اتفاق “اوبك+”: خفض الانتاج لا يصلح ما أفسده “الوحش الخفي”

Avatar18010/04/2020
تتزايد الشكوك في نجاعة الجهود المبذولة لإحياء سوق النفط من الانهيار، بسبب الركود الناجم عن فيروس "كورونا".

يوم أمس، توصل المنتجون الرئيسيون للنفط، ولا سيما روسيا والسعودية، إلى  اتفاق طال انتظاره لخفض الانتاج العالمي، بما يحقق استقرار الأسعار التي تهاوت في ظل اتساع الأزمة الصحية التي يشهدها العالم، ولكنّ الملفت للانتباه كان أن السوق لم تتفاعل إيجاباً، والسبب في ذلك مزدوج: رفض المكسيك الموافقة على القيود المقترحة، والتوقعات السلبية للهوة المتسعة بين العرض والطلب.

ومع ذلك، قد يسمح الاتفاق بوقف حرب الأسعار بين روسيا والسعودية، والتي بدأت في آذار/مارس بعد انهيار محادثات “أوبك بلاس”.

وتهدف الصفقة التي توصلت إليها مجموعة الدول المعروفة باسم “أوبك +”، والتي شجعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى إنهاء حرب الأسعار بين الرياض وموسكو التي ساعدت في دفع النفط إلى أدنى مستوى في عقدين تقريباً.

وبالرغم من أن حرب الأسعار الجديدة لم ترق إلى مستوى الحروب المماثلة التي شهدها العالم في الأعوام 1986 و1998 و2016، إلا أنها أجبرت شركات النفط العملاقة في الولايات المتحدة إلى خفض الإنفاق وطرد العمال وإلغاء المشاريع.

واعلنت “أوبك”، في بيان نشر بعد أكثر من تسع ساعات من المحادثات التي جرت عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة، أن الاتفاق المبدئي سيؤدي إلى تخفيضات بنحو 10 ملايين برميل يومياً خلال شهري أيار/مايو وحزيران/يونيو، على أن يتم تخفيف القيود تدريجياً ابتدءاً من شهر تموز/يوليو، ليصبح التخفيض بمقدار 8 ملايين برميل يومياً حتى نهاية العام الحالي، ومن ثم 6 ملايين برميل يومياً مع بداية العام المقبل، وحتى نيسان/ابريل من العام 2022.

وستتحمل روسيا والسعودية اكثر من نصف تخفيض “أوبك+” خلال الأشهر الأربعة الاولى، بواقع 5.6 ملايين برميل يومياً، موزعة بين 3.3 ملايين برميل للسعودية، و2.2 مليون برميل لروسيا. أما باقي الدول المعنيّة بالاتفاق، والتي يقع على عاتقها خفض 4.4 ملايين برميل يومياً مجتمعةً، فلم تتوافق حتى الآن على توزيع حصصها.

في هذا الإطار، برزت أولى العقبات من المكسيك، التي كانت المشارك الوحيد الذي لم يوافق على الاقتراح بخفض الانتاج.

ويعكس رفض وزيرة الطاقة المكسيكية روسيو نحلة قبول التخفيضات المقترحة تصميم بلادها على البقاء على مقربة من مستوى الانتاج الحالي.

الوزيرة المسكيكية التي غادرت الاجتماع عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة قبل أن ينتهي، غرّدت بعد فترة وجيزة قائلة إن بلادها مستعدة لخفض الإنتاج بمقدار 100 ألف برميل في اليوم، أي أقل بكثير مما اقتُرح في الاتفاق ( 400 ألف برميل في اليوم).

هذا الموقف قوبل بانتقادات حتى من داخل المكسيك، إذ قال ألدو فلوريس كيروغا، نائب وزير النفط المكسيكي السابق ، والذي سبق أن تفاوض بشأن صفقات “أوبك +” في الفترة الممتدة بين عامي 2016 و2018 ، إنه كان ينبغي على المكسيك أن تنضم إلى المجتمع الدولي لتحقيق الاستقرار في سوق النفط، مشدداً على أن خفض الإنتاج “ضروري وممكن”، وهو  “الشيء الوحيد الذي يجب القيام به محلياً ودولياً”.

يتحول الاهتمام الآن إلى اجتماع وزراء الطاقة لمجموعة العشرين حيث يمكن للدول خارج” أوبك +”، بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا، المساهمة بما يصل إلى 5 ملايين برميل في اليوم من التخفيضات الإضافية.

وبحسب آخر تقارير “غولدمان ساكس” فإنّ “ميزان النفط العالمي المحدث للعام 2020 يشير إلى أن خفض الانتاج بمقدار 10 ملايين برميل في اليوم (من أجل خفض فعال للإنتاج يبلغ 6.5 ملايين برميل في اليوم) لن يكون كافياً، ولا يزال يتطلب الحصول على 4 ملايين برميل إضافية”.

وفي هذا السياق، أعرب مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول عن أمله في أن تساهم  الدول المنتجة للنفط من خارج منظمة “أوبك” في إيجاد الحل للأسواق، مشيراً إلى أنه “في ظل حجم التحدي الذي تواجهه صناعة النفط، من المهم أيضاً  التركيز على اجتماع وزراء الطاقة في مجموعة العشرين للتوصل إلى حل هذه المشكلة التي يواجهها الاقتصاد العالمي، لأن المجموعة هدفها المحافظة على استقرار الاقتصاد العالمي وأتمنى الوصول إلى نتائج بناءة”.

التخفيض الحالي لا يشكل سوى جزءاً صغيراً من خسارة الطلب جراء تفشي وباء “كورونا”

 وبحسب بيرول فإنّ وصول سعر النفط إلى 10 دولارات للبرميل قد لا يكون جيداً حتى بالنسبة للمستهلكين، في ظل احتمالية خسارة العاملين في المصافي والحقول والمهندسين ومحطات بيع الوقود لوظائفهم، فضلاً عن تداعيات كل ما يحصل على نشاط الاقتصاد العالمي.

أجواء المداولات الجارية، سواء داخل “اوبك” أو خارجها، لا تبدو مشجعة للسوق النفطية التي أخذت تتفاعل ببرودة شديدة مع اتفاق الأمس، إذ انفخضت أسعار النفط بنسبة 2.8 في المئة بعدما رأى المستثمرون ان تقليل الإنتاج لا يتناسب مع تراجع الطلب.

وتبدو المعادلة هنا بسيطة للغاية: التخفيض الحالي سيكون بواقع 10 ملايين برميل يوميا، أي ما يوازي بنسبة 10 في المئة تقريباً من العرض العالمي، وهو لا يشكل سوى جزءاً صغيراً من خسارة الطلب جراء تفشي وباء “كورونا”، والتي تُقدّر بما يصل إلى 35 مليون برميل يومياً،  وذلك بعد توقف حركة الطيران في العالم، وإجراءات الحجر الصحي المتبعة في كافة الدول، والتي فرضت على أكثر من نصف سكان العالم البقاء في منازلهم، وبالتالي ابقاء سياراتهم مركونة، في موازاة تراجع الانتاج الصناعي بفعل الإجراءات نفسها والركود الحاصل في الأسواق العالمية.

ما سبق، جعل الكثير من المحللين الاقتصاديين في سوق النفط يوجهون سهامهم باتجاه “أوبك”، معتبرين أنها خيّبت آمال السوق مرة أخرى، وهو ما لخصه الخبير في مجال النفط جون كيلدوف، المسؤول الاداري في مجموعة “كابيتال اغين”، بالقول “لقد كانوا في حاجة إلى تحريك الجبال، ولكنهم لم يحرّكوا سوى تلّاً”!

وعلى خط موازٍ، فإنّ التحرك المرتقب من جانب مجموعة العشرين يقع ضمن دائرة الشكوك ذاتها، وهو ما يمكن استشرافه في توقعات الكثير من محللي أسواق الطاقة على غرار ساندي فيلدن التي علقت على الاجتماعات النفطية الجارية بالقول إن “الدراما المعتادة متوقعة الآن. التخفيضات أمر جيّد، ولكن من سيقوم بذلك وبأي قدر ومتى؟ هذا هو المهم حقاً، علاوة على ذلك، فإنّ دور مجموعة العشرين لا يزال لغزاً”.

كل هذا التشكيك يبدو طبيعياً في ظل مواجهة منتجي الطاقة ما يمكن اعتباره واحداً من أخطر التحديات غير المسبوقة في تاريخهم، والمتمثلة في مواجهة عدو غامض.

محمد باركيندو، الأمين العام لمنظمة “أوبك”، في كلمته خلال الاجتماع عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة، إن فيروس “كوفيد-19”  هو “وحش غير مرئي يؤثر على كل شيء”، مشيرا ًإلى أن “أساسيات العرض والطلب باتت مرعبة”، وأن الزيادة المتوقعة في العرض، لا سيما في الربع الثاني من العام الحالي “تتجاوز أي شيء رأيناه من قبل”.

Avatar

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course