نضال خالد, Author at 180Post - Page 3 of 7

11_september___shahid_atiqullah.jpg

شكّلت هجمات أيلول/سبتمبر 2001 منعطفًا استراتيجيًا حاسمًا في مقاربة الولايات المتحدة للشرق الأوسط، إذ انتقلت واشنطن من سياسة الاحتواء التقليدية إلى إعادة تشكيل الإقليم تحت شعار «الحرب على الإرهاب». تجلّى ذلك في غزو أفغانستان ثم العراق، غير أنّ التركيز على إسقاط الأنظمة، من دون تصوّر واضح لمرحلة ما بعد السقوط، أدّى إلى تفكك السلطات المركزية وخلق فراغ بنيوي عميق مهّد لمرحلة طويلة من الفوضى وعدم الاستقرار.

800-38.jpg

في العقدين الأخيرين، شهد الشرق الأوسط تحوّلات عميقة في بنية الأمن والسياسة، أعادت رسم خريطة الفواعل المؤثرة، وأبرزت ظاهرة الفاعلين المسلحين من غير الدول بوصفهم لاعبين مركزيين، لا مجرد أطراف هامشية في الصراعات. فقد ترافق تراجع الدولة الوطنية، وتآكل مؤسساتها، وتفكك قدرتها على احتكار العنف المشروع، مع صعود جماعات مسلحة استطاعت أن تملأ فراغات السلطة والأمن، وأن تفرض نفسها جزءًا من المعادلة السياسية والاجتماعية، سواء بالقوة الميدانية أو بالشرعية الرمزية والهوياتية.

796.jpg

من يراقب مسار صناعة القرار السياسي في لبنان يكتشف سريعًا أن السؤال الأهم ليس: ماذا تُقرّر السلطة؟ بل: أين، وكيف، ومن يُقرّر باسم السلطة؟ فخلافًا لما هو سائد في الديموقراطيات الراسخة، حيث تُصاغ القرارات داخل مؤسسات منتخبة وفق قواعد واضحة ومعروفة سلفًا، تبدو القواعد في الحالة اللبنانية مائعة، تتبدل بتبدل موازين القوى الداخلية والإقليمية، وتختلط فيها حسابات الطوائف بحسابات العواصم الخارجية.

GettyImages-2188791915.jpg

في الأماكن التي تتقاطع فيها الطرق أكثر مما تتقاطع الهويّات، لا تُفهم الجغرافيا بوصفها حدًّا نهائيًا، بل مسارًا مؤجَّل الاكتمال. هناك، في الأرياف اللبنانية الملاصقة للحدود السورية، تشكّلت حياة كاملة خارج سرديات العاصمة، وخارج فكرة الدولة المكتملة. لم تكن الحدود جدارًا، بل محطة مؤقتة في طريق أطول من الخرائط.

780.jpg

كيف انتقل المسلمون السنّة في لبنان من سياسة تقوم على التنافس والتعدّد، إلى تمثيل يتمحور حول مرجعية واحدة؟ وهل كان هذا التحوّل ضرورة فرضتها مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الأهلية، أم مسارًا انتهى بتفريغ السياسة من مضمونها؟

800-15.jpg

لم يعد التحوّل السوري حدثًا عابرًا يمكن للبنان أن يراقبه من مسافة آمنة. فالمشهد الإقليمي الذي يتشكّل اليوم، مع عودة دمشق التدريجية إلى الفضاءين العربي والدولي، يؤسّس لمرحلة جديدة قوامها البراغماتية وإدارة المصالح لا إدارة القطيعة. في هذه اللحظة بالذات، يبدو لبنان مرة أخرى خارج الإيقاع، يتعامل مع تغيّر جاره الأقرب كما لو أنّه شأن خارجي لا يطال توازنه الداخلي ولا مستقبله السياسي والاقتصادي.

G1iuAAEXIAArdcA.jpg

لا يشبه الجوار اللبناني – السوري أيَّ علاقةٍ حدوديةٍ أخرى في المشرق. على الورق، هناك خطٌّ دوليّ يفصل بين دولتين مستقلّتين؛ لكن في الواقع، تمتدّ المدن والقرى والعائلات والاقتصاد عبر هذا الخط من دون أن تتوقّف كثيرًا عنده. هذا التداخل جعل الجوار أقرب إلى «بنية دائمة» منه إلى خيار سياسي قابل للإلغاء، وجعل أيَّ تبدّل في سوريا أو لبنان يرتدّ مباشرةً على الآخر. من هنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن إدارة هذه العلاقة في زمن «الجار المتغيّر» ومن خلال «ذاكرة سياسية» مثقلة ومتضاربة؟

800-63.jpg

ونحن ندخل سنة جديدة، وفي عالمٍ تتسارع فيه الساعات على نحو غير مألوف، صارت الوجبة شيئًا أكثر من مجرد طعام؛ أصبحت مرآة للحياة المعاصرة، نافذة تطل على روح مجتمع يختزل الزمن في دقائق، ويختزل العلاقات الإنسانية في معاملات اقتصادية وسريعة.

800-58.jpg

لم يتشكّل لبنان كدولة تستند إلى سردية وطنية جامعة أو مشروع سياسي واضح المعالم. لقد وُلد من تقاطع ظروف تاريخية وجغرافية وطائفية، لا من فكرة وطن متخيَّل أو عقد اجتماعي متين. وحين أُعلن «لبنان الكبير» في مطلع القرن العشرين، لم يكن الهدف إقامة دولة حديثة بقدر ما كان محاولة لخلق مساحة توازن بين جماعات سكنت الجبل والساحل والداخل، لكلٍّ منها تاريخها وحساسيتها وخطابها عن ذاتها. ومنذ اللحظة الأولى، بدا السقف الذي جمع هذه المجموعات هشًّا، كما لو أنه سُقِّفَ على عجل فوق بيت لم تُبنَ جدرانه بعد.

799.png

لا تُقاس الصراعات الكبرى دائمًا بميزان القوة العسكرية أو باتساع رقعة الاشتباك أو بعدد الضحايا وحجم الدمار، بل بطبيعة العلاقة التي تربط أطرافها قبل لحظة الانفجار. فغالبًا ما تكون النزاعات الأخطر تلك التي تنشب بين أبناء المسار الواحد. عندها، لا يعود الصراع مواجهةً بين مشروعين متعارضين، بل يتحوّل إلى نزاع على تعريف الأصل ذاته، وعلى من يمتلك حق تمثيله واحتكاره.