لبنان دولة رعاية وجباية: الحل بالضرائب الهادفة.. والتكافل

تضع اللجان الاستشارية الخمس التي كلفها رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب نصب عينيها الخروج ببرنامج مالي واقتصادي، على المديين المتوسط والبعيد، لحل أزمة الدولة اللبنانية. الهدف هو إيجاد موارد مالية لسداد ديون تراكمت على مدى ثلاثة عقود وأصبحت مهددة للمجتمع اللبناني في حياته اليومية، وخير دليل النفق الذي دخلنا فيه منذ خمسة اشهر.

السياسيون اللبنانيون منقسمون منذ عقدين حول حل الأزمة الإقتصادية والمالية بين جبهتين:

أولى، تنادي بزيادة الضرائب والمشاركة بين القطاع العام والخاص وصولا حتى بيع بعض مؤسسات القطاع العام تحت لافتة الخصخصة.

ثانية، ترفض زيادة الضرائب وفكرة الخصخصة من اساسها، وتنادي بضرورة  وقف الهدر وصولا حتى استرجاع الأموال الضائعة في دهاليز الفساد والتسيب.

أعاق خلاف الجبهتين الحل وما زال حتى يومنا هذا، برغم دقة الوضع، ويكفي الاستماع إلى كلمة السيد حسن نصرالله أمس الأول (الجمعة) من أجل فهم سبب عدم ظهور برنامج تتوافق الجبهتان على تسميته: برنامج الإصلاح.

الخلاف جذري بين الجبهتين: دولة جباية ام دولة رعاية؟

لن ادخل في اي تموضع بين الإثنتين، فليس هذا هو الهدف، لسبب بسيط ان خيوط الحل موجودة في هذه وتلك. كذلك، لن اتحدث عن الخلفيات السياسية التي ترفد وجهتي النظر والتي تتخطى الجغرافية اللبنانية.

عنوان الحل: الدولة جباية ورعاية والخيوط العريضة يمكن تلخيصها في الأفكار التالية:

الفساد جريمة منظمة يجب محاربتها والتضييق عليها بقوانين وتدابير صارمة ورادعة.

الضرائب مازالت البوابة الرئيسية للواردات الحكومية في النظام المالي العالمي الحاكم. المهم ان تكون عادلة، بالتالي مباشرة اكثر منها غير مباشرة.

ضريبة الاستهلاك (القيمة المضافة) ضريبة غير مباشرة ولكن من الممكن تحويلها إلى ضريبة عادلة عندما ترفع الرسوم الجمركية وضريبة الأرباح على المنتجات الكمالية والفاخرة وتبقى ضريبة القيمة المضافة عند حد 11 في المئة.

على سبيل المثال لا الحصر: السيارة التي تصل مرفأ بيروت يسعر دون الخمسين مليون ليرة تستوفى رسومها على أساس الرسوم الحالية، ومن ثم يصار إلى رفع الرسم على الشطر الذي يتجاوز ذلك الى خمسة أضعاف.. أو أقل بقليل او اكثر بكثير.

كل المنتجات الصناعية او الزراعية التي يستطيع المستهلك المحلي ان ينتقيها من بين ثلاثة خيارات محلية على الاقل، ترفع حواجز جمركية رادعة أمام استيراد مثيلها من الخارج… وتطول اللائحة. وبالتالي، ليست كل ضريبة “مكروهة” أو يجب التعاطي معها بالضرورة من زاوية الشعبوية.

القطاعات الإنتاجية في القطاع العام يجب أن تكون في توازن مالي: من غير المقبول ان تدخل فيها الرعاية وتنتج عجزا ماليا يتقاسمه القوي والضعيف بالتساوي.

مثال: من غير المقبول ان تبيع مؤسسة كهرباء لبنان الطاقة بخسارة على مستوى الكيلوات ساعة، فينتج عنه خسارة سنوية بين مليار ونصف وملياري دولار. من غير المقبول ان نصل اليوم إلى دين عام بحدود تسعين مليار دولار نصفه ناتج من سد عجز مؤسسة كهرباء لبنان. والحجة ان قرار رفع التعرفة “غير شعبي”، بينما ندفع أضعاف ذلك للقطاع الخاص.

العجز عن السداد كانت ملامحه ظاهرة منذ بداية 2015 عندما بدا العجز في ميزان المدفوعات، وكانت تغطيه الاكتتابات “السياسية” في سندات الخزينة، عند كل استحقاق. وعندما توقفت لأسباب سياسية كما هو الحال اليوم، انكشف الوضع

الخصخصة ليست الحل في كل القطاعات.

في الكهرباء ضرورية بعد رفع سعر التعرفة وعودة التوازن المالي في مؤسسة كهرباء لبنان لتصبح مقبولة لجذب مستثمرين.

في النقل الداخلي ضرورية.

في المياه ضرورية.

في الصحة ضرورية.

في المطار ضرورية.

في المرفأ ضرورية.

في الاتصالات خطرة في السلم وفي الحرب.

في التعليم خطرة في السلم وفي الحرب.

في الأمن غير واردة.

في القضاء غير واردة.

في التخطيط غير واردة.

مع هذه الغربلة للقطاعات، يجب مقاربة موضوع الخصخصة ويجب أن يكون منطلقه حجم المبالغ التي يمكن أن ندخلها للخزينة. وبحساب بسيط بين مرفأ بيروت ومطار بيروت يمكن أن نسد نسبة كبيرة من الدين الحالي.

القطاع المالي والمصارف: اذا كان اعتماد الدولة على الاستدانة لتمويل خطة إعادة الإعمار كان مقبولا به من 1992 وحتى 1995 فقد أصبح تهورا بعد هذا التاريخ وتحديدا بعد 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1995 يوم اغتيال إسحق رابين وانتهاء خطة السلام العربية الصهيونية. ثم أن الكلفة العالية التي تكبدها هذا القطاع في المحاولة “المجنونة”، على مدى عقود، ليس للدفاع عن الليرة وتثبيت سعرها وهذا مطلوب، انما لرفع سعرها تجاه الدولار وتحفيز الاستهلاك على الإنتاج، فكان أول ضحايا هذا التوجه، الصناعة والزراعة.

ثمة جريمة مالية واقتصادية كبرى حصلت في آب/أغسطس 1997، عندما تم ربط سعر الليرة بالدولار، وبالتالي توقف مصرف لبنان عن التيسير الكمي لتمويل عجز ميزانية الدولة واستعيض عنها بالاستدانة من المصارف، اي من أموال المودعين.

الخطأ  انه “سُمح” للمصارف باقراض جهة واحدة، وهي الدولة، نسبة كبيرة من أموال المودعين. وجاءت الهندسات المالية منذ 2016 حتى 2019، من مصرف لبنان لتزيد الطين بلة، فكان أن وصلنا اليوم إلى ديون وخدمة ديون غير قابلة للسداد عند الاستحقاق، وإلى مودعين يسألون عن أموالهم وقد استهلكت الدولة قسما كبيرا منها فتحولت مبالغهم إلى مجرد أرقام دفترية.

العجز عن السداد كانت ملامحه ظاهرة منذ بداية 2015 عندما بدا العجز في ميزان المدفوعات، وكانت تغطيه الاكتتابات “السياسية” في سندات الخزينة، عند كل استحقاق. وعندما توقفت لأسباب سياسية كما هو الحال اليوم، انكشف الوضع.

الحل الوحيد في هذا القطاع المالي والمصرفي هو تكافلي بامتياز :

كل الربى التي حصلها المودعون بعد 2015 تحسم لصالح الدولة، اي ترد للمجتمع.

لا ربى بعد اليوم لا في الإيداع ولا في الإقراض.

القطاع المصرفي ساهم بنسبة 60% من ضريبة الدخل وهذا شيء جيد ولكن رسملة القطاع امر مطلوب اليوم، وهذا ما طلبه مصرف لبنان. البعض سيلبي والبعض الآخر سيضطر إلى الاندماج مع غيره.

القطاع المصرفي خلال أربعة عقود أصبح ثلاث مرات اكبر من حجم الاقتصاد اللبناني وبالتالي، كما يساهم المودعون، على المصارف ان تساهم بارباحها منذ 2015.

في الضرائب الهادفة.. وفي التكافل، يكمن الحل. لنحاول.

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free