الحرب الأهلية Archives - 180Post

abbas.jpg

لم يكن 13 نيسان/أبريل 1975 يوماً مفاجئاً لي. عندما غادرت منزلي في شارع أسعد الأسعد في الشياح، كعادتي كل صباح، متوجهاً إلى "السفير" في نزلة السارولا في الحمرا، كنت أرى في الشوارع والأزقة والأحياء الضيقة وجوهاً كئيبة وقلقة، فالناس تركض إلى يومياتها من خبز ومأكل ومشرب وملبس، وما لم يكن مُنتظراً أن يكون هذا تاريخ بداية حربنا الأهلية التي إندلعت شرارتها الأولى من شارع قريب من منزلي في عين الرمانة.

6a62be89cd463d31f34a3235790d06ca.jpg

نحن في لبنان. هذا ليس انتماء. من حقنا أن نغضب، ولكننا لم نفعل. من حقنا أن نرفع قبضاتنا. لم نفعل. من حقنا ان نرتكب العنف. لم نفعل. من حقنا ان نعيش. قبلنا بالفتات. من حقنا ان نرفض الظلم. فتدربنا على اليأس. من حقنا ان نكون فقط. فضلنا الغياب والحسرة. من حقنا ان نقول هذا وطننا. عبث. بعناه للطوائف. من حقنا ان ننجو من الهاوية. نحن فيها نُقلّد المتسولين، خبزاً وتشرداً ودموعاً يابسة.

0e46b149-74d2-4fe0-ade4-3302b88ef6a7.jpg

إقرَأ لمحمود درويش ما يلي في مديح الحروب وهجاء الكلمات: "لا تكتب التاريخ شعراً، فالسلاح هو المؤرخ. والمؤرخ لا يُصاب برعشة الحمَّى إذا سمى ضحاياه ولا يُصْغي إلى سرديّة الجيتار... التاريخ يوميات أسلحة مدونَّة على أجسادنا. إن الذكي العبقري هو القوي. هل التاريخ لم يولد كما شئنا، لأن الكائن البشري لم يوجد"؟.

31-oct-2009-027-1280x862.jpg

بعيد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، طغت على اليوميات اللبنانية، مفردتا "سالكة" و"آمنة"، حيث كان اللبنانيون ينتظرون كل صباح ما كانت تبثه إذاعة بيروت عن أحوال الأمن والطرقات، فإذا كان القناصون يعتلون الأبنية ويقنصون عابري السبيل، يقبع الناس في بيوتهم، ولو غاب القناصون عن "أعمالهم" فمعنى ذلك أن الناس آمنون، فيسلكون الطريق التي يشاؤونها في طريقهم إلى مصادر أرزاقهم.

IMG-1-1.jpg

أكتب هذه السطور قبل أن يقول فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية كلمته وفيها خطته. اكتبها وفي مقدمتها أسجل عشمي أن لا تذهب هباء لحظة تاريخية، لحظة التقاء رئيس فرنسا بالسيدة فيروز. أسجل عشمي لخشيتي من أن لا يجود الزمان بمؤرخين يقدرون فيروز وحب الناس لها وحبها لهم وللوطن فلا يحظى اللقاء بما يستحق من مساحة وتمجيد بينما تحظى اجتماعات ماكرون بالسياسيين بما لا تستحق. التقى ماكرون بالسيدة التي غنت للبنان فازداد غنى على غنى، غنت فكان الشمل يلتئم حباً ووئاماً متحدياً الاغتيالات والسيارات المتفجرة ولؤم النهابين والفاسدين.

gettyimages-520860186-2048x2048-1-1280x853.jpg

التهافت على شراء الشموع، أصوات المولدات الكهربائية الصادحة ليلاً، تخزين الطعام كالمعلبات والحبوب، الوقوف بالطوابير أمام الأفران، تصدُّر سعر الصرف أخبارنا اليومية... هذه الصور من صيف 2020، لكنها تأخذنا عبر الزمن الى ثمانينيات القرن الماضي. صورٌ لا نعود معها فقط الى نمط حياة لم يختبره جيل ما بعد الطائف، ولا نستعيد معها القلق من فقدان اساسيات الحياة وحسب، بل نعود معها أيضاً للممارسة السياسية العبثية والعقيمة نفسها لا بل إلى الإختلال عينه.