كورونا يهزم أوروبا.. “ماريشال” يعقب الإنهيار

ثمانية وخمسون يوماً هي المدة التي إستغرقتها الحكومة الفرنسية كي تعلن حالة طوارىء صحية شاملة. بين 24 كانون الثاني/يناير الماضي، تاريخ تسجيل أول إصابة بفيروس كوفيد 19 في مدينة بوردو لرجل عائد من الصين، ويوم الأحد الماضي، تاريخ إقرار البرلمان الفرنسي تدابير فرض الطوارئ الصحية لمدة شهرين، إتسم سلوك الحكومة الفرنسية بالبطء في التعامل مع الأزمة، حتى نُعت أداؤها بالخفة. سياسة أضرت بسمعة بلد يفاخر بتقدمه الصحي، وإذ به يتقدم الدول الموبؤة في أوروبا.

غضب كبير يعتمر في نفوسنا. غضب كبير جداً ولا حدود له”. تقول الطبيبة اللبنانية – الفرنسية عبير شاهين المقيمة في مدينة ليل في شمال فرنسا، هذه العبارة وقد خنقت ملامح الارهاق صوتها الخافت المتعب. “نعمل أحياناً 14 ساعة متواصلة، لكن ليس هذا ما ينهكنا فحسب. إنه الاحساس بالعجز”. ربما هو عجز ناتج عن الخفة التي أدارت بها السلطات الفرنسية، وما زالت، أزمة مواجهة تفشي وباء فيروس كوفيد 19 (كورونا الجديد) الذي بات محنة عالمية.

مع تحوّل أوروبا إلى بؤرة الوباء، تصدرت فرنسا سريعاً، مع دول أخرى، المشهد. هي سابع دولة في العالم من حيث عدد الإصابات، وخامسها من حيث عدد الوفيات. تصنيف قد يتبدل بين ليلة وضحاها. فالبلاد أمام أسبوع صعب. هو أسبوع الذروة المتوقعة. وبرغم كل الإجراءات التي كانت السلطات تلجأ إليها تباعاً، لكنها تبدو للكثيرين كمن “يستلحق” نفسه، بعدما تصرفت في البداية وكأن الأسوأ لن يطالها.

في 15 آذار/مارس الجاري، خاضت فرنسا الدورة الاولى من الانتخابات البلدية في حضرة كورونا. إصرار السلطات على إتمام هذا الإستحقاق جاء تحت عنوان “ضمان إستمرار الحياة الديمقراطية”، على حد تعبير الرئيس ايمانويل ماكرون، أو أن “توجه الناخبين إلى مراكز الإقتراع لا يشكل مخاطر صحية محددة”، وفق قول رئيس الوزراء إدوار فيليب.

بيد أن التمسك بإجراء الانتخابات لم يكن المأخذ الوحيد. ما سبقه هو المهم. بالنسبة للجسم الطبي والصحي الذي يتصدر جبهة مكافحة الفيروس، كان إنشغال المسؤولين بحملاتهم الإنتخابية هو ما إستفزهم. أبرز هؤلاء المسؤولين وزيرة الصحة السابقة الطبيبة أنياس بوزين، التي إٍستقالت من منصبها في عز تخبط القطاع بالأزمة، للتفرغ لمعركتها الانتخابية الفاشلة في باريس، ممثلة حزب “الجمهورية الى الامام” الرئاسي.

إنكشاف النظام الصحي الفرنسي

وإلى إنشغال السياسيين هذا، كانت المستشفيات تخوض تحركات إحتجاجية (إضرابات وتظاهرات) بسبب تردي أوضاع العاملين فيها، على غرار قطاعات كثيرة، شاركت في حركة “السترات الصفراء” منذ ما يقارب السنتين. أزمة مستفحلة كانت قد دفعت أطباء و ممرضين الى الانتحار. الآن صار العاملون في المستشفيات مطالبين حالياً بخوض معركة التصدي للوباء في الصفوف الأمامية، وهم أحياناً كثيرة مجردون من حقوقهم الأساسية، لدرجة إحساسهم بالعجز. المستشفيات لا تُعطى الإمكانيات اللازمة. والإصابات تتفشى في صفوف الأطباء والممرضين. بالأمس، أعلن وزير الصحة أوليفييه فيران وفاة أول طبيب جراء العدوى في منطقة لواز في شمال البلاد. “هذه الأزمة كشفت نظاماً صحياً كانت السلطات تعتقد أنه ما زال قوياً، لكن الواقع الميداني يشي بخلاف ذلك”، تقول الطبيبة شاهين لموقع 180 بوست.

ثمة مسافة بين ما يقوله السياسيون الفرنسيون عن تسخير كل الإمكانيات للجسم الطبي، وبين ما يحصل في الواقع. في الميدان، يبدو أن هذا الجسم لا يملك الامكانيات الكافية. هناك صعوبة في توفير الأقنعة الطبية (الماسكات) للجميع. يجد الطبيب نفسه أمام سؤال: من هو الأجدر بهذا الـ”الماسك”. يطرح السؤال هذا مثلاً، مع العلم أنه يوجد في الشمال الفرنسي 16 ألف عامل في المجال الصحي، بينهم من يعاني من أمراض مزمنة (السمنة والسكري وأمراض القلب)، وبعضهم في أعمار متقدمة نسبياً، فكيف نحميهم في ظل غياب الأدوات الكافية لذلك، كي يؤدوا واجباتهم؟

إشكالية أخرى تتحدث عنها الطبيبة اللبنانية – الفرنسية هي عدم إجراء الفحص الخاص بالفيروس(depistage) الاّ لقلة قليلة من المشتبه بإصابتهم بالمرض، أيضاً تحت عنوان شح الإمكانات. وإزاء الإعتراض الكبير من المعارضة والجسم الطبي على هذه السياسة، وعد وزير الصحة بإعادة النظر، ومضاعفة عمليات الفحص، لكن بعد رفع الحجر.

ونقلت صحيفة “لوموند” عن الباحث المتخصص بالأمراض المعدية في جامعة رين باسكال كريبي، تخوفه من أن يتم تجاوز إمكانيات الإنعاش في المستشفيات الفرنسية خلال الأيام المقبلة، ما قد يضاعف عدد الوفيات، وتوقع أن تتجاوز الحالات الخطرة في فرنسا الأربعين الفا بحلول 14 نيسان/أبريل (حوالي 20 ألفاً حالياَ).

يذكر أن الإجراءات الفرنسية تدّرجت مع إعلان ماكرون إقفال المدارس والجامعات الفرنسية إعتباراً من 16 آذار/مارس، تلاه قرار رئيس الوزراء إدوار فيليب منع التجمعات فوق الـ 100 شخص، من دون أن يشمل ذلك وسائل النقل العام. بعدها أمر فيليب بإغلاق الاماكن العامة غير الضرورية (المطاعم والمقاهي ودور السينما والملاهي). إلى أن أقر البرلمان في الساعات الأخيرة تدابير الطوارىء الصحية، بما يجيز لرئيس الحكومة إصدار مرسوم بتقييد حركة الأشخاص والمركبات؛ ومنع الناس من مغادرة منازلهم الا عند الضرورة، وحجر الأشخاص المشتبه بإصابتهم بالعدوى، وعزل المصابين؛ وإغلاق الأماكن المفتوحة مؤقتاً، بإستثناء تلك التي تقدم السلع الأساسية، وتحديد أو حظر التجمعات في الطرقات العامة، والأمر بمصادرة جميع السلع والخدمات اللازمة لمكافحة الكارثة الصحية؛ وإتخاذ التدابير لتزويد المرضى بالأدوية المناسبة. كل ذلك تحت طائلة فرض غرامات مالية وأخرى تصل إلى عقوبة السجن إذا تكررت المخالفات.

إسبانيا على خطى إيطاليا

إسبانيا، جارة فرنسا الجنوبية، يبدو وضعها أسوأ. هي الرابعة في العالم من حيث الاصابات (تخطى عدد المصابين اليوم الـ 35 ألفا)، والثالثة من حيث عدد الوفيات بعد إيطاليا والصين (أكثر من 2300 لغاية اليوم، بينهم 85 بالمئة ممن تجاوزوا السبعين عاماً).

وعلى غرار فرنسا، تبدو اسبانيا أمام أيام أكثر صعوبة. وقد وجه رئيس الوزراء الإشتراكي بيدرو سانشيز تحذيراً في خطاب متلفز للشعب (46 مليون نسمة)، قبل يومين، قائلا: “سنختبر قدراتنا في المقاومة المادية والمعنوية”. وأعلن أن حالة التأهب سارية لمدة أسبوع، وسيتم تمديدها لخمسة عشر يوما اضافيا، بموافقة البرلمان الإسباني.

وبإعتبارها المركز الثاني للعدوى في أوروبا، شهدت إسبانيا في الأيام الماضية تسارعاً كبيراً في إنتشار الوباء. بينما تشهد الخدمات الصحية تدفقاً مرعباً للمصابين. في مدريد حيث مركز الوباء، بدأت المستشفيات تستنفذ طاقتها، علماً بأن العاصمة تحتضن نحو 55 بالمئة من عدد المستشفيات، و60 بالمئة من الوفيات. ويشغل مرضى فيروس كوفيد 19 أكثر من 830 سريراً من بين 1000 سرير للعناية المركزة متوفرة في هذه المنطقة. وبسبب الضغط، تم إدخال أكثر من 8.800 مريض آخر إلى غرف تقليدية، من إجمالي 13.000 سرير تقليدي. هنا أيضاً يكثر الحديث عن تقاعس السلطات التي بقيت تسمح مثلاً بتنظيم مباريات كرة القدم بحضور الجمهور، حتى الخامس من الشهر الحالي.

ألمانيا “قيد السيطرة”

أما المانيا، فقد تلقت ما يشبه الصفعة مع الإعلان عن قرار المستشارة أنجيلا ميركل وضع نفسها في الحجر الصحي، في شقتها المطلة على جزيرة المتاحف في برلين. لقد شُخصت إصابة طبيب ميركل، الذي التقت به يوم الجمعة الماضي، بالفيروس. خضعت المستشارة لفحص أولي سيتم تكراره، وجاءت نتيجته سلبية. قبل تواريها للعمل من منزلها، شوهدت ميركل وهي تتسوق بعد ظهر السبت الماضي في برلين. في حين كانت حكومتها تتبنى تدبير تشجيع السكان على “تقليل الاتصالات الضرورية بين الأشخاص الذين لا يعيشون في نفس الأسرة، إلى الحد الأدنى”.

أضيف هذا التدبير الى قيود كانت ميركل قد أعلنت عنها، وأهمها حظر التجمعات العامة لأكثر من شخصين لا يعيشون تحت سقف واحد. لكن من الناحية العملية، هذا يعني أنه لا يزال يُسمح بالرحلات خارج المنزل للتسوق أو الذهاب إلى العمل أو الذهاب إلى الطبيب أو ممارسة الرياضة على انفراد، شريطة أن يحافظ المرء على مسافة لا تقل عن متر ونصف المتر بين شخصين، “ومن المهم جدا إحترام قاعدة المسافة هذه، لأنه في هذه الحالة، يتم تقليل خطر الإصابة إلى الصفر تقريبا”، قالت المستشارة الألمانية التي سبق أن وصفت الوباء بأنه أكبر تحد لالمانيا منذ الحرب العالمية الثانية.

برغم ما سلف، فإن الوضع في المانيا، يبدو حتى الآن، تحت السيطرة. فهذا البلد الأوروبي الأغنى، وبرغم تبوئه المرتبة الخامسة من حيث عدد الإصابات بكوفيد 19 (نحو 29 الف اصابة) حتى الآن، وحلوله ثالثاً في اوروبا، لكن عدد الوفيات فيه يبقى أقل بكثير مما سجل في الدول الاخرى (123)، حتى تلك التي سجل فيها عدد أقل من الإصابات. وربما يعود هذا إلى الفحص المبكر الذي يخضع له المصابون، وتطور مستوى الرعاية الصحية.

بين فرنسا والمانيا وإيطاليا تقع سويسرا. دولة أوروبية تتألف من 26 كانتوناً أصابها الوباء هي الأخرى بوتيرة متصاعدة. قبل أسبوع من الآن، كانت الاصابات لا تتجاوز الـ 2250 إصابة. فاقت الإصابات حالياً الـ 8700، أي أنها تضاعفت أربع مرات تقريباً. هنا تطرح أيضاً مسألة سرعة التجاوب في فرض إجراءات العزل. في 16 من الشهر الحالي، أعلنت الحكومة الفدرالية فرض إجراءات استثنائية لم تصل الى حد إعلان الطوارىء. فلم يغلق مطار جنيف مثلا، ولم تغلق الحدود مع دول الجوار بل تم ضبطها فقط، بينما طلب من الجيش نشر ألف عنصر من وحداته للمساعدة في المدن الكبرى. قبل ذلك، تدرجت التدابير أيضاً، على غرار ما جرى في الدول المجاورة، من الغاء للتجمعات الكبيرة التي تضم ألف شخص وما فوق، ثم المدارس والجامعات. حتى الكانتونات الجنوبية الأربعة المجاورة للمناطق الايطالية الشمالية (وهي الاكثر وباء في إيطاليا) بقيت الحدود فيها مفتوحة حتى الاسبوع الماضي، مع التزام ضوابط معينة. حتى أن مجلس حقوق الانسان مثلاً، ومقره جنيف، إستضاف مؤتمرا بمشاركة وفود من 190 دولة في العالم، في أواخر شباط/فبراير، برغم تفشي المرض في اوروبا.

 أسئلة أوروبية لا بد منها   

تعددت التسميات والخلاصة واحدة؛ كوفيد 19، كورونا المستجد، الفيروس التاجي.. هو مخلوق مجهري، أربك العالم ولا سيما القارة العجوز (أكثر من نصف الحالات في العالم سُجلت في أوروبا وحدها). حرك الجيش السويسري للمرة الاولى منذ الحرب العالمية الثانية، وكشف أن المنظومة الصحية الاوروبية المتقدمة جداً، أظهرت أنها قوية في الإٍستقرار، لا في الأزمات، فكيف إذا كانت الأزمة غير مسبوقة من حيث طبيعتها وحجم إنتشارها. أبعد من ذلك ، تطرح الأزمة الصحية سؤال الوحدة الأوروبية. ما جدواها؟ وإلى أي مدى تعاطت الدول وفق مفاهيمها؟ هل ساهمت الحدود المفتوحة بين دول الاتحاد في التعاون المفترض بين الحكومات للحد من تفاقم الوباء، أم أن هناك من تُرك يواجه الكارثة وحيداً على غرار ما جرى مع إيطاليا ولاحقاً إسبانيا؟

لننظر إلى المقارنة التي أجرتها صحيفة “أوبزرفر” البريطانية. أول حالة كورونا في تايوان وإيطاليا لم يفصل بينهما سوى 10 أيام فقط، لكن تايوان التي ترتبط بعلاقات تاريخية وثقافية بالصين لم تسجل فيها سوى حالتي وفاة، بينما سجلت إيطاليا ستة آلاف حالة وفاة.

هذه المقارنة ليست مجرد عملية حسابية. إنها مقاربة سياسية وإقتصادية وإجتماعية لـ”النماذج”. سر قدرة نموذج صيني أو تايواني على الإحتواء وسر عدم قدرة النموذج الأوروبي على عدم الإحتواء. هل نحن أمام أزمة سقوط الفكرة الأوروبية أو سقوط الحدود المفتوحة (شينغن) أو أنها نتيجة للنيو ليبرالية المتوحشة التي لا تقيم إعتباراً سوى لإقتصاد السوق؟ أين دور دولة الرعاية الإجتماعية وخصوصا الصحية، وهل يجوز أن تتحول الحريات الفردية والعامة إلى حجة لتدمير الذات والعام؟ هل تحتاج أوروبا إلى “مشروع ماريشال” حتى تقف على قدميها بعد كورونا؟ (المصادر: 180 ولوموند وأوبزرفر).

   

 

جمانة بعلبكي

صحافية لبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free