ذهب الاستقطاب ضمن المجتمع السوري، بعد الأحداث الأخيرة، إلى مستويات غير مسبوقة. وحلّت المخاوف والتجاذبات الحادّة مكان مناخ التفاؤل العام الذي ساد المجتمع إبان سقوط حكم بشار الأسد بسرعةٍ فائقة ودون إراقة ملحوظة للدماء.
ذهب الاستقطاب ضمن المجتمع السوري، بعد الأحداث الأخيرة، إلى مستويات غير مسبوقة. وحلّت المخاوف والتجاذبات الحادّة مكان مناخ التفاؤل العام الذي ساد المجتمع إبان سقوط حكم بشار الأسد بسرعةٍ فائقة ودون إراقة ملحوظة للدماء.
منذ عقود، شكّل سجن صيدنايا رمزاً للرعب في ذاكرة السوريين. هذا المكان لم يكن مجرد معتقل، بل مصنعاً للمعاناة الإنسانية؛ مُورست فيه أبشع صنوف التعذيب النفسي والجسدي بحق المعتقلين السياسيين، المعارضين، وحتى الأبرياء الذين قادتهم الصدفة إلى هذا الجحيم إذ كشفت تقارير المنظمات الحقوقية بعضاً مما جرى خلف جدرانه، لكن الحقيقة الكاملة ما تزال مدفونة في الظلال.
السوريّون محكومون بالأمل. معاناتهم المعيشيّة، والعقوبات التي فرضت عليهم منذ أربعة عشر عاماً، وصراعات الآخرين على بلادهم وشرذمتها، والانفلات الأمنيّ، وكبح الحريّات العامّة والخاصّة، والنزوح والتهجير؛ أمورٌ ستعرف نهايتها جميعها قريباً وإن تدريجيّاً. الأمل كبيرٌ، بل كبيرٌ جدّاً، قياساً بالمعاناة التي عاشوها طويلاً.
دخل مصطلح الأغلبية الصامتة للمرة الأولى في الخطاب السياسي، في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون الذي استخدمه في خطابه الداعم للحرب الأميركية على فيتنام، متذرعاً حينها بأن الأغلبية الصامتة التي لم تتظاهر ضده هي مؤيدة في قرارة نفسها لهذه الحرب، قبل أن يثبت الواقع عكس ذلك وتنقلب عليه وعلى حربه هذه.
حدث انقلاب 8 آذار/مارس 1963 في سوريا باسم إعادة الوحدة بينها وبين مصر. تلك الوحدة التي لم تجرؤ حكومات "الانفصال" المتعاقبة عن إلغاء قراراتها "الاشتراكية" لما كان لها من دعمٍ شعبيّ. لكنّ البعثيّين سرعان ما أطاحوا بشركائهم الناصريّين، ثمّ انقسموا على أسسٍ مناطقيّة و"طبقيّة" ليطردوا عام 1965 جميع الكوادر المدينيّة من الوظيفة العامّة. أولئك الذين قامت الدولة السورية بعد الاستقلال عليهم، إلى حدٍّ كبير، بفضل التزامهم بالمصلحة العامّة ونشر التعليم والكهرباء.
للوطن لغته التي قد تبدأ بالقاموس والقواعد، ولكنها لا تكتمل إلا بالتمكن من التعبير عن الوجدان، أي بامتلاك لغة القلب، حسب تعبير المنفلوطي، حيث يتجلى الوعي الحقيقي المكتسب عبر آلاف السنين. وهذا الوعي يقتضي منا الآن، وقبل تفصيل الكلام عن الحصار، التنبيه إلى الموت الزؤام الذي يتربص بالبلد، من جرّاء الفتك العشوائي بالمواطنين وبخاصة العلويين منّا، خارج كل شرعية وفي ظلّ غياب السلطة القضائية.
لم يكن المشهد عاديّا، يوم الأحد الماضي. كُنّا أمام لحظة عاطفية في وداع رجل تصدّر قيادة حزب االله لأكثر من ثلاثين عاماً حيث كان عنوانه الأساس مقاومة الاحتلال الإسرائيلي قبل أن يتشعّب ويتوسّع الدور إلى حد الإنخراط في الصراعات العربية الداخلية.
في لبنان ثمة حقيقة أثبتتها التجارب: لا يمكن لأي فريق أو طائفة إلغاء فريق أو طائفة أخرى سياسياً. هذه مسلّمةٌ لم تكرّسها فقط التجارب والتسويات والاتفاقيات الداخلية والخارجية، بل تكرّست، وبشكل مؤسف في محطات عدة، من خلال أحداث أمنية وقعت في فخّها معظم المجموعات والأحزاب السياسية، وكادت أن تغرق البلد في كثير من الأحيان في دوّامة جديدة من الحروب الأهلية المتنقّلة، وذلك كلّما توهّم فريق بأنه يستطيع فرض أجندته السياسية على الآخرين، أحزاباً أم مكونات طائفية.
يُحسب لهيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع أنها ملأت الفراغ الذي تركه النظام البائد، حين انهار بدون مقاومة منخوراً من الداخل، فحقنت دماء المواطنين المهدورة بالمجان على مدى أكثر من عقد.
ثمة عوامل عديدة، داخلية وخارجية، ساهمت في تغيير النظام السياسي في سوريا، إلا أن الأهم بينها هو الدور التركي، وما حقّقه الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، من "نصر موعود" في قلب دمشق، وإطباقه عبر "رجالاته" على السلطة هناك. هذا النجاح ليس وليد صدفة ولا نتاج مؤامرة ما، بل هو تعبير عن تاريخ طويل من المصالح والعلاقات المتشابكة والمعقدة بين أنقرة ودمشق.