العراق: التكليف الأخير.. تحت وابل الأزمات

مع إلتئام النصاب السياسي العراقي حول مصطفى الكاظمي مكلفاً جديداً بتشكيل الوزارة الجديدة، تصبح المهمة أصعب.. وبديلها، إذا بلغت الحائط المسدود، الفراغ المديد.

العراقيون في عراقهم في مأزق. الإيراني والأميركي جزء من المأزق العراقي. في الوقت نفسه، لم يعد البقاء في هذه الأزمة يناسب أحداً. الأفدح، ثمة إنسلاخاً بين الناس والسلطة. إنسلاخ لا تستثنى منه أحزاب ولا شخصيات ولا مكونات. نحن أمام جيل لا يعرف العراق القديم ولا صدام حسين ولا نظام البعث. جيل لا يعرف إلا العراق الحديث، وهو عراق لا يمت بصلة إلى الحداثة. يفتقر الناس فيه لأبسط المقومات، من ماء وكهرباء وصحة وبنى تحتية. تجاوزت الأمور قدرة الجميع على الضبط بما في ذلك المرجعية الدينية. لا الحديث عن سقف الدستور بات مقبولا ولا تحميل السياسيين مسؤولية تفتيت وحدة العراق تكفي. هؤلاء، والمقصود بهم أهل السياسة، “لو احترق البلد أمام انظارهم، لن يكترثوا أبدا”، لأن المهم لديهم هو: كيف يستفيدون من ثروات البلد “التي سرقت بالكامل”، على حد تعبير السيد السيستاني، في خطبة جمعة ألقيت بالنيابة عنه، في الخريف الماضي.

يصوّب السيد السيستاني، على “اهل البيت الشيعي السياسي” بالدرجة الأولى. هناك فئة من “السياسيين الشيعة المنخرطين” في العمل العام، من وزراء ونواب ومدراء عامين وهؤلاء هم الاغلبية البرلمانية والسياسية التي تورطت في ممارسات الفساد، بشراكة كاملة مع اقرانهم السنة والكرد، وهم منتخبون من الناس، كالباقين، بمعزل عن كيفية إجراء الإنتخابات في العراق، ولا سيما الجولة الأخيرة التي شابها تزوير فاضح. دول كالولايات المتحدة وايران وتركيا وبريطانيا والسعودية ملزمة بالتعامل مع هذه الفئة لانها تتمتع بشرعية الانتخاب، ومن غير المعقول ولا المقبول ان تطالب أية دولة من هذه الدول برد نتائج الانتخابات، على قاعدة مطالبة العراقيين بانتخاب الاصلح والانزه، بل عليها كدول أن تدير انشطتها ليس برومانسية من تشتهي، بل بواقعية الموجود والمتاح فعلا في هذا العراق.

في المقابل، هناك فئة ثانية هم “فريق المقاومين الشيعة” الذي حسموا امرهم، بإشهار عدائهم للولايات المتحدة ولإسرائيل، منذ اللحظة الأولى للإحتلال الأميركي للعراق، قبل 17 عشر عاماً. هذا التوجه المقاوم، ليس حصرياً بالإيرانيين، بل كان تبناه بعض العرب حتى من قبل أن تنتصر ثورة الخميني في إيران. يكفي هذه الفئة أن تتعامل مع الأميركي بصفته إحتل بلدها ودمر قدراته وضمن اهدافه حماية لمصالحه وأيضا حماية للوجود الاسرائيلي. ميزة هؤلاء أنهم لم يجدوا نصيراً وداعما فعالا لهم غير ايران وسوريا، وإلا ما أمكن لهم أن يتحملوا مسؤولية المهمة التي أخذوها على عاتقهم. لذلك، هم يتعاملون مع هذا النصير بصفته حليفاً، سواء أكان إيرانياً أم سورياً، بمعزل عما إذا كانوا راضين عن افعاله أو عن مجمل سياساته.

سيكون جدول أعمال الكاظمي حافلاً بالمهمات. أكثرها دقة هو قرار مجلس النواب العراقي بإخراج القوات الأجنبية من العراق. مهمة الكاظمي هي “تسييل” القرار من دون توترات أمنية أو عسكرية بين الجانبين الأميركي والإيراني في العراق

وهنا يقع كثيرون في إلتباس كبير. هل شجع الإيرانيون مثلاً بعض الحلفاء على الفساد؟ أم أن هؤلاء السياسيين الذين ينتمي معظمهم إلى الفئة الأولى وجدوا في الأميركيين حاضنة ورافعة لهم بالدرجة الأولى، لا بل بشراكة معهم، وبغض طرف إيراني، فكانت النتيجة أن من دفع الثمن هو كل ما يتعلق بأصل السياسة وفصلها في العراق. هنا، كان اللافت للإنتباه كيف حاول الأميركيون الإستثمار في الحراك الشعبي، بعدما وجدوا شارعاً لا يميز بين السياسي الفاسد وبين المقاوم الذي لم يتورط في منظومة الفساد، ولم يقتصر الأمر على إستهداف هذا الحيز السياسي، بل تخطاه نحو توجيه الكراهية إلى ايران الدولة وايران المقاومة.

هذا جزء من المأزق السياسي الذي إستشعره من ينتمون إلى الفئتين آنفتي الذكر. بالنسبة إليهما، قد يكون مفهوما مطالبة البعض باسقاط الفاسدين سياسياً ورميهم في السجون، ولكن اسقاط النظام السياسي في العراق يهدد امكانية قيام نظام جديد يمكن أن تجد فيه كل مكونات الشعب تمثيلا منصفا وعادلا. الأخطر أن  يستدرج بلدهم إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. زدْ على ذلك أن العراق يواجه ضغطا اقتصاديا، مثل باقي أجزاء “السبحة الممانعة” من إيران إلى لبنان مروراً بسوريا.

العراقيون، كما غيرهم، مطالبون بالبحث عن سبل مواجهة العقوبات، ولو أنها مهمة غير سهلة. يصلح قياس الحالة اللبنانية على الحالة العراقية في جوانب عدة، لبنان اصغر مساحة واقل موارد واقل محافظة واكثر انفتاحا ومدنية وتمايزا في البيئة الاجتماعية، ولكن ميزة العراق انه عادة ما يحدث فيه غير المتوقع، فمثلا استبعد نوري المالكي في العام 2014 برغم حصده أغلبية اصوات الناخبين. كلف عادل عبد المهدي برئاسة الحكومة في العام 2018 وهو لم يترشح اصلا للإنتخابات. ضغط ما قد يولد توافقاً ينحي جانبا كل التحفظات ويستولد ديناميات جديدة في الداخل كما في الإقليم. هذه هي الحال مع الإجماع العراقي والموافقة الأميركية والإيرانية على تكليف مصطفى الكاظمي.

وحتماً كان للزيارة التي قام بها مسؤول إيراني رفيع المستوى إلى العراق أثر إيجابي على التوافق حول الكاظمي. هناك حدود مساحتها 1400 كلمة بين العراق وإيران، ومثلها بين العراق والسعودية. لا بد من حفظ مصالح الجميع، لكن الأولوية لمصالح العراق.

سيكون جدول أعمال الكاظمي حافلاً بالمهمات. أكثرها دقة هو قرار مجلس النواب العراقي بإخراج القوات الأجنبية من العراق. مهمة الكاظمي هي “تسييل” القرار من دون توترات أمنية أو عسكرية بين الجانبين الأميركي والإيراني في العراق. اتفق الأميركيون على وجوب تغيير الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة في ظل التوترات الأخيرة، وهذا مسار تفاوضي يحتاج إلى أشهر وربما أكثر.

المهمة الثانية هي إجراء إنتخابات نيابية مبكرة، خلال حوالي السنة، ووفق قانون إنتخابي وآليات تضمن إنتاج طبقة سياسية جديدة في العراق.

مهمتان صعبتان للمتصدي. مهمتان حساستان إزاء أي إهتزاز في سياق معادلة التهدئة، وأي ترنح قد يكون كفيلا بإطاحة ليس المتصدي للتكليف بل اصل التكليف.

(*) راجع أمين قمورية بعنوان “الكاظمي رئيساً للحكومة.. راكب الليث في الصحراء”:https://180post.com/archives/9847

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free online course