من مدريد إلى حرب 2006.. “لبنان المؤجل” ساحة أدوار إقليمية (2)

يأتي هذا الجزء استكمالاً للمقال الأول حول تحوّل لبنان، منذ نكبة العام 1948 وحتى نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، من دولة متأثرة بالصراع العربي–الإسرائيلي إلى ساحة مركزية من ساحاته. وفي هذا الجزء الثاني، يتركّز النقاش على مرحلة ما بعد الحرب الباردة ومؤتمر مدريد، وكيف تبلور موقع لبنان بين مسارات التسوية من جهة، وأدوار القوى الإقليمية على أراضيه من جهة أخرى.

حين دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة التسويات بعد انتهاء الحرب الباردة، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كان لبنان يخرج لتوّه من حرب أهلية وُصفت بالمدمّرة، ومن اجتياحين إسرائيليين، ومن تحوّله إلى ساحة أساسية لعمل منظمة التحرير الفلسطينية. وما بدا في نظر كثيرين فرصة لإعادة بناء الدولة، يُقدَّم في تحليلات سياسية عديدة على أنه تحوّل سريعاً إلى تكريس وضع جديد: دولة تُوصَف في الخطاب اللبناني الشائع آنذاك بأنها منقوصة السيادة، تحت ما سُمّي بالوصاية السورية، وحدود جنوبية مفتوحة على صراع عربي إسرائيلي كان يُراد للبنان أن يكون ساحة تفاوض بيد من يملك قراره من جهة ثانية.

ويُعدّ انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، في الأدبيات السياسية، نقطة تحوّل مفصلية في مسار الصراع العربي–الإسرائيلي. فقد جاء غداة حرب الخليج الأولى التي أخرجت صدام حسين من الكويت، وتراجع المشروع القومي العربي بصيغته السابقة، وانهيار الاتحاد السوفياتي، وصعود الولايات المتحدة بوصفها القوة المقرِّرة في الإقليم.. والعالم.

مع فشل مؤتمر مدريد ومعادلة تلازم المسارات، راحت دول الطوق العربية تدخل مسار التفاوض المباشر أو غير المباشر. وحتى سوريا، التي كانت تُوصَف لاعباً مركزياً في «جبهة الرفض»، انخرطت في مفاوضات ثنائية برعاية أميركية على مسار الجولان.

أما لبنان، وبحسب مقاربات سياسية عدة، فقد دخل مؤتمر مدريد من «البوابة السورية». وتذهب هذه المقاربات إلى أن قرار المشاركة لم يكن قراراً سيادياً مستقلاً بالكامل، وأن لبنان لم يمتلك وفداً تفاوضياً يعكس حصراً مصالح لبنانية صافية. ووفق هذه الرؤية، لم يكن للبنان هامش واسع للرفض أو القبول خارج إرادة دمشق، التي اعتبرته جزءاً من «ساحة تفاوضها» لا دولة مستقلة قادرة على رسم مسارها التفاوضي أو مقاربتها للصراع من زاوية وطنية لبنانية خالصة.

ومع توقيع اتفاق أوسلو (1993) بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، واتفاق وادي عربة (1994) بين الأردن وإسرائيل، اتجهت غالبية الدول العربية نحو سياسة وُصِفَت بأنها «سياسة فك الارتباط» مع القضية الفلسطينية بعناوين مختلفة مثل “غزة أولاً”..

في المقابل، بقي لبنان، تحت الاحتلال في الجنوب حتى انسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000، وتحت ما سُمّي بالوصاية السورية حتى عام 2005، وفي قلب خطاب «الممانعة» الذي بدأ يتشكّل لدى بعض الأطراف كبديل عن النظام العربي التقليدي.

هكذا، وجد لبنان نفسه خارج السياق التطبيعي العربي العام. ففي الوقت الذي اتجه فيه معظم العرب نحو التسوية، كان لبنان يُنظَر إليه على أنه يُدفَع نحو استمرار أشكال مختلفة من الصراع، أو على الأقل نحو إبقاء جبهته مفتوحة، تحت عنوان «المقاومة» هذه المرة، لا تحت عنوان العمل الفدائي الفلسطيني، كما في السابق (منذ منتصف الستينيات حتى اجتياح العام 1982).

ومع تلزيم لبنان سياسيًا لسوريا حافظ الأسد، غداة حرب الخليج الأولى، ومن ثم دخول الجيش السوري إلى قصر بعبدا والعاصمة من بواية تنفيذ اتفاق الطائف، تحوّل هذا البلد إلى مساحة تُوجَّه عبرها رسائل إقليمية بين دمشق وطهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى. وقد تجلّى في ثلاثة مستويات رئيسية:

أولاً؛ مستوى القرار العسكري والأمني في الجنوب
ترى مقاربات عدة أن قرار الحرب والسلم لم يكن لبنانياً خالصاً في كثير من الأحيان.. وأن دمشق استخدمت الورقة اللبنانية لتحسين موقعها في مفاوضات الجولان، وترسيخ دورها الإقليمي بوصفها «بوابة» أي تسوية. أما إيران، فقد دعمت – وفق هذه المقاربات – بناء قوة حزب الله لربط الجبهة اللبنانية بعمقها الإقليمي، في إطار ما يُوصَف باستراتيجية ردع ممتدة من طهران إلى البحر المتوسط. وفي المقابل، يُشار إلى أن الدولة اللبنانية بقيت، في الغالب، بعيدة عن الإدارة المباشرة للحدود والعمليات العسكرية، أو شريكة بصورة شكلية فحسب.

ثانياً؛ مستوى القرار السياسي
لم تتمكن الحكومات اللبنانية من صياغة رؤية مستقلة تماماً للصراع، وبات الكثير من القوى السياسية يُنظَر إليه على أنه أقرب إلى تنفيذ أجندات إقليمية منه إلى صياغة استراتيجية وطنية خالصة. وحين كان يُذكَر لبنان في المؤتمرات الدولية، غالباً ما كان يُدرَج ضمن «الملف السوري»، لا بوصفه ملفاً مستقلاً له أولوياته وحدوده وقراره.

ثالثاً؛ مستوى القرار الوطني
تذهب هذه المقاربات إلى أن لبنان فقد تدريجياً، وبدرجات متفاوتة، قدرته على أن يكون «دولة طرفاً» كامل الأهلية في هذا الصراع، وبات يُقدَّم في الأدبيات نفسها باعتباره «ساحة» تُدار من الخارج أكثر مما تُدار من الداخل. ومنذ انسحاب إسرائيل عام 2000، وحرب 2006 وما تلاها، تحوّل لبنان إلى أحد عناوين الصراع الإقليمي، حيث باتت تُستخدم «قضية فلسطين» منصة تعبئة في الخطاب السياسي والإعلامي، بينما يتحمّل اللبنانيون تبعات المواجهات والعقوبات والضغوط الاقتصادية والسياسية.

إقرأ على موقع 180  جدعون ليفي: رفض إسرائيل "تحرير 1500 أسير فلسطيني" سيزيد كوارثها

يقدّم هذا الجزء الثاني صورة عن لبنان في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة بوصفه ساحة محكومة بتقاطع أدوار إقليمية ودولية، ومحدودية تأثير الدولة المركزية في قرار الحرب والسلم. وفي الجزء الثالث المقبل، ينتقل النقاش من مستوى الأدوار الإقليمية إلى البنية الداخلية اللبنانية نفسها: كيف انعكس هذا المسار على الهوية الأمنية للدولة، وعلى الانقسام الطائفي والسياسي، وعلى إمكان إنتاج رؤية وطنية للصراع مع إسرائيل، وعلى الجدل الدائر حول «سلام الدولة الضعيفة» مقابل خيارات الحياد والسياسات الدفاعية الوطنية.

(*) راجع المقال الأول: فلسطين في المعادلة اللبنانية.. الالتزام وحدود القدرة

(يتبع في جزء ثالث)

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "يديعوت": هوس نتنياهو بصورة إنتصار لن يتحقق!