في لبنان، لا تُقرأ السياسة فقط عبر البيانات الرسمية أو خطابات الزعماء أو نتائج الانتخابات. ثمة أرشيف آخر أكثر صمتًا، لكنه أشد بلاغة، يتمثل في الجغرافيا نفسها.
في لبنان، لا تُقرأ السياسة فقط عبر البيانات الرسمية أو خطابات الزعماء أو نتائج الانتخابات. ثمة أرشيف آخر أكثر صمتًا، لكنه أشد بلاغة، يتمثل في الجغرافيا نفسها.
لم يعد من الممكن قراءة التجربة اللبنانية من زاوية الانقسام الطائفي بوصفه أزمة قابلة للإدارة أو الاحتواء. فبعد ما يقارب أربعة عقود على اتفاق الطائف، تبدّل موقع المشكلة داخل بنية النظام نفسه، لم يعد السؤال كيف يُدار الانقسام، بل كيف تحوّل هذا الانقسام إلى القاعدة التي يقوم عليها النظام.
لا تتحرك إيران والدول العربية ضمن نظام إقليمي مشترك، بل داخل عالمين متوازيين من التصورات والمفاهيم. كل طرف يمتلك لغة مفاهيمية خاصة به، تُحدّد ما هو الإقليم، وما الذي يُعد تهديدًا، وما الذي يعنيه الأمن أو السيادة. بناءً على ذلك، نحن أمام اختلاف في تعريف المصالح نفسها، وهذا ما يُفسّر كيف يمكن للفعل ذاته أن يُقرأ بطرق متناقضة تمامًا: ما تعتبره إيران إجراءً دفاعيًا مشروعًا، تراه الدول العربية تهديدًا لبنية النظام الإقليمي، والعكس صحيح في العديد من الحالات.
في جنوب لبنان، لا تُقاس السياسة ببيانات الدولة ولا بخرائط الحدود، بل بقدرتها على التكيّف مع واقع يتجاوزها. هنا، يتداخل الاستثناء مع القاعدة، ويتحوّل السلاح من أداة مرحلية إلى جزء من بنية مستمرة، فيما تعجز الدولة عن حسم تعريف سيادتها. بين مقاومةٍ تنتج شرعيتها، ودولةٍ تسعى إلى استعادتها، يتكرّس نموذج لبناني فريد: استقرارٌ قائم على اختلال، وسيادةٌ تتقاسمها قوى متعددة.
نشر موقع 180 بوست مقالة للزميل مالك أبو حمدان بعنوان "لبنان.. بأيّ مُعجزة نعيشُ "سويّاً"؟" طرحت أسئلة حول الرمزيات الجامعة، وخلص فيها إلى المقارنة بين تضحيات المقاومين وما يعتبره تناقضاً في سلوك سلطة سياسية تذهب إلى التفاوض مع العدو الإسرائيلي في لحظة مواجهة، ما يخلق مشهداً سوريالياً يفصل بين من يدفع كلفة الصراع ومن يقرّر مساره. وفي جوهر النص، يطرح إشكالية أخلاقية عميقة: كيف يمكن تبرير هذه السياسات للأجيال الجديدة، من دون أن تتحوّل إلى “كذبة” تُقوّض فكرة العيش المشترك في لبنان؟
لم يعد الخطاب السياسي مجرد وسيلة للتعبير عن المواقف، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى أداة لصناعة الواقع ذاته. وفي هذا التحول، يبرز صعود دونالد ترامب بوصفه لحظة مفصلية في تاريخ الرئاسة الأميركية، ليس فقط من حيث مضمونه السياسي، بل من حيث إعادة تعريفه لوظيفة الخطاب وحدوده.
في الشرق الأوسط، لا تُصاغ السياسة فقط في غرف القرار أو على طاولات التفاوض، بل تتشكّل أيضًا في العقول، حيث تتراكم الصور الذهنية عن «الذات» و«الآخر»، وتتحوّل مع الزمن إلى حقائق شبه مستقرة يصعب تفكيكها.
في لبنان، لا تأتي الحرب بوصفها حدثاً مفاجئاً، ولا يغادر السلام بوصفه حالة مكتملة. ما يعيشه اللبنانيون منذ نهاية الحرب الأهلية هو وضع رمادي طويل الأمد، لا يمكن تصنيفه بسهولة بين حدي الاستقرار والانفجار. فالدولة تبدو قائمة من حيث الشكل، لكن دعائمها الفعلية تبقى موضع شك دائم.
لطالما تقمص لبنان دور "الساحة" التي تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية. منذ تأسيس هذا البلد، لم يكن الصراع محكوماً بديناميات داخلية وحسب؛ سواء لعبة الصراع على السلطة أو الموارد أو تحديد الموقع الإقليمي. الآن، نحن نشهد أحد هذه الفصول التي تجعل الصراع امتدادًا مباشرًا للمواجهة الكبرى بين إيران من جهة، والتحالف الأميركي - الإسرائيلي - الخليجي من جهة أخرى. هذا الواقع أعاد تعريف موقع لبنان، من دولة هشة تعاني أزماتها الخاصة، إلى مختبر فعلي لتوازنات القوى في الشرق الأوسط.
لم يكن التوتر بين إيران ودول الخليج العربي خلال العقود الأربعة الماضية مجرد خلاف سياسي تقليدي بين دول متجاورة. هو خلافٌ يعكس تنافسًا أعمق بين نموذجين مختلفين لبناء الشرعية السياسية والحضور الإقليمي في الشرق الأوسط. فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، برزت إيران بوصفها دولة تحمل مشروعًا عقائديًا ثوريًا يتجاوز حدودها الوطنية، بينما سلكت دول الخليج مسارًا مختلفًا يقوم بدرجة كبيرة على التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والحماية الخارجية والانخراط في الاقتصاد العالمي، بوصفها مصادر أساسية لاستقرارها.