“كورونا”.. دروس الحدود والحكومات والعلم والأجيال

Avatar18020/03/2020
يبدو أن وباء كورونا سيساهم إلى حد كبير في اعادة تشكيل العلاقات السياسة والاقتصادية والاجتماعية في العالم. في مقال نشره "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، يرصد الكاتب ايفان كراستيف التحوّلات المرتبطة بهذه الأزمة العالمية، انطلاقاً من سبعة دروس أولية يمكن استخلاصها منها.

كتب لي صديق إسباني بالأمس: “ما هذه الأيام الغريبة التي نعيشها”. لا نعرف متى ستنتهي جائحة كورونا؛ لا نعرف كيف ستنتهي. وفي الوقت الحاضر لا يسعنا سوى التكهن بشأن تأثيرها السياسي والاقتصادي على المدى الطويل. في وقت الأزمة، نحن مصابون بعدم اليقين. ولكن هناك سبعة أشياء، على الأقل، تجعل هذه الأزمة مختلفة تمام الاختلاف عن سابقاتها.

الدرس الأول، هو أنه على عكس الأزمة المالية خلال العامين 2008-2009، فإن الفيروس التاجي سيدفع باتجاه تعزيز دور الحكومة بشكل كبير. بعد انهيار مصرف “ليمان براذرز”، اعتقد الكثير من المراقبين أن انعدام الثقة بالسوق بسبب الأزمة سيؤدي إلى مزيد من الثقة بالحكومة. لم يكن هذا المفهوم شيئاً جديداً: في العام 1929، بعد بداية الكساد الكبير، طالب الناس بتدخل حكومي قوي لتعويض إخفاقات السوق. في سبعينيات القرن الماضي، كان العكس هو الصحيح: شعر الناس بخيبة أمل من تدخل الحكومة، لذلك راحوا يؤمنون بالسوق مرة أخرى. مفارقة 2008-2009 هي أن انعدام الثقة بالسوق لم يؤد إلى طلب تدخل حكومي أكبر. الآن، يبدو أن الفيروس التاجي سيعيد دور الحكومة بطريقة كبيرة. يعتمد الناس على الحكومة لتنظيم دفاع جماعي ضد الوباء، ويعتمدون على الحكومة لإنقاذ الاقتصاد الغارق. تُقاس فعالية الحكومات الآن بقدرتها على تغيير سلوك الناس اليومي.

الدرس الثاني، هو أن الفيروس التاجي يثير جدلاً كبيراً حول الحدود، وهو سيساعد في إعادة تأكيد دور الدولة القومية داخل الاتحاد الأوروبي. يمكن للمرء أن يرى هذا بالفعل عبر إغلاق العديد من الحدود بين البلدان، وفي الحقيقة، كل حكومة في أوروبا تركز على شعبها. في الظروف العادية، لا تميز الدول الأعضاء بين جنسيات المرضى في أنظمتها الصحية، ولكن في هذه الأزمة، من المرجح أن تعطي كل دولة الأولوية لمواطنيها على حساب الآخرين (ليس المقصود بذلك المهاجرين من مناطق أخرى وإنما الأوروبيين الذين يحملون جوازات سفر الاتحاد الأوروبي). لذلك، فإن الفيروس التاجي سيعزز القومية، إن لم يكن القومية العرقية. ومن أجل البقاء على قيد الحياة، ستطلب الحكومة من المواطنين إقامة الجدران ليس فقط بين الدول ولكن بين الأفراد، لأن خطر الإصابة بالعدوى يأتي من الأشخاص الذين يلتقون بهم غالبا. ليس الغرباء، وإنما الناس الأقرب إليهم، هم الذين يمثلون الخطر الأكبر.

الدرس الثالث يتعلق بالثقة والخبرة. أثارت الأزمة المالية وأزمة اللاجئين عام 2015 قدراً كبيراً من السخط الشعبي على الخبراء. هذا التحول، شكل أحد أهم النجاحات التي حققها السياسيون الشعبويون في السنوات العشر الماضية، ولكن الآية ستنقلب بسبب الفيروس التاجي. معظم الناس منفتحون جداً اليوم على الثقة بالخبراء والاهتمام بالعلم بعدما صارت حياتهم على المحك. يمكن للمرء أن يرى بالفعل الشرعية المتزايدة التي يمنحها ذلك للمهنيين الذين يقودون المعركة ضد الفيروس.

الدرس الرابع مفتوح على تفسيرات عدّة، ولكنه مهم للغاية مع ذلك، وهو التشكيك في جدوى الشفافية المعتمدة من قبل الحكومات، كالحكومة الصينية. يمكن للمرء أن يلوم القادة الصينيين على الافتقار إلى الشفافية التي تجعلهم يتفاعلون ببطء مع انتشار الفيروس، ولكن كفاءة استجابتهم وقدرة الدولة الصينية على التحكم في سلوك الناس كانتا مثيرتين للإعجاب. في الأزمة الحالية، يقارن المواطنون باستمرار بين فعالية حكوماتهم مع ردات فعل الحكومات الأخرى وفعاليتها. ولا ينبغي أن نفاجأ إذا بدت الصين في اليوم التالي للأزمة وكأنها فائزة والولايات المتحدة خاسرة.

الدرس الخامس يتعلق بإدارة الأزمات. ما تعلمته الحكومات في التعامل مع الأزمات الاقتصادية وأزمة اللاجئين والهجمات الإرهابية هو أن الذعر كان أسوأ عدو لها. إذا قام الناس لأشهر، بعد هجوم إرهابي، بتغيير سلوكهم اليومي وتوقفوا عن مغادرة منازلهم، فإن ذلك سيساعد الإرهابيين على تحقيق أهدافهم. كان الشيء نفسه صحيحًا في 2008-2009: غالباً ما أدى التغيير في السلوك إلى زيادة تكاليف الأزمة. لذا، رد القادة والمواطنون برسائل تدعو إلى “التزام الهدوء”،  “الاستمرار في الحياة”، “تجاهل الخطر” و”عدم المبالغة”. الآن، على الحكومات أن تطلب من المواطنين تغيير سلوكهم بالبقاء في منازلهم. ويعتمد نجاح الحكومات إلى حد كبير على مدى قدرتها على تخويف الناس للقيام بذلك حسب التعليمات. “لا داعي للذعر” هي الرسالة الخاطئة لأزمة كورونا. لاحتواء الوباء، يجب على الناس الذعر، ويجب عليهم تغيير طريقة عيشهم بشكل كبير.

الدرس السادس هو أن أزمة كورونا سيكون لها تأثير قوي على الديناميكيات بين الأجيال. في سياق الجدل حول تغير المناخ والمخاطر التي يمثلها، كانت الأجيال الشابة تنتقد بشدة كبار السن لكونهم أنانيين ولا يفكرون في المستقبل بجدية. يعكس الفيروس التاجي هذه الديناميكيات: الآن، الأعضاء الأكبر سناً في المجتمع هم الأكثر عرضة للخطر ويشعرون بالتهديد من عدم رغبة جيل الألفية الواضحة في تغيير طريقة عيشه. يمكن أن يتفاقم هذا الصراع بين الأجيال إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.

الدرس السابع هو أنه، عند نقطة معينة، ستضطر الحكومات إلى الاختيار بين إحتواء إنتشار الوباء على حساب تدمير الاقتصاد أو تحمل تكلفة بشرية أعلى لإنقاذ الاقتصاد.

ما زلنا في المرحلة الأولى للتكهن حول التأثير السياسي لكورونا. أبرزت الأزمة مخاوف المناهضين للعولمة: يبدو أن المطارات المغلقة والأفراد المعزولين عن بعضهم البعض هم “نقطة الصفر” في العولمة. ولكن، من قبيل المفارقة، فإن اللحظة الجديدة المناهضة للعولمة يمكن أن تضعف الفاعلين السياسيين الشعبويين الذين، حتى وإن سجلوا نقطة إضافية، لن يكون لديهم حل. ستعمل أزمة كورونا على إعادة تشكيل استجابة الاتحاد الأوروبي بشكل كبير لجميع الأزمات الأخرى التي واجهها في العقد الماضي. لم يعد الانضباط المالي هو الشعار الاقتصادي حتى في برلين، ولن تدافع حكومة أوروبية واحدة في الوقت الحالي عن فتح الحدود أمام اللاجئين.

يبقى أن نرى كيف ستؤثر الأزمة بالضبط على مستقبل المشروع الأوروبي. ولكن من الواضح أن الفيروس التاجي سيشكك في بعض الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها الفكرة الاوروبية.

Avatar

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download