واشنطن تدين حكّام لبنان.. وتبرىء الفاخوري!

منذ أن تجرأ الامن العام اللبناني على توقيف العميل عامر الفاخوري، أحد المسؤولين العسكريين السابقين عن معتقل الخيام في الجنوب اللبناني في زمن الاحتلال الإسرائيلي، وذلك إثر عودته "المنظمة" إلى بيروت في أيلول/سبتمبر 2019، مروراً بمحاكمته أمام القضاء العسكري، وصولاً الى تبرئته واخلاء سبيله في 16 آذار/مارس 2020، ثمة مسار تعقبته واشنطن بكل تفاصيله، وقررت مواجهته بسلاح العقوبات، الأمر الذي جعل قيادات سياسية وعسكرية وأمنية وقضائية لبنانية ترضخ لطلب إطلاق سراحه.

ما هي قصة الضغوط الأميركية على لبنان؟

يكشف مصدر رسمي لبناني واسع الإطلاع لموقع “180” حقيقة ما جرى في ملف العميل عامر الفاخوري على الشكل الآتي:

منذ توقيف الفاخوري في شهر أيلول/سبتمبر 2019، بعد عودته إلى لبنان من الولايات المتحدة، توالت التقارير الدبلوماسية الى مواقع رئاسية وقيادات لبنانية معنية بالملف. في البداية، طالب الأميركيون عبر سفارتهم في بيروت، وعبر أكثر من موفد جاء إلى لبنان، بالإفراج عن الفاخوري. لاحقاً، إتخذ الأمر منحى مختلفاً، مع تقديم السيناتور الاميركي عن ولاية نيو هامشير (الحزب الديموقراطي) جين شاهين Jeanne Shaheen في شباط/فبراير 2020 مشروع قانون إلى مجلس الشيوخ الأميركي يقضي بفرض عقوبات على المسؤولين اللبنانيين الذين تثبت علاقتهم بأي توقيف غير قانوني لمواطنين أميركيين في لبنان.

وأشارت التقارير إلى أن المشروع الذي قدمته شاهين “سيقرّ بشبه اجماع اعضاء الكونغرس، نتيجة تبنيه من الجمهوريين والديموقراطيين على حد سواء، على ان يحال، بعد إقراره، الى الرئيس دونالد ترامب لتوقيعه واصداره رسمياً”.

وتضيف التقارير، إستنادا إلى المصدر اللبناني نفسه ان مشروع القانون المذكور “يفرض عقوبات على المسؤولين اللبنانيين الذين يثبت تورطهم بأي توقيف غير قانوني لمواطنين اميركيين في لبنان، وينص على تجميد اموالهم وفوائدها، وعلى رفض منحهم سمات دخول الى اراضي الولايات المتحدة الاميركية والغاء السمات (فيز السفر) الممنوحة لهم سابقاً”.

وتكمن أهمية المشروع انه تم تقديمه باسم السناتور عن الحزب الديموقراطي شاهين وباسم السناتور عن الحزب الجمهوري تيد كروز(Ted Cruz) المعروف بمواقفه المناهضة للبنان، وهو الذي ينادي دوما بوقف المساعدات العسكرية للجيش اللبناني. وأعلنت شاهين وكروز في بيان مشترك ان هذا التشريع (المشروع) “يأتي جوابا على رفض لبنان اطلاق سراح عامر الفاخوري، الأميركي الجنسية، الموقوف من قبل الحكومة اللبنانية على الرغم من تدهور حالته الصحية”.

في وقت لاحق، تواصلت جين شاهين مع الإدارة في البيت الابيض ومع وزارة الخارجية الاميركية بهدف الحث على اطلاق سراح الفاخوري وتأمين عودته الى الولايات المتحدة، وقالت إن ناخبيها يعرفونه جيداً وهو صاحب مطعم في مدينة دوفر (ولاية نيو هامشير). كما أثارت شاهين القضية في عدة جلسات استماع للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ وفي اللجان الفرعية ايضا، وأبلغت الإعلام الأميركي انه تم توقيف الفاخوري الذي كان يزور لبنان في ايلول/سبتمبر 2019، وتم حتجز جواز سفره واخضاعه للتعذيب من قبل الاجهزة الامنية اللبنانية، وتم اكتشاف اصابته بمرض السرطان من الدرجة الرابعة خلال توقيفه في السجن (في المرحلة الأولى، أوقف في المستشفى العسكري في الطيونة)، “وقد ساء وضعه من جراء التعذيب الذي تعرض له، وذلك بهدف حثه على الادلاء باعترافات غير صحيحة حول الحقبة التي كان يعمل فيها كضابط في “جيش لبنان الجنوبي” في مواجهة حزب الله”.

تشريع أميركي ينص على فرض عقوبات ويطلب من وزير الخارجية الاميركي تنظيم لائحة بأسماء الاشخاص الرسميين الحاليين والسابقين المسؤولين عن توقيف الفاخوري، ومن ضمنهم قضاة وأعضاء المحكمة العسكرية

وقالت جين شاهين لزملائها إنه تم توجيه التهم الى عامر الفاخوري من قبل محكمة عسكرية لبنانية بعدة جرائم تصل عقوبتها الى الاعدام، وذلك من دون تقديم اية ادلة مادية ملموسة، وقد تم استغلال قضية الفاخوري من قبل (منظمة حزب الله الارهابية) “وذلك لاثارة النعرات السياسية في وقت حساس جدا في تاريخ لبنان”. وألمحت إلى النفوذ الذي يمتلكه حزب الله في المؤسسات القضائية ولا سيما المحكمة العسكرية.

وعندما حضرت السفيرة الاميركية الجديدة المعينة في لبنان Dorothy Shea (دوروثي شيا) جلسة الاستماع المدعوة اليها في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، قبل أن تتوجه إلى بيروت، تم تزويدها بالتوجيهات اللازمة، ومنها أن هذا الملف يحظى بأوسع وأكبر إهتمام أميركي وأن عدم التجاوب مع الطلب الأميركي ستكون له عواقبل وخيمة.

وقد اعطت الحكومة الاميركية فرصة  لاطلاق سراح عامر الفاخوري، “لكن سلوك المسؤولين اللبنانيين اللذين يحركهم حزب الله هو سلوك غير شرعي ومخالف للقوانين اللبنانية، وبالتالي ثمة عواقب للانتهاك الصارخ للمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الانسان في اي وقت يحصل فيه توقيف اعتباطي وغير قانوني لمواطن اميركي من قبل حكومة اجنبية، وبالتالي، يجب علينا استعمال اية وسيلة متاحة لاعادة المواطن عامر الفاخوري الى بلاده وعدم السماح باستغلال احتجاز اي شخص لغايات سياسية” كما جاء في أحد التقارير الدبلوماسية التي تسلمتها السلطات اللبنانية، ويضيف التقرير نفسه ان حماية المواطنين الاميركيين في الداخل والخارج “هي مسؤولة اساسية تترتب على الحكومة الاميركية”، وان مسألة احتجاز وخطف واتخاذ رهائن اميركيين “مسألة غير مقبولة بالكامل”.

وقد اطلق على التشريع الجديد تسمية(Zero Tolerance Of Unlawful Detention Of U.S Citizens In Lebanon) أو “قانون عدم التسامح المطلق مع الاحتجاز غير القانوني لمواطني الولايات المتحدة في لبنان”، وهو ينص على فرض عقوبات على كل  شخص رسمي لبناني يتبين انه مسؤول عن توقيف اميركي بطريقة غير انسانية في لبنان، وقد ذكر النص انه يتعين على وزير الخارجية الاميركي ان ينظم لائحة بأسماء الاشخاص الرسميين الحاليين والسابقين المسؤولين عن توقيف الفاخوري، ومن ضمنهم قضاة وأعضاء المحكمة العسكرية. وسارعت السفارة الاميركية في بيروت الى تكرار طلب الافراج الفوري عن الفاخوري “لاسباب انسانية كونه يعاني من سرطان الغدد الليمفاوية”، وإعتبرت السفارة ان استمرار حبسه “يمنع عنه الشفاء المعقول او يتسبب في المزيد من تدهور حالته”.

هذه المعطيات أثارتها السفيرة الأميركية السابقة في بيروت مع الرئيس اللبناني ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل، وعندما زار مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية ديفيد هيل بيروت في شهر كانون الأول/ديسمبر 2019، فإنه أثار مع رئيس الجمهورية قضية الفاخوري، وكان جواب المستشار الرئاسي سليم جريصاتي “لنترك المسار القانوني يأخذ مداه، فالقضية ما زالت في بدايتها”. وتكررت المطالبة الأميركية بالإفراج عن الفاخوري خلال الخلوة الطويلة التي جمعت بين باسيل وهيل في دارة الأول في فقرا، وتم التكتم على نتائجها.

مسؤولون في الإدارة الأميركية: “يجب علينا استعمال اية وسيلة متاحة لاعادة المواطن الأميركي عامر الفاخوري الى بلاده”!

والاخطر في قضية عامر الفاخوري، حسب المصدر نفسه، انها “دخلت في اطار التنافس الانتخابي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لان مجاراة الجمهوريين للديمقراطيين في مشروع القانون عكس رغبة متبادلة من الحزبين بتصعيد الموقف ضد لبنان، بحيث أنهم قد يعملون على اقتراح مشروع قانون جديد في المستقبل مستغلين قضية الفاخوري لفرض عقوبات اكبر واكثر شمولاً، مثل تجميد المساعدات العسكرية للجيش اللبناني (بقيمة حوالي 175 مليون دولار)؛ فرض عقوبات على بعض المصارف اللبنانية؛ ايقاف المساعدات الاقتصادية المقدمة الى لبنان من ضمن برامج اميركية عديدة”.

واللافت للإنتباه أن السفير الأميركية الجديدة، إختارت الأسبوع الماضي أن تدشن مهمتها اللبنانية من بوابة عامر الفاخوري حيث نقلت خلال تقديم أوراق إعتمادها إلى رئيس الجمهورية رسالة شفهية من نظيره الأميركي دونالد ترامب، يتمنى فيها الإفراج عن الفاخوري ربطاً بتدهور وضعه الصحي “إذا إستمر حجزه”.

كل هذه المعطيات التي توافرت لدى المسؤولين اللبنانيين، وآخرها تسريب مسودة عن لائحة شخصيات سياسية وامنية وعسكرية وقضائية ستطالها العقوبات الاميركية إذا لم تفرج السلطات القضائية عن الفاخوري، “دفعت القيادات اللبنانية الى التداول بالمخرج الكفيل باخلاء سبيل العميل الإسرائيلي استنادا الى دفوع واعتبارات متعددة إختلط فيها الصحي بالقانوني، الشكلي بالجوهري، السياسي بالقانوني”.

ماذا بعد صدور قرار قاضي الأمور المستعجلة في النبطية أحمد مزهر بمنع العميل الفاخوري من السفر جواً وبحراً وبراً لمدة شهرين؟

عملياً، لا قيمة للقرار القضائي اللبناني، طالما أن الفاخوري صار عملياً على الأرض الأميركية (السفارة الأميركية في عوكر).

هل يقدم الأميركيون على ترحيله بطريقة غير قانونية، بعدما تعذر عليهم تسفيره بواسطة طائرة مجهزة طبياً عبر مطار بيروت؟

كل الإحتمالات واردة. الدليل هي تلك العبارة التي وردت في تقرير دبلوماسي نقلا عن مسؤولين في الإدارة الأميركية: “يجب علينا استعمال اية وسيلة متاحة لاعادة المواطن الأميركي عامر الفاخوري الى بلاده”!

داود رمال

صحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
free download udemy course