ثورة الفيروس.. الثورة الخامسة!

يهلع البعض. يتذمّر آخرون من الحبس في المنزل. منهم من يقلق على أحواله وأرزاقه. ثمة من يقول نحن في كارثة. هناك من يقول إنه زلزال. لكن ما يحدث أعمق بكثير من كل هذا. نحن في خضمّ ثورة جديدة، بكل ما تعنيها الثورة من معنى. 

رحمنا الله بفيروس كورونا المستجد. من الفيروسات ما قد يكون قاتلاً بنسبة كبيرة، على النحو الذي لا ينجو منه إلا قلّة. منها ما هو موجود في تلافيف الجبال الجليدية للقطب الشمالي المتجمد كما يعتقد العلماء.. ومنها ما قد تحمله إلينا طبقات السماء العليا، فيكون أشد فتكا من كورونا بآلاف المرات.

منذ مدة والعلماء يتخوفون. أنشأ بيل غيتس مؤسسة بأكملها تسعى للحد من مخاطر الأوبئة “القادمة”. هو قال سابقاً إن احتمال حدوث حرب عالمية ثالثة ورابعة أقل بكثير من احتمال التهديد الفيروسي القادم. أُنشئت مراكز أخرى، برغم أنها معدودة وغير كافية. المعنيون يعملون لأجل إيجاد لقاح صالح لكل زائرٍ فيروسي. هم عملوا  قبل الكورونا. نبّهوا.. لكن هذه المرة، ليست المسألة في وعي شعبٍ وناس لم تفهم المخاطر ولم تقرأ عنها. المسألة مسألة دول وعالم بأكمله، أنفقوا على السلاح المليارات، وأنفقوا على الرفاهية الملايين، لكنهم لم ينففوا على تحصين النظام الصحي في وجه جائحة مثيلة.

انهيار المنظومة الصحية 

من شأن الأزمات دائماً أن تشكل صدمات وتنبيهات. اليوم، خرج زعيم حزب العمل البريطاني للقول إن ما نعانيه يأتي كنتيجة تلقائية لسياسة التقشف التي انتهجتها الدولة. معهد ابحاث السياسات العامة في بريطانيا أظهر أن السياسات التقشفية في الفترة بين 2012 و2019  تسببت في وفاة حوالي 130 الف شخص. لكن ما قيل بعد الأزمة الاقتصادية عام 2008 عن التقصير في قطاع الصحة تحديداً كان أكثر دقة. ها هي الدكتورة مارغريت تشان. المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، تلقي كلمة في المنتدى الثالث والعشرين بشأن القضايا العالمية عام 2009. قالت آنذاك ما كان يجب أن يقال:”إنّ الصحة لم تُؤخذ في الحسبان عندما صيغت السياسات التي أدّت إلى حدوث الأزمة المالية أو تغير المناخ”، وأضافت: “أخفقنا، جماعياً، في إعطاء بعد أخلاقي للنُظم التي تحكم العلاقات الدولية. ذلك أنّ القيم والمخاوف المجتمعية لا تحدّد، إلاّ نادراً، طريقة عمل تلك النُظم الدولية. فإذا كان الربح هو دافع بعض قطاعات الأعمال، مثل دوائر الصناعة الصيدلانية، فكيف يمكننا أن ننتظر منها الاستثمار في أنشطة البحث والتطوير لعلاج أمراض الفقراء، الذين لا يملكون أيّة قدرة شرائية”. ونبهت وقتذاك:”إذا قلّت أنشطة الترصد الأساسية والقدرات المختبرية، فهل يمكن للسلطات الصحية التفطّن لما يمكن أن يظهر في المستقبل من أوبئة المتلازمة الرئوية الحادة الوخيمة (سارس) أو الكشف عن فيروس جائح في الوقت المناسب لإنذار العالم والتخفيف من الضرر”؟

من كان يهتم إلى إمكانية انهيار المنظومة الصحية.. ومن ثم تأثير ذلك على الاجتماع والاقتصاد وحتماً على السياسة والنظام العالمي بأسره؟

كان يفترض بالصدمة التي أحدثتها أزمة العام 2008 وقيل إنها الأخطر منذ العام 1929، أن تدفع إلى التنبه لجوانب عديدة، أبرزها الجانب الصحي. لكن الأمر لم يكن كما يجب. بل على العكس، “امتلك الطب ترسانة متطورة من الأدوات والتكنولوجيات المسخّرة لشفاء الأمراض وإطالة العمر. بيد أنّه لا يمرّ عام واحد إلاّ ويشهد وفاة نحو 10 ملايين من الأطفال والحوامل بسبب أمراض يمكن توقيها (باللقاحات وغيرها) إلى حد كبير”، كما تقول الدكتورة مارغريت تشان، لكنها السياسات دوماً!

حتى أننا في العام 2019 سمعنا تحذيراتٍ عديدة من أزمة مالية عالمية مقبلة. تأتّى عن هذه المخاوف انتهاج دولٍ كبرى لبعض السياسات بغية تفادي النتائج. لكن من كان يهتم إلى إمكانية انهيار المنظومة الصحية.. ومن ثم تأثير ذلك على الاجتماع والاقتصاد وحتماً على السياسة والنظام العالمي بأسره؟

تأثيرات الفيروس 

يوماً بعد يوم، يتصاعد النقاش والجدل حول تداعيات فيروس كورونا على مستوى الأفراد والجماعات. الدول والمنظومات. قيل الكثير عما ينتظر الاتحاد الاوروبي.. عن سقوط الديمقراطية في مقابل صعود الديكتاتورية ومركزية القيادة كما هو الحال في النموذج الصيني الذي أثبت نجاحاً قل نظيره في احتواء الفايروس. حديث متصاعد حول اخلاقيات الطب، وهل من الأخلاقي تطبيق سياسة مناعة القطيع… كل ذلك في كفة، والتأثير على الاقتصاد في كفة أخرى.

ملايين الشركات ستفلس وبالجملة في شتى أنحاء العالم. التوقعات تشي بأن الناتج المحلي العالمي سينخفض ما بين 2.4 تريليون دولار إلى 9 تريليون دولار في العام 2020. بريطانيا رصدت 500 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد. فرنسا رصدت 400 مليار دولار. التوقعات تقول بأن العالم قد يشهد أسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد العظيم في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، وستعتمد هذه الاحتمالات على مدى الانتشار الزماني والمكاني للفيروس، وعمق الأزمة التي سيتسبب فيها.

دول كثيرة ستشهد ثورات جياع. ظواهر العنف والسرقة ستنفجر، كما لم نشهد مثيلاً لها منذ عقود، لا سيما في دول العالم الثالث. البعض يتحدث عن إمكانية نشوء صراعات وحروب إذا ما طال أمد الفيروس. والبعض يقول أن كل خريطة العالم السياسية ستتغير. المفكر جاك أتالي يعتبر أن الأوبئة خلال الألف سنة الأخيرة هي التي صنعت الخريطة السياسية والأمنية لأوروبا الناشئة. وباء الطاعون كان السبب في انتقالها من النموذج الأول الديني اللاهوتي حيث تمارس الكنيسة الكاثوليكية سلطتها القمعية، إلى النموذج الثاني السياسي الأخلاقي حيث حل الشرطي (الدولة الحديثة) مكان القس، ثم حل الطبيب بعد ذلك مكان الشرطي.. إلى أن مهّد كل ذلك للنموذج الثالث الذي يمثله البراديغم (النموذج) الاقتصادي المادي.

تفوق ذكاء كورونا حتى اللحظة على الذكاء العلمي للإنسان. وإذا ما استطاع الإنسان إيجاد علاج له فثمة ملايين الفيروسات الذكية تنتظر فرصتها لتجرّب حظها معنا

وبرغم المؤشرات السلبية، ثمة من يسلط الضوء على ما هو إيجابي. تنامي السلوك الوجداني؛ إتساع الحملات التضامنية مع المتضررين؛ هدنات إلزامية في بؤر الصراع مثل ليبيا وشبه هدنة في إدلب. أكثر من ذلك.. يعتقد البعض أنها فرصة لأن يهدأ العالم من كل الصخب الذي يعيشه. الفرق في نسب ثاني اوكسيد الكربون قبل كورونا وما بعده هائل. الباحث مارشيل بورك يعتقد أن كورونا بإمكانه أن ينقذ أرواحنا.. فنسبة الذين يموتون جراء التلوث هي نسبة كبيرة (7 ملايين شخص يقضون سنويا بسبب التلوث).

ثورة الفيروس

لن يستثنى الإنسان من الثورات. نتحدث تحديداً عن مركزية الإنسان. فقد عدّد لوتشيانو فلوريدي في كتابه: “الثورة الرابعة: كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني”، هذه الصدمات كالآتي: صدمة اكتشاف هامشية الأرض بوصفها تدور حول الشمس وليست هي مركز الكون؛ الصدمة الابستمولوجية التي ولدها تشارلز داروين في أصل الأنواع؛ الصدمة السيكولوجية التي أحدثها سيغموند فرويد عندما ميّز بين الوعي واللاوعي، فهمّش وعي الإنسان نوعا ما؛ الصدمة الثورية الرابعة التي أزاحت مركزية التفكير عند الإنسان بوصفه الكائن الأكثر ذكاء في الكون، وتجلت في أن الإنسان لم يعد الغلاف المعلوماتي (الإنفوسفير) بلا منازع، فأجهزتنا الرقمية تنفذ مزيدا ومزيدا من المهام التي تتطلب منا بعض التفكير، عندما نكون في موقع المسؤولية.

اليوم، يأتي الفيروس ليحدث ثورة جديدة أثّرت مباشرة على هامشية الإنسان. إنها ثورة الفيروس: فيروس صغير، ولكنه استطاع أن يشكل بتأثيره الكبير صدمة غير مسبوقة. أنتج وعياً ثقافياً جديداً. أرغمنا على أن نفكر من جديد في وزن الإنسان ومكانته في هذا الكون. تفوق ذكاء كورونا حتى اللحظة على الذكاء العلمي للإنسان. وإذا ما استطاع الإنسان إيجاد علاج له فثمة ملايين الفيروسات الذكية تنتظر فرصتها لتجرّب حظها معنا.

إنها ثروة الفيروس.. الثورة الخامسة.

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course