الإجتماعي لعبت دوراً إيجابياً في معظم المجتمعات وخاصة في المجتمع اللبناني، وساعدت في التعامل المجتمعي الجدي مع الفيروس، لكن ذلك لا يمنع من تسليط الضوء على ظاهرة إنتشار الكثير من الاخبار الكاذبة حول الوباء في وسائل التواصل الاجتماعي. هذه دعوة متواضعة ومخلصة وحريصة لكل الزملاء/الزميلات لكي نجعل مؤسساتنا الإعلامية هي المرجع والمكان والملاذ الذي يلجأ اليه المواطن والمواطنة للحصول على الخبر الصحيح، لا ان نتحول الى اداة فبركة وتحريض وإثارة، وعندها هناك ضرورة لأن تُنزع عنا صفة الصحافي أو الصحافية.

(*) أستاذة في جامعة سيتي في بريطانيا 

زاهرة حرب

أستاذة في جامعة سيتي، بريطانيا

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free online course