جمعية المصارف.. المافيا الغبيّة

في الأحداث المفصلية، تتبدّى اختبارات لمَن هم الأقدر على تعديل السياقات. إطلاق المبادرات. التقاط اللحظات التاريخية. مصارف لبنان، لطالما رسبت في كل الإمتحانات، لأنّ هاجسها الأوّل والأخير، الربح ثمّ الربح.

تقول لي صديقتي المقيمة في نيقوسيا خلال دردشةٍ بيننا حول الوضع الاقتصادي في لبنان: “بعد أزمة القطاع المصرفي في قبرص عام 2013، ذهبت ثقة القبارصة بالمصارف مع الريح، ولم تشفع لها كلّ الإجراءات التي اتخذها القيّمون عليها للتعويض على المودعين. عبثاً يحاولون، تضيف، فهناك حنقٌ كبير على ما شبّهوه بعملية السطو على أموال الناس، ولكن بأيدٍ أوروبية. فالشعب يحمّل الأوروبيّين المسؤولية الكبرى عمّا آلت إليه أمور المصارف، وبرأيهم، فإنّ كلّ المشكلات بدأت حينما وافقت قبرص على التحوّل إلى عملة اليورو”. بعد مضي شهورٍ على هذا الكلام مع صديقتي (الذي جاء قبيل انطلاق الإنتفاضة اللبنانية)، أضحكُ في سرّي عندما أفكّر بحال ثقتنا، نحن، بالمصارف التي سطت على أموال اللبنانيّين وودائعهم، لكن بأيدٍ محليّة ورسمية، لا أوروبية. ولأنّ عملية السطو لم تكتمل فصولاً بعد، ها هي البنوك تستعجل إقفال أبوابها كي تنجز بين 16 و29 آذار/مارس 2020، ما بدأته من عملياتٍ وتحويلات بين 21 تشرين الأول/أكتوبر و4 تشرين الثاني/نوفمبر 2019.

***

في غضون ساعاتٍ قليلة، فعلت جمعية المصارف في لبنان الشيء وعكسه. “إطّلعت” على قرار مجلس الوزراء مسبقاً، فقرّرت إقفال أبوابها لغاية 29 آذار/مارس، “انسجاماً مع قرار مجلس الوزراء بإعلان حال الطوارئ” لمواجهة الكورونا. والجميل في حيثيات القرار، الذي كذّبته ثم سحبته من التداول وعادت وطرحته بصيغة جديدة على الجمهور، أنّ الجمعية استبقت ما سيقرّره مجلس الوزراء، وقرّرت ما يناسبها وما تأمل به. ما أوحى أنّها كانت، وكأنّها تغلي على صفيحٍ ساخن، كي تفعل فعلتها من دون أن تحفظ، حتى، ماء الوجه الرسمي. ولكن لماذا هذا الاستعجال، ولماذا هذا التوغّل في الأخطاء، من قطاعٍ كان يصوّر نفسه بأنّه “الأشطر” في البلد؟

إذا ما استرجع المرء تاريخ جمعية المصارف في لبنان ومسارها ونهجها ودورها، ولا سيّما بعد انطلاق الإنتفاضة، لَخلُص إلى استنتاجٍ يقول، إنّ هذه الجمعية باتت عبءًا على نفسها، كما على لبنان واللبنانيّين. هي عبءٌ، ليس لأنّها تستغلّ الضائقة المعيشية التي يمرّ بها الناس استغلالاً رخيصاً؛ وليس لأنّها تقوم بارتكاباتٍ تبدأ بتهريب ملايين الدولارات لكبار المودعين إلى الخارج ولا تنتهي بدفع الديون من أموال الطبقات الدنيا من خلال سرقة حساباتهم المصرفية ومصادرتها (لتمرير عمليات التهريب المشار إليها)؛ وليس لأنّها راكمت أرباحاً خيالية خلال سنوات من مقامرتها ومغامرتها بأموال اللبنانيّين (آخرها صفقة بيع سندات اليوروبوند للمصارف الأجنبية)؛ وليس لأنّها تتهرّب اليوم من تحمّل مسؤولية رهاناتها؛ وليس لأنّها تُشَحِّذ اللبنانيّين أموالهم وترغمهم على صرف ودائعهم بالدولار بالسعر الرسمي الوهمي للّيرة اللبنانية!

هي عصابة منظَّمة لكنْ متخلّفة، وتعمل بذهنيةٍ متحجِّرة وبغباءٍ موصوف، في إدارة أكبر أزمة مالية ونقدية في تاريخ لبنان، والأخطر أنّها تتصرّف مع الناس، وكأنّها تصفّي حساباً قديماً معهم بكيديّة الخاسر في رهانه، أو المجروح في عنفوانه

باتت جمعية المصارف عبءًا علينا، نحن المواطنين اللبنانيّين، لأنّها أكّدت، وبالدليل الملموس، أنّها مجرّد مافيا. هي عصابة منظَّمة لكنْ متخلّفة، وتعمل بذهنيةٍ متحجِّرة وبغباءٍ موصوف، في إدارة أكبر أزمة مالية ونقدية في تاريخ لبنان، والأخطر أنّها تتصرّف مع الناس، وكأنّها تصفّي حساباً قديماً معهم بكيديّة الخاسر في رهانه، أو المجروح في عنفوانه.

لقد هزّت أزمة نظام لبنان الاقتصادي ـ السياسي، وبعنفٍ غير مسبوق، أساسات هيكل قطاعٍ مصرفي نسف، بجشعه وتفلّته، النظام المالي اللبناني، وأرعب المستثمرين العرب والأجانب، وهدّد مصير اللبنانيين بحجز أموالهم.  مع ذلك، ما هو سرّ شباب جمعية المصارف، على الرغم من الشيخوخة التي حجّرت مفاصلها؟

أولاً، حسابُ دعمٍ مفتوح من أهل السلطة السياسية، بكلّ أركانها (كلن يعني كلن)، والذين ارتبطوا بعقْد زواجٍ ماروني (لا طلاق فيه) مع مجالس إدارة المصارف اللبنانية وجمعيتهم وراعي هندساتهم المركزية. وهذا التحالف المتين، لا يأبه لدستور ولا قانون ولا حقّ ولا منطق ولا عدالة، ولا يخاف من ملاحقةٍ ولا محاسبة، على القاعدة التي تعمل المافيات من وحيها “جعْل الجميع شهودَ عيان على جرائم الجميع”، وهكذا لا يخاف أحدٌ من أحدٍ.

ثانياً، ارتباطاً بالنقطة السابقة، فإنّ تحكّم القطاع المصرفي بمعظم آليات عمل الاقتصاد اللبناني، وبشكلٍ منقطع النظير، يحتّم أن تبقى يد جمعية المصارف وكبار المصرفيّين، في فم حكّام لبنان وقادة القوى السياسية وممثلي الطوائف والمتحكّمين بالقرارات في الإدارة العامّة وسائر مؤسسات القطاعيْن العامّ والخاص (وفي مقدّمها وسائل الإعلام). من هنا، كان على جمعية  المصارف، أن تستمرّ بشراء ذمم السياسيّين على اختلاف طوائفهم، وأن تداوم على زيارة المقرّات الرئاسية، حتى في زمن الكورونا والنأي الاجتماعي.

ثالثاً، تواطؤ القضاء مع القطاع المصرفي وسعيه الحثيث، منذ أوائل السنة الحالية، لتمرير قراراتٍ تشرّع الممارسات غير القانونية والتعسفية التي انتهجتها المصارف في تقييد حقوق المودعين، وذلك بهدف تحصينها بوجه الشكاوى والدعاوى القضائية التي أُقيمت ضدّها (على خلفية هذه الممارسات)، وتغطيتها إزاء الملاحقات التي قد تنشأ عنها. وقد برزت هذه المسألة، بوضوحٍ تام، مع الغموض الذي ساد اجتماع العاشر من الشهر الجاري في مكتب النائب العام التمييزي، بحضور قضاة ومصرفيّين في مقدّمهم رئيس جمعية المصارف. هذا الاجتماع – الحدث الذي التأم تحت عنوان “إيجاد حلّ يضمن حماية المودعين وسلامة القطاع المصرفي على حدٍّ سواء” (بحسب ما سُرِّب للإعلام)، اتّخذ منحًى غير اعتيادي، كونه لم يتمّ في إطار تحقيقٍ قضائي في دعاوى مقدَّمة ضدّ المصارف، بل في إطار التباحث حول شروط تنظيم العلاقة بين المصارف وعملائها، برعاية القضاء اللبناني “الواقف”!

في زمن الفزع والهلع والحجْر وتوقُّف العمل والتضامن المطلوب، في ما بين الناس، سؤالٌ مشروع يفرض نفسه: ماذا كانت خسرت جمعية مصارف لبنان، لو بادرت بالتضحية، ولو بجزءٍ ضئيل من ثرواتها وأرباحها، لدعم وزارة الصحّة والمستشفيات الحكومية والأطبّاء والممرّضين الشباب المتطوّعين في معركة المواجهة مع وباء الكورونا؟ إقتضى التساؤل.. والإتهام.

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
online free course