سُلطان عمان الجديد يغيّر في الداخل إقتصادياً وينأى ببلده إقليمياً

فاجأ سلطان عمان الراحل قابوس بن سعيد قادة الدول الخليجية باختياره هيثم بن طارق بن تيمور آل سعيد وريثاً له على رأس السلطنة. معظم الترشيحات الخليجية والدولية كانت ترى في أسعد بن طارق وريثاً لعرش السلطنة بعد قابوس، ان لم يكن باتفاق مجلس العائلة، فبوصية السلطان الراحل.

لماذا كان أسعد بن طارق الإسم الأكثر ترجيحاً؟

لأن أسعد بن طارق كان الممثل الشخصي للسلطان قابوس منذ العام 2003 في معظم المؤتمرات والمناسبات الخليجية والعربية والدولية، وآخرها مؤتمرا القمتين الخليجية والعربية الطارئين اللذين دعت اليهما السعودية في نهاية شهر ايار/مايو العام الماضي. كذلك قام برعاية عدة نشاطات دخلية في السلطنة، في السنوات الأخيرة، ما جعله يبدو، بنظر كثيرين، “السلطان القادم”.

والاهم من ذلك، أن أسعد بن طارق أقام علاقة شخصية “ودية” مع العديد من قادة دول الخليج العربية (لا سيما ولي عهد السعودية الامير محمد بن سلمان وولي عهد ابو ظبي الشيخ محمد بن زايد) وذلك من خلال تمثيله السلطان قابوس في مناسبات خليجية غير سياسية. وثمة إعتقاد ان أسعد بن طارق دفع ثمن تواصله السياسي وغير السياسي مع الخليجيين، وربما يكون ذلك من بين الاسباب التي جعلت السلطان يبعده عن العرش، وما يشير إلى ذلك أن السلطان قابوس ارسل نائب رئيس وزرائه للشؤون القانونية فهد بن محمود لتمثيله في قمة الرياض الخليجية قبل اكثر من شهر، ولم يرسل أسعد بن طارق.

ومن المعروف ان علاقات سلطنة عمان مع دولة الامارات (لا سيما مع امارة ابوظبي) لم تكن ودية، بل يمكن القول إنها كانت متوترة في السنوات الاخيرة، ولا سيما بعد مرض السلطان، إذ كان هناك شعور في مسقط أن قادة إمارة ابو ظبي يستعجلون وفاة السلطان قابوس الذي كانت العاصمة الاماراتية لا تشعر بود تجاهه لاسباب تاريخية.

يذكر أن المؤسسة العسكرية في السلطنة (والتي تدين بالولاء الكامل للسلطان قابوس الذي انشأها ورعاها وكان قائدها) هي إحدى اكثر الجهات في عمان التي لا تكن الود السياسي لدولة الامارات.

ومن يدقق في أحوال السلطنة، يدرك أن العسكر العماني، هو الاقرب الى السلطان قابوس، فوزير البلاط السلطاني – وهو الرجل الاقرب الى السلطان والاكثر نفوذا لانه ينقل للاخرين قرارات السلطان – جرت العادة ان يكون من كبار قادة الجيش، رتبة ومرتبة، وهو نائب رئيس المجلس العسكري الذي يراسه السلطان، وهذا المجلس هو الذي أشرف على نقل السلطة الى السلطان الجديد هيثم بن طارق، بناء على ما جاء في وصية السلطان قابوس.

 وتولى مجلس الدفاع مهمة الاعلان عن الوصية (بحضور رئيسي مجلس الدولة والشورى ورئيس المحكمة العليا واعضاء مجلس العائلة) غداة يوم الاعلان عن وفاة السلطان، وبعد طلب مجلس العائلة من مجلس الدفاع فتح وصية السلطان الراحل لانهم اتفقوا على تنفيذ ما ياتي في وصيته حرفياً.

والسؤال المطروح، لماذا ارتأى السلطان قابوس ان من الافضل تعيين ابن عمه هيثم بن طارق بدلا من أسعد – وهو اخ غير شقيق للسلطان الجديد – برغم ان الأخير خريج كلية ساند هيرست العسكرية في بريطانيا وشغل لفترة منصب قائد القوات البرية؟

واذا كان البعض يرى ان الهدوء الذي تتميز به شخصية هيثم والذي يماثل هدوء شخصية السلطان قابوس، هو الذي جعله الاقرب الى السلطان المعروف بهدوء طباعه، الا ان الأرجح أن رغبة السلطان الراحل باحداث تغيير بعد مماته هو السبب الرئيس لاختياره هيثم لخلافته. ومن المعروف ان الأخير كان رئيس اللجنة الرئيسية لتطوير عمان وفق رؤية 2040 التي كانت مهمتها وضع خارطة طريق للتطوير الاقتصادي في السلطنة لمدة عشرين سنة، على أن ينتقل الإقتصاد العماني من إقتصاد يعتمد على النفط كمورد رئيسي للبلاد إلى إقتصاد متنوع الموارد.

ومن تابع الحوارات التي كان يجريها هيثم بن طارق مع شرائح من الشباب العماني بشأن هذه الرؤية، سمعه يؤكد مرارا ان الكثير من التشريعات والقوانين في السلطنة سيتم تغييرها عند اقرار رؤية 2040، ما يعني انه مؤمن بان السلطنة بحاجة الى تغييرات تشريعية من اجل تحقيق نقلة اقتصادية كبيرة. وهذا يعني ان التحدي الاكبر الذي سيعمل عليه السطان العماني الجديد هو التحدي الاقتصادي الداخلي الذي سيفتح الباب أمام توفير فرص عمل للشباب العماني الذي تظاهر قبل خمسة اعوام مطالبا بايجاد وظائف له.

من خلال شكل الحكومة الجديدة، يمكن التعرف على توجهات السلطان هيثم بن طارق في كيفية احداث التغييرات المطلوبة ولا سيما تلك التي كان يريدها السلطان الراحل ولكن مرضه منعه من احداثها وهي تغييرات داخلية اكثر منها تغييرات سياسية حتى ولو شمل التغيير وزارة الخارجية

بهذا المعنى، يصبح إختيار هيثم بن طارق من قبل قابوس هو جرعة دعم للتغيير الذي ستشهده السلطنة في المرحلة المقبلة، والذي سيتمحور حول الشأن الاقتصادي.

ومن المتوقع أن يبادر سلطان عمان الجديد لاجراء تغيير وزاري وشيك عبر تشكيل حكومة جديدة لا شك انها ستضم العديد من الوجوه الجديدة لادارة شؤون الدولة، وبينها وجوه إقتصادية قادرة على تنفيذ رؤية 2040.

وثمة من يقول إنه من خلال شكل الحكومة الجديدة، يمكن التعرف على توجهات السلطان هيثم بن طارق في كيفية احداث التغييرات المطلوبة ولا سيما تلك التي كان يريدها السلطان الراحل ولكن مرضه منعه من احداثها وهي تغييرات داخلية اكثر منها تغييرات سياسية حتى ولو شمل التغيير وزارة الخارجية.

اما بالنسبة للسياسة الخارجية للسلطان الجديد، فلا توقعات بان يحدث اي تغييرات على السياسة العمانية المعروفة بسياسة “الناي بالنفس” التي اختطها السلطان الراحل، ما جعل السلطنة مركزا للباحثين عن وساطات لحل خلافاتهم ومشاكلهم، وهذه السياسة جعلت سلطنة عمان على علاقة جيدة مع ايران مثلما لها علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وجعل عمان لا تقطع علاقاتها مع سوريا مثل بقية شريكاتها الخليجيات في مجلس التعاون الخليجي ولا مع مصر حين قطعت الدول العربية علاقاتها مع القاهرة بعد اتفاق كامب ديفيد عام 1979.

لذلك ستبقى علاقات عمان مع ايران علاقات جوار جيدة وستبقى علاقات السلطنة ايضا مع خصوم ايران جيدة، واولهم الولايات المتحدة والسعودية، ولكن من المتوقع ان تشهد الديبلوماسية العمانية عودة النشاط اليها، ذلك ان مرض السلطان قابوس بن سعيد خلال السنوات الخمس الماضية حدّ من حركة الديبلوماسية العمانية، فمثلا اعتذرت مسقط مرارا عن استضافة القمة السنوية الخليجية بسبب مرض السلطان وكانت مشاركتها في مؤتمرات القمة سواء أكانت خليجية ام عربية، مجرد مشاركة بروتوكولية.

اذا عادت الديبوماسية العمانية الى نشاطها، فهل ستنشط ديبلوماسية مساعي الوساطة بين المختلفين من دول المنطقة والعالم؟

(*) صحافي عربي مختص بالشؤون الخليجية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course

180Post