اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذى دخل حيز التنفيذ الأربعاء الماضى يفترض أن يؤدى إلى انسحاب كلى للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بشكل تدريجى فى فترة أقصاها 60 يومًا من تاريخه.
اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذى دخل حيز التنفيذ الأربعاء الماضى يفترض أن يؤدى إلى انسحاب كلى للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بشكل تدريجى فى فترة أقصاها 60 يومًا من تاريخه.
ماذا غداً؟ لا شيء أبداً. إنه ماضٍ لا يمضي. إنما، أُفاجأ كل يوم بمزيد من القتل. أتساءل ولا أجد أجوبة. ليتني أعرف الطريق إلى الاستسلام، أو ليتني أعلن بصوت عال: "أنا خائف فقط من الجنون". جنون الحروب، تمارين على الإبادة. إتقان التسلح. امتهان التعصب إلى درجة الهمجية. فقدان الإنسانية عند من يدّعي أنه إنسان. تلاسن الأديان بمقذوفات قاتلة. توظيف "الله" بالعنف، واتهامه بما لا يوصف من البراءات والفضائل المنعدمة.
مع سريان قرار وقف العمليات الحربية بين لبنان وإسرائيل، تدفق أبناء الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية صوب أحيائهم ومدنهم وقراهم وبلداتهم المدمرة، بشكل عفوي وعارم ما أدهش العالم من جهة وأقلق إسرائيل بما في ذلك جمهور المستوطنين في شمال فلسطين المحتلة من جهة ثانية.
كلُ ما سأكتبه الآن، أكتبه للغد. أكتبه بالدرجة الأولى لفلذات كبدي، سارة وكيندة وعلي، لو قُدّر لهم البقاء، إذ مرّ حين من الوقت - بعد أن سجّلت موقفي من الأحداث - قلّ فيه اقتناعي بجدوى الكتابة في ظلّ ما يقرّره أهل الميدان والقرار، وما يكتبون مشهده ويتركون أثره في عقول ونفوس المراقبين. لكن، للزّمن حقّه، وللنّاس سرديّاتهم الذّاتية، ولي واجب استكمال موقفي ورؤيتي، وحقّ على الأولاد أن يعرفونها تمام المعرفة، تماماً كما حقّهم بالمغايرة في الرأي بعد سعيٍ منهم للمزيد من المعرفة والاطلاع والتّحقّق.
لمرتين متتاليتين أعلنت الحقائق نفسها مجددًا فى الحرب على غزة، طبيعتها وأطرافها المتورطة فى أبشع الجرائم الإنسانية وأكثرها تنكيلًا بأى معنى سياسى وأخلاقى.
من مفارقات التحولات الإجتماعية الكبرى أنها تظهر إلى الوجود بشكل فجائي وكأنها خلقٌ من عدم، إذ تنفجر لأسبابٍ لا تتناسب مع عظم حجمها. فهل يعقل أن حدثاً بوزن الحرب العالمية الأولى التي راح ضحيتها أكثر من عشرين مليوناً من البشر وانهارت فيها دولاً وإمبراطوريات يكون مكافئاً لإقدام طالب صربي على اغتيال ولي عهد النمسا! هل اغتيال بعض سفراء جنكيز خان من قبل الدولة الخوارزمية مكافئاً لإجتياح المغول للعالم الإسلامي من شرقه لغربه طوال عقود لاحقة فقدت فيها الأرض قرابة 10% من سكانها أو يزيد!
في تطور بالغ الأهمية، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية قرارًا بالقبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم إنسانية في سياق الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ ثلاثة عشر شهراً ونيف.
تميّز الأسبوع المنصرم بتصعيد عسكري أمريكي كبير على جبهتين عالميتين، جبهة الشرق الأوسط التي تُمثّل "إسرائيل" أداتها التنفيذية المباشرة ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني، وجبهة أوكرانيا التي يُمثّل رئيسها فلوديمير زيلينسكي الأداة التنفيذية للحرب الأمريكية الأطلسية ضد روسيا.
أن لا تُصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، هو ما سيكون مستغرباً في ضوء التهم الموجهة إليهما بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فضلاً عن استخدام التجويع كسلاح حرب "وغيرها من الأفعال غير الإنسانية".
لعل اللامبالاة من أقبح صفات البشر؛ هي حالةٌ يقبع بموجبها المرء في حالة وسيطة بين الخير والشر، بين النور والظلمة. حالة قبيحة من تخدير الضمير أمام المآسي المحيطة، بحيث يعجز فيها الإنسان عن تفعيل إنسانيته، فيحيا كأن لا أهوال حوله، ولا معاناة تستصرخ ضميره، ويشغله (أي ضميره) بطبق لذيذ رائحته تشبه رائحة المحروقين أحياء في خيام قريبة وكأس من نبيذ لونه بلون دماء الأطفال من جيرانه.