الكاظمي رئيساً للحكومة.. راكب الليث في الصحراء

إنطلقت رحلة مصطفى الكاظمي الى رئاسة الوزراء في العراق فعلياً من اجتماعه الأخير مع الامين العام للمجلس الأعلى للامن القومي الايراني علي شمخاني في بغداد. هذا اللقاء أمّن له مظلة توافق الزامي في البيت الشيعي، بعدما كسر "الفيتو" المفروض عليه من بعض الحلفاء المحليين للدولة الجارة التي جعلت من العراق ملاذها الاخير للتملص من واقعها الذي تشتد صعوباته. لكن جلوس الكاظمي على كرسي المنصب التنفيذي الاقوى في بغداد قد تكون دونه مفاجآت غير متوقعة وغير محسوبة في اللحظات الاخيرة، في بلاد تنام على شيء وتصحو على شيء آخر. 

مصطفى الكاظمي رجل قليل الكلام. يعوّض عن صمته بالحرص على متابعة أدق التفاصيل، وبمعرفة عميقة بثنايا التاريخ السياسي العراقي المعاصر، والتضاريس البشرية والاجتماعية للثقافة العراقية على امتداد جغرافيتها، من خلال عمله السابق كحافظ لـ”مؤسسة الذاكرة العراقية” ومديرا عاما لمجلة “الاسبوعية”، وحركته النشطة والمديدة، وعلاقاته المتينة بمعارف كثر متوزعين في أرجاء العراق من كردستانه الى بصراه، وفي أرجاء المعمورة التي هام فيها منفياً ومتنقلاً ما بين لبنان والكويت والاردن والامارات واسوج واليونان واميركا وبريطانيا وغيرها الكثير…

لا يدرك كثيرون بالدقة سر إنتقال الكاظمي السريع من صفوف الصحافيين إلى رئاسة جهاز الاستخبارات الوطنية، وصولا الى أعلى موقع تنفيذي في العراق، يتوق الى تبوئه كل رجال الشيعة الاقوياء في هذا البلد العربي المشرقي. يمتلك مثل غيره من السياسيين الكثير من نقاط الضعف والكثير من نقاط القوة. لكن ما يميزه أن نقاط قوته قد تكون سببا لضعفه وممرا للنيل منه، وأن نقاط ضعفه قد تميزه عن الآخرين، وقد تكون سرا لنجاحه وتحقيق ما هو غير متوقع، مع الاخذ في الاعتبار أن حكم العراق كركب الليث في الصحراء.

الدم السياسي الجديد

يؤخذ على الكاظمي أنه يأتي من خارج سياق الزعامات التقليدية، فلا هو قيادي في حزب سياسي كبير، ولا سليل عائلة سياسية أو دينية فاعلة ومؤثرة، ولا زعيم عشيرة كبيرة، ولا دراية له بالشأن الحكومي، ولم يُختبر في أي إستحقاق إنتخابي شعبي. وتالياً، فإن القوى السياسية التقليدية الممسكة بتلابيب الحياة اليومية للناس، والتي تفرض نفسها كقوى أمر واقع على إمتداد الجغرافيا العراقية وداخل مكوناتها، ستسعى الى جعله أداة لنيل مآربها الفئوية الخاصة، وإلاّ فالويل والثبور وعظائم الامور لمن تسول له نفسه الانقلاب على مصالحها أو الصعود على حسابها الى مصاف الزعامات الكبرى. لكن هذا الامر هو بحد ذاته أداة تفضيل للجمهور العراقي الواسع المنتفض على الزعامات التي أذاقته المر وأهدرت ثروات البلاد بفساد غير مسبوق طوال عقود طويلة وتحديدا منذ سقوط نظام البعث حتى الآن.

قد يجد قياديو الصف الأول ممن أعياهم الخلاف والتحاصص فرصة لإلتقاط الانفاس عبر تحميل الوافد الجديد للنادي السياسي العراقي أعباء مرحلتهم السابقة، في إنتظار عودة أحدهم، أو من يمثله، على حصان أبيض، إلى رئاسة الحكومة، بعد إستتباب الامور

هكذا، يمكن أن يشكل “الدم السياسي الجديد” فرصة لا تتكرر لبناء ثقة شعبية مفقودة، وكسب جمهور الشباب في ساحات الحراك المنتفضة منذ ستة أشهر. هؤلاء الذين أظهروا في الشهور الماضية ثباتا وعزما لا يلينا للوصول إلى ما هو أفضل للعراقيين، وتحقيق أبسط حقوقهم البديهية من ماء وكهرباء وطبابة وخبز، ناهيك عن الحد من الفساد. هؤلاء المنتفضون الذين تمكنوا ايضا من اطاحة  مشاريع رؤساء وزراء عديدين، قبل أن تغتنم السلطة وباء “كورونا” بمحاولة الإجهاض على إنتفاضتهم. وهؤلاء قد يرون في سياسي مدني وغير حزبي مثل الكاظمي فرصة لدعمه.

في المقابل، قد يجد قياديو الصف الأول ممن أعياهم الخلاف والتحاصص فرصة لإلتقاط الانفاس عبر تحميل الوافد الجديد للنادي السياسي العراقي أعباء مرحلتهم السابقة، في إنتظار عودة أحدهم، أو من يمثله، على حصان أبيض، إلى رئاسة الحكومة، بعد إستتباب الامور. هذا ربما ما دفع بطهران الراعية لشؤون البيت الشيعي في العراق إلى القبول مرغمة بمرشح من خارج “البيت”، تجنبا لصراع محموم، قد يخرج عن السيطرة ويؤدي إلى إنهياره.. والأخطر الإضرار بمصالح الإيرانيين في العراق والمنطقة.

ولعل ذلك ما سهل للكاظمي، المدرك جيداً حساسية الوضع الداخلي وتداعيات الصراع الخارجي على العراق، أن يغتنم اللحظة للمطالبة بربط قبوله منصب رئاسة الحكومة بإجماع “الفضاء الشيعي” على تأييد “صيغته” لرؤية متكاملة للمرحلة الانتقالية تتوج بإنتخابات نيابية مبكرة، على أن ينطلق منها إلى “الفضاء الوطني”، أي تحقيق توافق مع المكونين السُنّي والكردي.

لكن هذا الرضوخ “الشيعي” للتوافق، والذي بات ورقة قوة في جعبة الكاظمي قبل تنصيبه، يبقى عرضة للاهتزاز عند المنعطف الاول، خصوصا لناحية التعاطي مع فصائل “الحشد الشعبي” المؤثرة. فالكاظمي الذي يتولى حاليا رئاسة جهاز الاستخبارات جعل من “حصر السلاح بيد الدولة ومحاسبة الخارجين عن القانون”، أولوية له، وهو الأمر الذي وضعه على خلاف مع بعض الفصائل ولا سيما “حزب الله العراق” الذي شن حرباً على الكاظمي وصلت الى حد إتهامه بالتورط في إغتيال قائد “فيلق القدس” الجنرال قاسم سليماني. وهذه الفصائل، ومن خلفها طهران التي إستثمرت كثيرا في هذا المشروع السياسي الكبير، لن تتهاون في أي مس بطبيعة مهماتها وسلطتها ومصالحها وسيادتها، وتالياً، فإن هذه المسألة مرشحة الى التفاقم في أية لحظة، ما يدفع الى واحد من أمرين أحلاهما أمر من الآخر: المواجهة الشديدة التكلفة، أو القبول بالأمر الواقع والمراوحة في المكان، وعندها، لا حياة في العراق لمن تنادي.

عناصر القوة

في الوقت نفسه، لدى الكاظمي مكمن قوة من شأنه أن يوسع دائرة خصومه في البيت الشيعي، فالرجل الذي لا يملك قاعدة شعبية كبيرة في بيئته الطائفية، بإمكانه أن يعوض عنها بعلاقات متينة مع المكونات العراقية الاخرى السنية والكردية والآشورية والكلدانية والايزيدية وغيرها. فهو قد أمضى جزءا من حياته في السليمانية في كردستان، ويحتفظ بأواصر صداقة مع الزعماء الاكراد ولا سيما مع رئيس الجمهورية برهم صالح الذي عمل معه طويلا في ادارة مجلة “الاسبوعية” التي جمعت أطيافا واسعة من المثقفين والاعلاميين العراقيين والعرب. وعدا عن أواصر الصداقة، فإن الرجلين تجمعهما رؤية واحدة لمستقبل العراق وشؤونه وشجونه. ولكليهما نزعة مدنية. كما أنهما يتطلعان الى نهج متوازن في العلاقات العربية والخارجية. والكاظمي، مثله مثل صالح، في الجمع بين النقيضين الاميركي والايراني، مع الاخذ في الاعتبار عدم القطع مع دول الخليج وسوريا والعرب عموما. ومن شأن هذه الميزة، أن تعزز التعاون بين الرجلين اللذين يمسكا بالمنصبين الاهم في البلاد، إضافة الى رئيس مجلس النواب السني محمد الحلبوسي. لكن في الوقت نفسه، من شأن هذه العلاقة الوثيقة بين الثنائي صالح ـ الكاظمي أن تثير اشكالات وحساسيات داخل البيوت السياسية الخاصة بالمكونات العراقية، في بلد تتناهشه الطائفية والمذهبية بكل مساوئهما التحاصصية الجاذبة للفساد والزبائنية والمصالح الفئوية الضيقة.

من نافل القول أن اي عمل وحدوي ووطني في العراق، يؤسس للانتقال الى الدولة المدنية، لا يثير فقط غضب الطائفيين والمهددين بمصالحهم، بل ايضا ريبة الدول المتدخلة بالعراق والتي جعلت هذا البلد منذ العام 2003 ساحة نفوذ ومغانم وفيرة

ومن نافل القول أن اي عمل وحدوي ووطني في العراق، يؤسس للانتقال الى الدولة المدنية، لا يثير فقط غضب الطائفيين والمهددين بمصالحهم، بل ايضا ريبة الدول المتدخلة بالعراق والتي جعلت هذا البلد منذ العام 2003 ساحة نفوذ ومغانم وفيرة من اميركا الى ايران وتركيا والسعودية والإمارات، وهذه الدول وربما غيرها لن تتساهل في جعل العراق الغني بموارده وقواه البشرية، دولة قوية مستقرة اقتصاديا وسياسيا ومتماسكة قادرة على الاضطلاع بدور اقليمي بارز. لذلك، يمكن القول ان اية رؤية بهذا الاتجاه مهددة بمخاطر جمة، داخلياً وخارجياً.

رجل أميركا

ومن هنا ياتي التحدي الخارجي الابرز امام اية حكومة عراقية جديدة بنهج جديد. وبهذا المعنى، يؤخذ على الكاظمي ايضا بانه احد رجال اميركا في العراق وبأنه صنيعتها وانها أوصلته إلى منصبه في المخابرات العراقية منذ العام 2016، وأنها هي التي تشجع وصوله الى رئاسة الوزراء، وان علاقته بطهران جاءت متاخرة نسبيا وبهدف “اللعب على الحبلين”، ناهيك عن طموحاته الشخصية.

ولا يخفي الرجل علاقته الوطيدة بالاميركيين مثله مثل غيره من السياسيين العراقيين الذين سادوا في العراق بعد الاحتلال وحافظوا على قنوات الاتصال مع اجهزة الدول التي استضافتهم اثناء المنفى ان كان في طهران او الرياض او عمان او لندن وباريس وبطبيعة الحال واشنطن التي هندست الغزو وركبت النظام الطائفي النقيض للديموقراطية التي ادعتها. لكن الكاظمي ايضا مثل غيره من المسؤولين الذين يستحيل ان يتبؤوا هكذا مسؤولية سياسية من دون المرور بالممر الإلزامي الإيراني، مع الأخذ بالحسبان لأن الإيرانيين تسللوا من خرم الجغرافيا والاخطاء الاميركية المحسوبة والغياب العربي المريب لفرض هيمنتهم على القرار السياسي والاقتصادي لبغداد، وهو الامر الذي فرض نوعا من التوافق الضمني الاميركي ـ الايراني على الواقع العراقي، تبعا لحسابات الربح والخسارة وتوازن القوى في ظل الصراع المفتوح بين الطرفين والمحكوم بسقف عدم الانجرار الى الهاوية.

اما اليوم، فان تطور الصراع الاميركي الايراني فرض وقائع جديدة لا سيما بعد اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في بغداد وتفاقم الامور والتخبط في العراق لا سيما داخل “البيت الشيعي” الذي ضيع طوال 17 عاما من توليه زمام السلطة، فرصة تقديم نموذج رشيد للحكم، مغاير للنهج الديكتاتوري الذي كان سائدا من قبل وقادر على انعاش العراق وتنميته بفعل الموارد الكبيرة للدولة التي نهبت لمصالح شخصية بدلا من ان تسخر للصالح العام.

وفيما غضت واشنطن الطرف على هذه السياسات لغاية في نفس يعقوب حتى وجدت نفسها بعد حين تحت ضغط العراقيين المطالبين بانسحابها من اراضيهم بعدما سوقت نفسها على انها “المنقذ لهم”، كذلك فعلت طهران المهيمنة الثانية على القرار في بغداد، حين استباحت البلاد بذريعة “المقاومة والممانعة” و”صد الارهاب” وشجعت ادواتها العراقية على عدم مغادرة مربع المحاصصة بدل اغتنام الفرصة لبناء دولة عراقية رشيدة ومستقرة تكون حليفا لها.. وصديقا، حتى وجدت نفسها بعد حين في خضم ازمة اضافية وفي مواجهة صراع بين حلفائها من شأنه ان يهدم الهيكل على من فيه، ما دفعها الى التدخل لانقاذ ما يمكن انقاذه بعد فقدان بوصلتها في العراق ـ أي قاسم سليماني – وبعدما هتف الناس في الجنوب الشيعي وبغداد منددين بها.

هل يكون ثمن التغيير في العراق حروبا اهلية جديدة او فيديراليات او كونفيدرليات؟ ام ان التغيير فقط في الاسماء فقط وليس في النهج؟

هنا، يصح القول إن الاوضاع الجديدة في العراق، معطوفة على ازمة “كورونا” والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والضغوط الاميركية المتزايدة، دفعت كلها طهران الى التعامل بواقعية اكثر وتخطي الخطوط الحمر التي كانت مرسومة سابقا ومن ضمنها القبول بالكاظمي رئيسا للوزراء وتغيير قواعد اللعبة في العراق.

وفي المقابل، فان على اي شخصية ان تتولى ادارة شؤون بغداد، ان تدرك ضرورات الجغرافيا باقامة علاقات متينة مع ايران وتعزيز الروابط بين الشعبين، وان لا خلاص للعراق من ازماته الا بتعاون واقعي مع دول الجوار وفي مقدمها ايران التي يفترض بها أن تضع المصالحة مع العراق وبين العراقيين في سلم أولوياتها. وهكذا يمكن ان تلوح امام اي قيادة عراقية لا سيما تلك التي تحتفظ بعلاقات مع الطرفين الاميركي والايراني، فرصة لاقامة توازن في ملف العلاقات الخارجية والافادة من الميزات التي قد توفرها العلاقة الخاصة بين الكاظمي وبرهم صالح، من جهة، مع كل من واشنطن وطهران، وضرورة الانفتاح على العمق العربي وخصوصا لجهة استعادة بغداد موقعها الفاعل في جامعة الدول العربية، من جهة ثانية.

هل التفاؤل في محله؟

من الصعب الجزم الان بالمسار خصوصا في ظل نظام عالمي واقليمي يتغير وسيتغير اكثر في ظل زمن كورونا وما سيليه من تداعيات. وحتى لو فعلت الضغوط الاميركية فعلها على طهران وارغمتها على التراجع القسري او التفاوض المؤدي الى اتفاق جديد، فهل سيقتنع الايراني بسهولة بالتخلي عن نفوذه لصالح دور إيجابي، وبوقف هيمنته على القرار العراقي؟

والسؤال الاشد صعوبة: هل من شان النظام الطائفي في العراق الذي اوصل البلد الى ما وصل اليه من تدهور وانهيار ان يوفر ارضية مساعدة لاعادة النهوض بالبلاد وحماية استقرارها وسلمها الاهلي؟ وهل تتخلى طوعا القوى الطائفية التي راكمت ثروات خيالية عن مصدر رزقها؟ وهل تسمح هذه القوى باجراء انتخابات جديدة على اساس قانون جديد يقود الى الدولة المدنية وتجديد الدم السياسي في العراق؟ هل يكون ثمن التغيير في العراق حروبا اهلية جديدة او فيديراليات او كونفيدرليات؟ ام ان التغيير فقط في الاسماء فقط وليس في النهج؟

الاجوبة على هذه الاسئلة ليست مطلوبة من العراقيين وحدهم بل من اللبنانيين الذين يعانون المعاناة نفسها.

أمين قمورية

صحافي وكاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy course download free