لبنان أسير العشوائية المالية.. لا خطة تصحيح قبل 2024!

في تموز/يوليو 2023 تنتهي ولاية رياض سلامة. عملياً، لا جديد مالياً ونقدياً قبل ذاك التاريخ، وكل كلام عن صندوق النقد والكابيتال كونترول يبقى في خانة تعبئة الوقت الضائع بالكلمات.

بالمقابل، يصرّ صندوق النقد الدولي على شروطه الإصلاحيّة المسبقة المدرجة ضمن “اتفاق مستوى الخبراء بشأن السياسات الاقتصادية مع لبنان (Staff-Level Agreement). لا اتفاقيّة نهائية إذاً قبل تنفيذ الشروط. لكن كيف سيتحقّق ذلك بعدما لُبننَت مطالب الـIMF (صندوق النقد الدولي)؟ وما الخطّة التي ستُعتمد في نهاية المطاف؟ خطة نجيب ميقاتي أم خطة حسان دياب، أم ما بينهما من “هندسات” رياض سلامة خلال شهوره الأخيرة على رأس الحاكمية؟

من باريس 1 و 2 و3 وصولاً إلى “سيدر” ومن ثمّ الى خطة ماكينزي وأخيراً ما قُدّم على أنه خطة “لازارد” ومن بعدها مذكّرة السياسات الاقتصادية والمالية.. تكرّرت على مسامع اللبنانيين الأفكار عينها: “إصلاحات وتحفيزات وزيادة الواردات وتقليص حجم النفقات”.. فكيف يمكن تحقيق ما لم يُنجز منذ 20 عاماً، لا سيّما وأن الحكومات المتعاقبة لم تكتفِ بعدم احترام اقتراحاتها فحسب بل بالغت بالإنفاق العشوائي وبفجور!

بانتظار مناقشة “سياسات الإصلاح المالي والاقتصادي” من قِبل مجلس النواب، دعونا نتّفق أنّ الخطة المطروحة راهناً، تتماهى إلى حد كبير مع خطة حكومة حسان دياب (خطة لازارد) بمعنى أنها غير قابلة للتنفيذ. الخطتان لا تتطرقان إلى الماليّة العامّة بمعناها الإستراتيجي. هما لا تغوصان في وضع القطاع المصرفي مع البنك المركزي. الخطتان لا تشملان التدقيق المحاسبي لاحصاء أصول وموجودات المصارف وكشف الأموال المحوّلة الى الخارج بعد 17 تشرين/أكتوبر 2019 وكلّها خطوات من المفترض أن تسبق إعادة الهيكلة. كما أنهما لا تتضمنان رؤية واضحة للسياسة النقدية التي على أساسها سيتم توحيد أسعار الصرف ربطاً بالكابيتال كونترول المؤجل. والأهمّ أنّ الخطتين تجهلان كيف سيستخدم مصرف لبنان باقي احتياطي العملات الأجنبية لديه لضمان استمرارية سعر الصرف الموحّد. زدْ على ذلك، ما هو النموذج الإقتصادي والمالي والمصرفي الذي يجب أن يعتمده لبنان في السنوات المقبلة؟

شروط صندوق النقد المسبقة ليست مجرّد قوانين (موازنة، كابيتال كونترول، سرية مصرفيّة وإعادة هيكلة) يتباطح المجلس النيابي في سبيل إقرارها. بل إنها مسار إصلاحي يخلق توازناً ماليّاً، لم تُبدِ الحكومتان الأهليّة المطلوبة لتأمينه حتى الآن.

فما بين خطّة حكومة حسّان دياب (نيسان/أبريل 2020) والمسودة الأخيرة لحكومة نجيب ميقاتي (أيلول/سبتمبر 2022) أكثر من سنتَين. في الخطّتين تتعدّد الأوراق والمشاريع والتصوّرات. لكن في كلا الحالتين تبقى “العناوين” في خانة الأحلام والوعود. أما الأزمة، فباقية. الفجوة المالية تزداد اتّساعاً. تذويب الودائع يستمر والمودعون غير قادرين على استرجاع أموالهم.

في الشكل، ليس هناك اختلافات كبيرة في تقدير خسائر القطاع المالي بين خطّة دياب وبين النسخ المتوالية لخطط حكومة ميقاتي. آخر تقديرات الخسائر تصل إلى 72 مليار دولار، بينها 60 ملياراً هي خسائر مصرف لبنان. خطة دياب طرحت بشكل فجّ تحميل الخسائر بصورة رئيسية إلى مصرف لبنان والمصارف ومساهميها، ومن ثمّ إلى كبار المودعين. بالمقابل، أدخلت حكومة ميقاتي عدداً من التعديلات التي تقع في خانة “تدوير الزوايا”، لكن شيئاً مهمّاً لم يتغيّر في الجوهر. فقد تميّزت المسودة الأخيرة بالوعود الهوائية التي لا تطمئن المودعين إلى مصير أموالهم.

أقرّت المسودة الأخيرة بأن الخسائر المالية تصل إلى 72 مليار دولار يتركّز معظمها في مصرف لبنان، وقد نتجت عن ثلاث صدمات وهي إعادة هيكلة الديون وانخفاض سعر الصرف وزيادة القروض المتعثّرة. واعترفت بشكل واضح بأن مصرف لبنان لا يمكنه إعادة الودائع بالعملات الأجنبية إلى المصارف، والمصارف بالتالي غير قادرة على إعادة أموال مودعيها.

الكوّة الجديدة التي فتحت أفسحت في المجال أمام مساهمة الدولة في ردم الفجوة المالية وهو ما كان مرفوضاً بصورة قطعية في الخطّة الأولى المعروفة بـ”خطّة لازارد”. تضاف هذه المساهمة إلى تعهّد الحكومة أساساً بالمساهمة في تأمين مبلغ 2.5 مليار دولار إلى مصرف لبنان كمساهمة في خسائره. ولكن ما قيمة هذه المساهمة طالما أن معظم الأوراق الحكومية تقدّر خسائر مصرف لبنان بمبلغ 60 مليار دولار؟

وقد ورد في ورقة الحكومة حرفياً “أن أي ربط بين الموازنة العامة وخسائر القطاع المصرفي عبر الفائض الأولي في الموازنة، حتى لو على أساس محتمل، هو غير مقبول من حيث المبدأ إذ يقوّض أعمدة برنامج الإصلاح ولن يخدم التعافي الاقتصادي”.

غسان العياش: التمعّن بهذه الشروط يُظهر أن الخطة الحقيقية للحكومة تقوم على ردم الفجوة المالية فقط من خلال شطب الودائع، ما يقلّ منها وما يزيد على 100 ألف دولار، إضافة إلى تفليس عدد من المصارف، فتصبح ودائع مودعيها في مهبّ الريح

“إذا كان من المُسلّم به أن الدولة غير قادرة على المساهمة المباشرة في ردم خسائر مصرف لبنان، وبالتالي المصارف، خوفاً من حدوث تدهور إضافي في المالية العامّة، فإن ما وعدت به الحكومة لجهة إنشاء “صندوق استرداد الودائع” لا يُشكل علاجاً كافياً للمشكلة، بل يقع بدوره في إطار الوعود الوهمية المقدّمة لأصحاب الودائع التي تتجاوز 100 ألف دولار، لأسباب لا يتسع المجال لشرحها”، يقول نائب حاكم مصرف لبنان سابقاً د.غسان العيّاش.

إقرأ على موقع 180  أزمة أوكرانيا تُسرّع الإستقطاب الإقتصادي.. "بريكس" نموذجًا

ويضيف العيّاش لـ”180بوست” أن “مساهمة الدولة بنطاق ضيّق لا تحلّ المشكلة. ما يعني أنه في حال منح عقود إدارة أصول الدولة للقطاع الخاص، ومع تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي بنجاح (…) ووصول الدين العام إلى مستوى أدنى مما هو مستهدف وكذلك الإبقاء على مستوى لائق للإنفاق الاجتماعي والبنى التحتية.. إذا تحقّقت هذه الشروط المستحيلة، تنصّ خطة الحكومة على أنه عندئذ يمكن تخصيص بعض الإيرادات لصالح صندوق استرداد الودائع. التمعّن بهذه الشروط يُظهر أن الخطة الحقيقية للحكومة تقوم على ردم الفجوة المالية فقط من خلال شطب الودائع، ما يقلّ منها وما يزيد على 100 ألف دولار، إضافة إلى تفليس عدد من المصارف، فتصبح ودائع مودعيها في مهبّ الريح”.

خطّة اللا-خطّة

كان على حكومة ميقاتي أن تقدّم خطّة تنفّذ حرفيّاً شروط الـ(staff-level agreement). لكن، بدلاً من تصحيح السياسة الضرائبيّة، وتوحيد أسعار الصرف لتأمين الاستقرار، (وإن كان ذلك مخالفاً لمبدأ الاقتصاد الحر المكرس دستوراً)، سارت الحكومة (من خلال مصرف لبنان) بتعددية أسعار الصرف. وهي لم تأتِ على ذكر إعادة هيكلة الدين العام. لم تدرس النموذج الاقتصادي الذي على لبنان الاقتداء به واعتناقه. تغاضت عن سبل بناء اقتصاد سليم ومعافى، بدءاً برفع الاجور وخلق وظائف وصولاً الى خفض الضرائب بهدف رفع نسب النمو. هي لم تتطرق الى قضية خلق عقد اجتماعي جديد ما بين الفئات التي ستتقاسم التضحيات المقبلة والتي ستجد نفسها عاجزة عن حماية مستوى معيشتها كنتيجة للتدابير الموجعة المتوقّعة في السنوات المقبلة.

باختصار، الخطة غير قابلة للحياة. على سبيل المثال: كيف ستفرض الإصلاحات؟ كيف سيقرّ قطع الحساب وموازنة الـ 2023 ضمن رؤية اقتصادية شاملة حتى لا تتكرر تجربة موازنة الـ2022؟ كيف ستُحقّق استراتيجية إصلاحيّة لاستعادة النمو والاستدامة المالية وزيادة الانفاق الاجتماعي؟ وكيف سيحدّد سعر الصرف إذا كانت الخطة بحدّ ذاتها تعتمد أكثر من سعر صرف؟ كيف ستنجح إعادة رسملة البنك المركزي؟ أبـ2.5 مليار دولار؟ وكيف ستُعالج مسألة المودعين؟ وما نفع “صندوق استرداد الودائع” بالصيغة المطروحة؟ وأي خطة ستقر لإعادة هيكلة المصارف؟ وكيف سيتحقق إصلاح القطاع العام؟ والأهم كيف سيصلح قطاع الطاقة؟ هل من استراتيجية لتحسين نظام الإعانات وشبكات الأمان الاجتماعي ونظام المعاش التقاعدي والرعاية الصحية والتعليم؟ كيف ستُنمّى الدولة الصادرات؟ وكيف ستُحفّز الاقتصاد الرقمي، وقطاعات الصناعة، والسياحة والزراعة؟

وإذا كانت هناك نيّة فعليّة لإعادة هيكلة المصارف، ما نفع الكابيتال كونترول بمضمون مختلف مشوّه عن الذي يطلبه الـIMF؟ ولم الاستعجال بعد 3 سنوات من المماطلة؟ أين أصبح التقييم الذي يطلبه صندوق النقد للمصارف؟ وهل تعرف الحكومة أصلاً حقيقة أرقام “المركزي” لناحية احتياطاته؟ والأخطر ما المخطط من مشروع “اعادة التوازن للنظام المالي في لبنان” المتصل بمشروع “إعادة هيكلة المصارف”؟ وماذا تعني الودائع المؤهلة عن تلك غير المؤهلة؟ وما الهدف من رمي فكرة (فتنة) انشاء صندوق لاسترداد الودائع، مع العلم انها لن تتحقق؟

في الواقع، تُكرّس الخطة مبدأ العشوائية في الأولويات. وفي ظلّ حكومة تصريف أعمال وشغور رئاسي، لا إمكانيّة لإقرار موازنة للعام 2023. فحكومة تصريف الأعمال عاجزة عن إحالة أي مشروع قانون. ومجلس النواب، بغض النظر عن النقاش الدستوري وعما إذا كان هيئة ناخبة أو هيئة تشريعية، ولو أصدر قانوناً ما، فإنّ هذا القانون لن يصبح نافذاً إلا بعد توقيعه من رئيس الجمهوريّة ونشره في الجريدة الرسميّة، فكيف إذا تعطل كلياً عن التشريع بحجة أولوية إنتخاب رئيس الجمهورية؟ وماذا إذا كان مطلوباً أن ننتظر رئيسا بعد فراغ طويل والأفدح أن شيئاً لن يتغير قبل إنتهاء ولاية حاكم المصرف المركزي وتعيين بديل وإعادة نظر في الأولويات؟

 كلهم سيحاسبون

{تقارب مذكرة حكومة نجيب ميقاتي مشكلة فقدان الودائع بالعملات الأجنبية ولكنها لا تعالج مشكلة الخسائر في القطاع المالي وهي تلك الخسائر المتراكمة لدى مصرف لبنان، وإعادة هيكلة الديون السيادية.

 كلّ ذلك يجعل الخطوات المقترحة في المذكرة غير كافية لإصلاح القطاع المالي. فمجرّد وجود فجوة بين الدولة ومصرف لبنان يحتّم معرفة أسبابها وتتبّع هذه الأموال وكشف المسؤولين عنها. والمسؤوليّة هنا تقع كاملةً على المصارف التي خاطرت بتوظيفاتها وجنت أرباحاً لا تحصى.

أما تبرّئة الحكومات المتعاقبة من التسعينيات حتى اليوم، وتبرئة ذمم المجالس النيابية التي صادقت على صفقات الفساد، وشاركت في مشاريع الاستدانة كافة، والتي شكّل البنك المركزي ومعه عدد كبير من المصارف التجاريّة جزءاً لا يتجزأ منها، وكلّ ذلك، في ظلّ امتناع مفوضي الحكومة لدى مصرف لبنان عن القيام بالدور الرقابي والتدقيقي المناط بهم قانوناً.. فلن تجدي هذه المرة نفعاً. كلهم سيحاسَبون، ولو بعد حين}.

Print Friendly, PDF & Email
إيڤون أنور صعيبي

كاتبة وصحافية لبنانية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  أوجه الشبه بين حراكي لبنان والعراق