رأي Archives - Page 362 of 366 - 180Post

زاهي-1-1280x855.jpg

بعيداً من الهتافات البذيئة والأغنيات المسيئة، وبعيداً من محاولات أخذ الانتفاضة الشعبية اللبنانية إلى مسار آخر خدمةً لأجندات سياسية محلية وإقليمية ودولية معروفة، ولا صلة لها بحقوق اللبنانيين الذين خرجوا وثاروا لاستعادتها من سارقيها، وأيضاً بعيداً من الأفعال الغوغائية التي مارسها البعض ضد المعتصمين هنا أو هناك، أو من بعض السلوكيات  المسيئة عند حواجز قطع الطرقات. بعيداً من كل التصرفات السلبية التي ترافق غضب الشعوب في كل بلدان العالم، والتي يسلط الاعلام الضوء عليها أكثر من سواها، يمكننا التوقف عند حالة وعيٍّ لافتة للإنتباه لدى الجيل الجديد من اللبنانيين.

مَن استمع وأصغى إلى ما يقوله الشباب اللبناني، ومنهم مَن لم يتجاوز بعد العشرين من عمره، سوف يُصاب بالدهشة، لا لانعدام ثقته بالجيل الجديد، بل بفعل صورة نمطية تكرّست طوال سنوات، فحواها أنه جيل هامشي لا يبالي بشيء ولا يهتم لأوضاع بلده، أو أنه جيل يائس محبط، لا همّ له سوى الحصول على جواز سفر وتأشيرة دخول إلى هذه الدولة أو تلك من دول العالم هرباً من دولته التي ظلمته وخذلته وحطمت أحلامه بسبب سوء إدارتها على يد حفنة من اللصوص المتسترين بطوائفهم واللاعبين على الغرائز والعصبيات المذهبية والمناطقية والفئوية.

يستطيع المتابع لوقائع غضبة الشعب اللبناني وثورته على سارقيه بعد نفاد صبره الطويل، تلّمس ملامح الوعي لدى هؤلاء الشابات والشبان الذين تركوا أعمالهم وجامعاتهم ومدارسهم، أو أولئك العاطلين عن العمل أساساً، وذلك خلال ردودهم على أسئلة مراسلي وسائل الاعلام المختلفة (وبعضها كما أسلفنا لعب للأسف دوراً نافراً في أخذ الحراك إلى أمكنة خطرة وبعيدة من هموم الناس وحقوقهم)، أو من خلال الإصغاء إليهم في بعض البرامج التلفزيونية التي اضطرت لتخصيص مساحة لهم بعد أن كانت على مدى عقود منبراً حصرياً للساسة إياهم الذين ثار عليهم هؤلاء الشباب، والأهم دورهم البارز في حلقات النقاش التي تدور في خيم الاعتصامات، وتُطرَح على بساط بحثها مختلف العناوين والقضايا الشائكة التي تعني اللبنانيين عموماً والأجيال الجديدة خصوصاً.

صحيح، ثمة كثيرون لا يزالون أسرى عصبياتهم الطائفية والمناطقية والحزبية، ثمة دهماء وغوغاء تطلق الكلام على عواهنه، لكن هذا لا يتناقض مع ما ذهبنا إليه. فالخلاص من تركة الماضي الثقيلة ومن إرث الطائفية العمياء لا يتحقق بين ليلة وضحاها. المهم أن ثمة محظوراً تم تجاوزه، ومحرمات تم تخطيها. فالشباب اللبناني كسر حاجز الخوف، ونهض من حالة الخنوع والتردد، وبيّنت له الأحداث أنه قادر على إحداث فارق، وفتح فجوة في جدار التعصب والانغلاق، وملاقاة المختلفين معه أو عنه لأجل حلمه الجميل بوطن طبيعي ودولة عادلة.

كم مرة سمعنا جملة: لا نريد أن نعيش كما عاش أهلنا في الذل والهوان، أو لا نريد الوقوع مرة أخرى في الحرب الأهلية، أو نحن لم نخرج ضد جهة بعينها بل ضد الفاسدين والمفسدين أياً كانوا، فضلاً عن تشخيصهم السليم الواضح الجلي للمعضلة اللبنانية المستعصية على الحل منذ عقود، ورفضهم لمحاولات وضع ثورتهم في وجه المقاومة التي واجهت الاحتلال والإرهاب على السواء، ولا غرابة في ذلك.

لمخاطبة جيل اليوم والتحاور معه، تلزم لغة جديدة غير متكلّسة، تنفذ إلى باطن وعيه وتلامس وجدانه عِوَضَ تلك اللغة المحنطة التي دأب السياسيون على تردادها في كل مناسبة

جيل اليوم بات أكثر وعياً وإدراكاً، لأسباب كثيرة منها الانفتاح الهائل الذي وفرته التكنولوجيا الحديثة والميديا البديلة بحيث صار عارفاً ومدركاً لكل ما يدور من حوله في هذا العالم. إنه يشاهد بأمّ العين، أو بأمّ الموبايل (!) كل ما يحدث على وجه البسيطة. يرى كيف تحيا الشعوب وتدار الدول وتتقدم المجتمعات، لذا لم تعد تجدي معه المسكنات والمهدئات والوعود العرقوبية، والشعارات الفضفاضة التي يطلقها المسؤولون ولا تعدو كونها حبراً على ورق أو كلاماً في الهواء.

لمخاطبة جيل اليوم والتحاور معه، تلزم لغة جديدة غير متكلّسة، تنفذ إلى باطن وعيه وتلامس وجدانه عِوَضَ تلك اللغة المحنطة التي دأب السياسيون على تردادها في كل مناسبة، وهي لا تُسمِن ولا تغني من جوع. لغة جديدة أساسها الصدق والشفافية وعدم اللعب على الغرائز والعصبيات، أو محاولة التعمية على جوهر الأزمة التي يعيشها لبنان، وأخذ حماسة الشباب واندفاعهم إلى مطارح لا علاقة لها بوجعهم وبأحلامهم الجميلة النبيلة، بل على العكس تماماً الذهاب معهم إلى حيث أحلامهم وإشراكهم في إدارة الدولة والحكم كي يحققوا تلك الأحلام. بغير ذلك، ستبقى الهوة واسعة بينهم وبين كل مَن يحكمهم أو يخاطبهم ويسعى لجذبهم إلى ناحيته.

ولئن كان جيل الأباء قد أصيب بالإحباط والانكسار والخيبة بعد أن خاض حروباً وعاش أهوالاً، وضاعت تضحياته في أزقة الطائفية وزواريب المذهبية، وعلى مذبح الصراعات الإقليمية والدولية التي جعلت وطنه ساحة لتصفية الحسابات، فإن على الجيل الجديد، الذي لا تزال أحلامه حيةً حُرَّة نضرة، التعلّم جيداً من تجارب أسلافه، وعدم السماح لأحد بتمييع ثورته وتضييع حقوقه في متاهات المذهبية والطائفية، ولا بحرقها في أتون الصراع الإقليمي والدولي المدمر، وأن يبقى يقِظاً كي يفوِّت الفرصة على محاولي سرقة أحلامه كي لا يُصاب بما أصيب أسلافه به.

وحدة المطالب الشعبية هي الأساس الصلب الجامع لكل اللبنانيين. وبما أن البداهة تقول إن الجيل الجديد (وكل جيل) ليس كتلة صمّاء ولا جماعة واحدة متجانسة، من الطبيعي أن لكل مجموعة منه آراءً وأفكاراً وأيديولوجيات مختلفة ومتباينة، لذا تبدو وحدة المطالب (وهي أصلاً حقوق بديهية) صمام الأمان لوحدة الناس الذين هبّوا وثاروا، وضمانة استعادة الحقوق من سارقيها. أما القضايا والعناوين الخلافية الكبرى بين اللبنانيين فيمكن طرحها على بساط حوار حريص وواعٍ يكون عنصر الشباب جزء محوري منه.

بغير وحدة المطالب (الحقوق) يُخشى أن يبقى الشعب اللبناني عالقاً بين فكّي سارقي ثروته وسارقي ثورته!

WhatsApp-Image-2019-11-17-at-12.28.11.jpeg

كغيري من عشرات الاف الشباب اللبناني الكافر بالطبقة السياسية والخائب أمله بالأداء الحكومي للأحزاب اللبنانية، كان من الطبيعي أن أقف منذ اليوم الأول إلى جانب الحراك المطلبي الصادق من دون أي تردد. لا يمكنك في بلد كلبنان أن تجد نفسك إلى جانب نظام يتغذى على الطائفية ويمتص موارد البلاد ليستمر في العيش وإعادة توليد نفسه بالتوريث والإقطاعية والتأطير.

وفي بلد كلبنان، ليس مستغربًا أبدًا أن تحاول جهات محلية وخارجية ركوب موجة المطالب الشعبية المحقة. لم يكن هذا غائبًا عن بال كثيرين ممن نزلوا إلى الساحات منذ اليوم الأول. في الواقع، إنّ التدخل الخارجي هو أيضًا أحد مآسي هذا الوطن الذي لم ينجح يومًا في تقديم “هوية” جامعة لأبنائه والإجابة على هواجسهم، وتوفير انتماء يضع حدًا لبحثهم الدائم عن مدد من وراء البحار والحدود.

وكمواطن من جنوب لبنان دمرت إسرائيل منزله مرتين، واستجوبته عدة مرات حين كان فتًى ينتظر أيامًا أمام حاجزي الذلّ في “باتر” و”بيت ياحون” ليعبر مع أهله إلى قريته الحدودية، فإنّ موقفي من عدوانية إسرائيل لا ينبع من خلفية عقائدية أو سياسية، بل هو ببساطة قضية حقوق إنسان يرفض المهانة والإستكبار وإعتباره بشرًا من الفئة الدنيا.

وبالحديث عن الهوية والإنتماء، قُيّض لي قبل سنوات أن أعود إلى المقاعد الجامعية لدراسة التاريخ، باعتبار أن فهم الماضي يتيح للعقل البشري استشراف المستقبل وأخذ العِبَر من سنن التاريخ وقواعده.

وأذكر أنه في الدرس الأول في مادة “الحضارة الفينيقية”، أخبرنا الأستاذ أن ملك “بيبلوس” (مدينة “جبيل”) أرسل رسالة إلى فرعون مصر عارضًا عليه “رشوة” من خشب الأرز والسنديان، مقابل أن يقود حاكم مصر حملة عسكرية لتأديب ملك “أحيرام” (مدينة “صور”). من يقرأ تاريخ الفينيقيين يُدرك أنهم لم يكونوا يومًا قلبًا واحدًا، ولم يتفقوا على أمر جامع، وكانوا يستمدون دائمًا العون من الخارج على الداخل، في حين كانت الهجرة بالغ آمالهم.

إدارة مكافحة الفساد تتطلب في لبنان إدارة للشارع، قبل كل شيء، ودراية سياسية وأمنية

وبالعودة إلى أيامنا، فقد كنت، حتى اليوم الخامس من الحراك الشعبي، منخرطًا بالكامل مع المطالب الشعبية التي لا يمكن لعاقل أن يعارضها أو يرفضها، لكن ثلاثة تحولات دفعتني إلى التريّث:

– تصدّي شخصيات إعلامية وناشطين لا أثق بحياديتهم للتحدث باسم الحراك، من دون أن يعني ذلك التشكيك أبدًا بمصداقية الفئات الشعبية الصادقة والمتضررة من الفساد، ولكن المشهد يتحول يومًا بعد يوم إلى “بوسطة” غير معلوم من يقودها، بل قد يقرر أفراد – لا أثق بكفاءاتهم وأشكّ في نزاهتهم – التأثير في مسارها، بحسب ما رأيت بأم العين.

– الإطلاع على “مبادرات” لتنظيم “الثورة” لا يمكن أن تصدر عن فرد أو إثنين، أو حتى جماعة لبنانية واحدة. ولست أتحدث هنا بمنطق أولئك الذين يشككّون بسذاجة بشعار “القبضة” أو يتناقلون أخبارًا زائفة عبر شبكات التواصل و”واتسآب” لتشويه الحراك وشيطنته، بل أنا أتحدث من منظور مهني خالص عارف بالجهد والوقت والموارد اللازمة لإطلاق مثل تلك “المبادرات” التي توقفت عندها. علمًا أني سأترك التفصيل في هذه النقطة إلى وقت لاحق، كون فعل البحث عن الحقيقة في بيئة متوترة يبدو ضربًا من الجنون الذي لا يفضي إلى أي نتيجة، وعلينا إنتظار مرور الوقت وهدوء الأنفس والعقول قبل التصريح عما بجعبتنا أحيانًا.

– بدء صدور المواقف الدولية، من هنا وهناك، حول حراك الشعب اللبناني، وعدم قدرة المحتجين الصادقين على التعامل بطبيعة الحال مع هذه المواقف بالشكل الصحيح كونهم ببساطة لا يمتلكون رؤية متكاملة تجيب على الهواجس “السياسية” لدى شريحة واسعة من اللبنانيين ممن يحملون مطالبهم نفسها ويعانون أضرار الفساد وتبعاته، ولكنهم معبئون سياسيًا ولهم قناعاتهم التي لا يمكن اختزالها أو تجاهلها.

ولأن “النظام” بمعنى System وOrder هو حاجة طبيعية كالغذاء لتحقيق الأمان، تصير مكافحة الفساد، في بلد هشّ التركيبة، حقًا يحتاج إلى قوة سياسية ليصبح قابلا للتنفيذ. ولعلّ هذه المسألة هي “مربط الخيل” في معظم النقاشات التي انخرط فيها أكاديميون وإعلاميون وصحافيون وشخصيات محترمة ورصينة في معرض لومهم حزب الله لعدم ملئه الفراغ في الشارع إلى جانب المتظاهرين المحقين، وإغتنام الفرصة لـ”قطف” فرصة مكافحة الفساد.

من المفارقات أن الجواب على هذه المسألة – المعضلة من السذاجة بمكان أنه يبدو غير قابل للتصديق للوهلة الأولى: تخيلوا لو تعرضت سيدة واحدة محجبة في أيام الحراك لإهانة من “مندس” أو لإعتداء من “دخيل” او لـ”خطأ” في التعامل من عنصر أمني رسمي؟ من كان بمقدوره عندها أن يضبط الشارع في لبنان؟ من يُقنع عندها بيئة مستنفرة بالكامل وشديدة الحذر وتشعر بالإستهداف صباحًا ومساء (بغض النظر عن أي نقاش في صحة ودقة الإستهداف) بأن ما يجري ليس مقدمة لحرب عليها؟

أقول أن الإجابة شديدة السذاجة لأن الناس لا تلتفت عادة إلى الإحتمالات البسيطة عند تحليلها الأحداث، كما أن العقل البشري يقع في فخ “تحليل الأحداث” عندما يتعرض للدفق الإخباري ويظنّ ذلك “تحليل سيناريوهات”.. وشتّان ما بين الإثنين.

هل يعني هذا المنطق الانسحاب من الشارع والكف عن المطالب الشعبية؟ الجواب بوضوح: كلا. لكن إدارة مكافحة الفساد تتطلب في لبنان إدارة للشارع، قبل كل شيء، ودراية سياسية وأمنية.

قد لا ينال كلامي هذا قبول الكثيرين، لكني أنصح من يعارضني الرأي أن يقرأ مقالتي هذه بعد أن يتأكد أن ذهنه غير منجرف مع تيار العاطفة، وأن من يفكر هو عقله لا حماسته.

(*) اللوحة المرفقة بريشة الفنانة اللبنانية Elodie Sonbol

IMG-20191105-WA0050.jpg

إنّ إحدى أصعب المسائل في الساحة اللبنانية، في لحظة الحراك الشعبي المستمرة منذ أكثر من شهر، هي أحجية مواقف حزب الله. فالحزب لا يعرف أنّ رصيده كبيرٌ، حتّى في الأوساط المعروفة بمعارضتها لسلاحه. المسألة ليست عاطفية، إنما هي قياسات مصالح. فالمواطن اللبناني غير منزعج من سلاح حزب الله الذي يدافع عن لبنان، إذ أنّه أثبت نجاحه، وتمكّن من ردع النزق العدواني الإسرائيلي على الوطن.

IMG-20191031-WA0065.jpg

علينا أن نتذكّر أن الأزمة الاقتصادية اللبنانية ومعها مشكلة الدولار كانت قد وصلت إلى أوجها في منتصف شهر تشرين الأول/أكتوبر، وأنّ الثورة انفجرت بعد أن أطلقت شرارتها السلطةُ نفسُها، بتماديها في غبائها السياسي ومحاولتها الإمعان في الإحتيال على الشعب بالمزيد من الضرائب.

الطائفية-1280x1015.jpg

ليس السؤال لماذا يثور الشباب العربي اليوم، وانما لماذا تأخرت ثورته حتى الآن؟ كل شيء في هذا الوطن العربي الكبير يثير الغضب والنقمة ويحث على التمرّد والثورة: الفقر، البطالة، الأمية، الفساد، انعدام الأفق، وأبواب مخلّعة تدخل منها كل رياح الفتن في مجتمعات مفكّكة أخضعها القمع المتلطّي خلف أوهام ايديولوجية، ونهشها التهييج الطائفي والمذهبي، فقُتلت فيها كل المشاريع التنويرية وماتت الأحزاب فوق شعارات جوفاء. لكن هل كل ما يحدث بريء؟

كاريكاتور-ناجي-العلي-49-1280x864.jpg

يعكس اعلان المسؤول السابق في وزارة الخارجية الاميركية جيفري فيلتمان ومسؤولين أميركيين آخرين في الآونة الأخيرة، عن رغبة معلنة في إستهداف حزب الله عبر تظاهرات لبنان وعدم السماح لإيران وروسيا والصين بالاستفراد بالمنطقة، لكن الحقيقة أكثر خطورة، تتمثل في استكمال تنفيذ ما بقي من صفقة القرن، ومنع محور المقاومة من الإفادة من الخيرات الواعدة، واستغلال التظاهرات لتصفية حسابات دولية بدم العرب.

DSC_9101-1280x1650.jpg

 ليست أول مرة ترفع صوتها وتهتف وتقود مظاهرة وتعبر عن رأيها السياسي التام والواضح. كما أنها ليست أول مرة تركل السلطة في صدرها.

اكثر من ذلك، فإن الفعل السياسي الوحيد في لبنان في السنوات الأخيرة حرّكته نساء يدافعن عن حقوق المرأة ضد العنف القاتل وبالحضانة وباعطاء أبنائها جنسيتها. وقد تحدين في سبيل هذه القضايا خليطا من سلطات كثيرة متداخلة قائمة، دينية وطائفية وسياسية واجتماعية وعنصرية. وهو خليط اتفق أعضاء نادي السلطة اللبناني في أعرافهم خلسة على عدم تحديها مذ قام البلد نفسه.

تحدين النظام برمته، برؤوسه المتعددة، زعامات كانت أو رجال دين أو تابوهات ومحرمات. وفي نزولهن إلى الشارع في مواجهة  كل موروثات الذكورة، لم يأبهن بعدد ولم يهبن ولم يهادن في مطالبهن، واستخدمن الوضوح والسخرية في الهجوم على السلطات. كانت تحركاتهن بلا قائدة أو قائد، تامة الديموقراطية، وتامة الانفتاح على التنوع، شكلاً ومضموناً.

كان الصوت عالياً حينها وكان المطلب وما زال محقاً. وقصدن ذلك أم لا، صنعن نموذجا لما ينبغي أن تكون عليه الحركة المطلبية، كما رسخن صورة للمرأة العادية، وليست الأيقونة، التي تعرف بديهيات حقوقها والتي تتعرض لما تتعرض له النساء حول الكوكب، بدرجات تختلف بحسب تخلف قوانين البلاد أو تقدمها، وتصلّب المجتمعات أو تحررها.

المرأة العادية أو التي تريد أن تكون عادية. التي لا يسائلها معتوهون في أخلاقها كلما شعروا بتهديد في حجم رجولتهم نتيجة نقاش. التي ليست مضطرة لأن تبرر ماذا ترتدي وماذا تقول ومع من تنام لأنها صحافية تسأل سياسياً أو نائبة تعارض حزباً. العادية التي إذا شاركت في تظاهرة لا يقف أحد عند جمالها أو عكسه، رقتها أو شراستها، خجلها أو وقاحتها، حجابها أو عدمه. أخلاقها أو قلة أخلاقها. العادية التي ليست من شأن أحد قط، بل من شأن نفسها فقط.

لم تولد المرأة في لبنان في 17 تشرين.

هي موجودة منذ ما شاء الله بالطبع. فاعلة في الجامعات والوظائف العامة والخاصة وفي المنظمات الحقوقية والأحزاب والإعلام وحتى في الطوائف. وهي مشاركة أبدية في تظاهرات لبنان “العظمى” التي لم ترق واحدة منها لتصير ثورة، كما هذه الثورة التي يشهدها لبنان الآن.

الثقة بالنفس هي ما اكتشفه لبنانيو ولبنانيات الساحات في الأيام الماضية. الثقة العارمة هذه هي التي أذهلت المكبوتين وهم يرون النساء يشتمن ويركلن ويسحلن في الطرق، ويتقدمن المسيرات ويحطمن الأصنام على أنواعها

كلّ ما في الأمر أن الأفراد هم الذين نزلوا إلى الشارع هذه المرة. نزلوا بدون خطاب مبرمج مسبقاً، معممٍ عليهم. نزلوا بدون خط زمني للتحرك ينتهي بمسك ختام قائد صارخٍ، كلّ همه تجيير الرقم الذي يقبع أسفل أنفه متطلعاً إلى نوره… ونور القادة اللبنانيين بخاصة ساطع دائماً، يمحي أول ما يمحي، ملامح وجوه جماهيره، ويوحّد صوتها خلفه، خلف عباراته وخلف ما يزيده منها.

17 تشرين هي ثورة الفردية على الجماعات. ولأنها كذلك، ولأن المُطالب بحقه في الشارع يعرف هذه المرة أنه ليس رقماً مضافاً في عداد القطيع، أعطت هذه الثورة الثقة لكل واحد بالصوت الخاص به وحده، بالرأي الذي يجب ألا يعجب الآخرين، كل الآخرين، وهذا سبب كاف لإعلانه وليس لإخفائه. الثقة بالنفس هي ما اكتشفه لبنانيو ولبنانيات الساحات في الأيام الماضية. الثقة العارمة هذه هي التي أذهلت المكبوتين، وهم يرون النساء يشتمن ويركلن ويسحلن في الطرق، ويتقدمن المسيرات ويحطمن الأصنام على أنواعها، وفي أولها تلك المحفوظة بعناية في الرؤوس، تنوء تحتها أجسام حامليها لثقلها وتورمها.

لم تحطم اللبنانية في 17 تشرين صورتها كجميلة صامتة. من يؤمن بخرافة كهذه، كمن يؤمن بأن الأرض مسطحة، لا سبب لإهدار الوقت في نقاشه. لم تحطم أيضاً صورتها كندٍ للرجل يمكنها أن تفعل ما يفعل. هي ليست نداً له، ولا أقل منه ولا أكثر. مثلها مثله. كلاهما يطالب بجامعة لبنانية أفضل، بوظيفة بناءً على كفاءة، بقوانين عصرية، بسياسيين بلا فساد، بسياسيين من لحم ودم وليس أنصاف آلهة. كلاهما يطالب ببلدٍ عاديٍ. كلاهما يُحبُ بلده وكلاهما حين ينزلُ إلى الشارع لمطلبٍ لا يعود الفارق الجندري واضحاً أو مهماً ما دام المطلب محقاً.

لم تبرهن المرأة اللبنانية شيئاً مذ شاركت في 17 تشرين ولم تشارك لتبرهن. قامت بواجبها العادي. ومع ذلك، فإن صوت الشارع اللبناني يبدو صوتاً أنثوياً فاقعاً هذه المرة. صوت أنثوي ثاقب بنقائه ووضوحه وذكائه وحريته وحسُ سخريته. من هذا الصوت بالتحديد، تخاف طبقة برمتها من ذكور السلطة الذين حتى إذا لجأوا إلى الشتيمة كأدنى ما يستطيعون الوصول إليه حين يُحشرون، سيواجَهون بشتيمةٍ أعلى.. وأحلى.

أنثويٌ فاقعٌ صوتُ الثورة، وعليه، فإن بياناً جديداً ومختلفاً وفيه الكثير من نون النسوة، قد حُرر هذه المرة.

DSC_9057-1280x804.jpg

جسدت انتفاضة 17 تشرين الاول/أكتوبر، منذ اليوم الأول لانطلاقتها، شرارة تغيير تاريخي عنوانه: كابوس الديناصورات الطائفية والسياسية يمكن ازاحته، والتغيير حلم رائع يمكن تحقيقه بالصبر والارادة والعزم والابداع والإستمرار.

DSC_8875-1280x1000.jpg

بغض النظر عن البحث الدستوري والقانوني في شرعية انعقاد جلسة تشريعية للمجلس النيابي اليوم في ظل حكومة مستقيلة، وبغض النظر عن التفسيرات المتعددة التي تُعطى للفقرة 3 من المادة 69 من الدستور اللبناني والتي تنص على ما حرفيته:

“عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة يصبح مجلس النواب حكماً في دورة انعقاد إستثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة”،

إلا أن الواقع المستجد بعد السابع عشر من تشرين الاول/أكتوبر 2019 يؤكد للبنانيين بأن أحد أهم أسباب اهتراء الدولة والنظرة المريبة من الشارع حيالها تكمن في عدم تطبيق القوانين من قبل السلطة التنفيذية، وليس باقرارها ولو حاول بعض الساسة وخصوصاً النواب اعضاء الكتل الكبرى والحزبية القفز فوق هذا الواقع المرير والمريب، وهو واقع يعطي صورة تبيّن عدم إحترام المؤسسات للدستور، فكيف بقوانين تقرها سلطة تشريعية وتمتنع سلطة تنفيذية عن وضعها موضوع التنفيذ؟

يطرح هذا الواقع السؤال حول وجود قوانين تلزم المواطن بإحترام القوانين، بينما لا توجد قوانين تلزم وزيرا أو حكومة بتطبيق القوانين وبالتالي محاسبتهم  بسبب إخلالهم بمندرجات الوظيفة التي نالوا ثقة مجلس النواب على أساسها.

والسؤال موجه أيضاً إلى أعضاء المجلس النيابي الذين لم يحركوا ساكناً إزاء ظاهرة عدم تنفيذ القوانين من قبل الحكومات المتعاقبة، علما أنه توجد في المجلس النيابي لجنة لمتابعة تطبيق القوانين برئاسة النائب ياسين جابر الا ان الرأي العام لا يملك أرقاماً دقيقةً  للقوانين غير المطبقة والتي يحتاج بعضها فقط إلى مراسيم تطبيقية لكي تصبح نافذة، فبعض النواب يقول ان عدد القوانين غير المطبقة هو 39 وآخرون يقولون 43 قانوناً الى ان يستقر الرقم عند البعض على 52 قانونا.

والقوانين غير المطبقة مهمة على الصعيد المالي والاقتصادي وفي حال تطبيقها ينتظم عمل المؤسسات وتشكل دفعاً عملياً لقطاعات منتجة ومهمة نذكر منها على سبيل المثال:

  • القانون 462/2002: قطاع الكهرباء.
  • القانون 431/2002: قطاع الاتصالات.
  • القانون 481/2002: ادارة الطيران المدني.
  • القانون 49/2017: تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
  • القانون رقم 83/2018: حماية كاشفي الفساد.

ان تنفيذ هذه القوانين مطلب شعبي يحقق بعض تطلعات الثورة. أما النواب الذين يتحججون بالدستور لتمرير بعض مشاريع القوانين الحكومية، فإننا نذكرهم بان المادة 65 من الدستور تؤكد أنه من أبرز مهمات الحكومة “السهر على تطبيق القوانين”، لا رميها في الجوارير وعدم تطبيقها. وبالتالي كان من واجب هؤلاء النواب مساءلة ومحاسبة ومعاقبة الوزراء الذين لم ينفذوا القوانين السارية المفعول بدل خلق اشكالية سياسية ودستورية كنا بغنى عنها.

(*) ناشط سياسي وقانوني لبناني