“منذ 28 كانون الأول/ديسمبر 2025، انتشرت احتجاجات واسعة في جميع المحافظات الإيرانية. بدأت الشرارة بإغلاق التجار بازار طهران الكبير احتجاجًا على انهيار العملة.
هذا أحد أكبر أشكال العصيان الشعبي منذ الثورة الإسلامية عام 1979. الريال الإيراني فقد أكثر من 70% من قيمته خلال عام واحد. التضخم بلغ 42%. أسعار الغذاء ارتفعت بنسبة 72%. حلفاء طهران الإقليميون – حزب الله، نظام بشار الأسد، وحماس – إما تراجعوا أو أصبحوا أضعف من أي وقت مضى. المنشآت النووية الإيرانية تعرّضت لضربات من إسرائيل والولايات المتحدة. موضوعيًا، النظام في طهران بات في وضعية صعبة وهدفه الحفاظ على الذات.
لكن المسألة الأساسية هي الآتية: هل هذه الانتفاضة ستتحول فعلًا إلى ثورة؟
يعتمد الجواب تقريبًا على مؤسسة واحدة، هي الحرس الثوري الإسلامي. فالحرس الثوري ليس مجرد قوة عسكرية، بل هو أكثر من ذلك بكثير. إنه العمود الفقري للنظام، القوة الاقتصادية الأهم في البلاد، والفاعل السياسي الرئيسي. على مدى أكثر من أربعة عقود، أبقى الحرس الثوري الجمهورية الإسلامية حيّة خلال كل الأزمات. ولكي يسقط النظام الإيراني، لا بد أن تنشق القوى الأمنية، أو تتفكك، أو ترفض تنفيذ الأوامر. حتى الآن، لم ينكسر الحرس الثوري.
فما مدى قوة الحرس الثوري؟ وكيف يمكنه أن يرسم مستقبل إيران؟
الجذور والبقاء
وُجد الحرس الثوري لأن طهران كانت تواجه مشكلة محددة وملحّة. فعندما استولى قادة الثورة الإسلامية على السلطة عام 1979، ورثوا جيشًا لا يثقون به. الجيش النظامي الإيراني كانت له علاقات عميقة مع الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي، وروابط واسعة بواشنطن.
بالنسبة للنظام الجديد بقيادة الإمام الخميني، كان الاعتماد على القوات النظامية مخاطرة لا يمكن تحمّلها. فكان الحل إنشاء قوة موازية، تدين بالولاء المباشر للمرجعية الدينية.
في 5 أيار/مايو 1979، أُعلن رسميًا عن تأسيس الحرس الثوري. نحو 700 مقاتل ثوري، كثير منهم تلقوا تدريبات في الخارج، شكّلوا نواة قوة بُنيت على الولاء العقائدي. منذ البداية، لم يُصمَّم الحرس الثوري ليكون قوة دفاع تقليدية، بل قوة موازنة للجيش النظامي. المادة 150 من الدستور الإيراني كانت واضحة في ذلك، إذ أوكلت إلى الحرس الثوري مهمة «حماية الثورة وإنجازاتها». هذه العبارة كانت فضفاضة عن قصد، إذ منحت الحرس الثوري مساحة واسعة لتعريف التهديدات كما يشاء، والتوسع خارج الأدوار العسكرية التقليدية. الجيش النظامي كانت مهمته الدفاع عن الأراضي الإيرانية، بينما كان تفويض الحرس الثوري حماية النظام نفسه.
ثم جاءت الحرب الإيرانية–العراقية. بين عامي 1980 و1988، تحوّل الحرس الثوري من ميليشيا إلى مؤسسة حقيقية. في بدايات الحرب، لم يكن لديه سوى نحو 25 ألف متطوع بتجهيز ضعيف للغاية. بحلول عام 1986، ارتفع العدد إلى نحو 350 ألف عنصر. أصبح لديه قوات برية وبحرية وجوية، إضافة إلى وحدات للحرب غير التقليدية والاستخبارات، أبرزها «فيلق القدس»، الذي يعمل خارج حدود إيران لدعم فاعلين غير دولتيين، مثل حماس وحزب الله والحوثيين، وذلك في خدمة أجندة طهران.
منحت الحرب العراقية الإيرانية الحرس الثوري شرعية داخلية وخارجية، لكنها – والأهم – وفّرت له سردية جامعة تُعرف في إيران بـ«الدفاع المقدس». كما أفرزت جيلًا من القادة الذين يهيمنون اليوم على المشهدين السياسي والأمني. ومع الوقت، أصبح الحرس أكثر انضباطًا واحترافًا. والمفارقة أنه يُعد من أقل المؤسسات فسادًا في إيران، برغم امتلاكه مصالح ومؤسسات اقتصادية ضخمة. فبينما يملك قادته طموحات شخصية، ظل هناك إدراك بأن مصلحة المؤسسة تأتي أولًا، لأسباب أيديولوجية وبراغماتية، مقابل امتيازات ورواتب مغرية يحصل عليها ضباطه.
يقف الحرس الثوري عند مفترق طرق. الاحتجاجات تتوسع، والاقتصاد ينهار، والشبكة الإقليمية تضررت بشدة، والمرشد الأعلى علي خامنئي في السادسة والثمانين من عمره من دون خليفة واضح. إذا بقي الحرس متماسكًا، سيصمد النظام مؤقتًا. أما إذا بدأت الانقسامات، فإن تغيير النظام يصبح احتمالًا واقعيًا. والولايات المتحدة تراقب. السؤال الآن: هل سيكتفي دونالد ترامب بالضغط أم أن مرحلة جديدة تُوشك أن تبدأ؟
نموذج الوكلاء
على عكس الاعتقاد الشائع، السياسة الإقليمية الإيرانية أكثر براغماتية منها أيديولوجية. جغرافيًا، تفتقر إيران إلى عمق استراتيجي حقيقي، وجيرانها إما معادون لها أو غير مستقرين، فيما يمتلك خصومها جيوشًا تقليدية أقوى. لذلك، اتجهت طهران إلى أساليب غير متماثلة، وبناء ميليشيات حليفة، وتنفيذ عمليات قابلة للإنكار. باختصار، أرادت إسقاط وإظهار قوتها من دون الانخراط المباشر في الحروب. وأوكلت إلى “فيلق القدس” قيادة هذه المهمة الخارجية حماية للنظام.
على مدى عقود، أنشأ “فيلق القدس” شبكة واسعة من الشركاء غير الدولتيين في المنطقة. العائد كان كبيرًا: ردع متقدم، نفوذ عملياتي، وأوراق ضغط سياسية، بكلفة أقل بكثير من الحروب التقليدية. لكن الاستراتيجية لم تكن موحّدة، بل صُممت خصيصًا لكل ساحة، من لبنان إلى سوريا واليمن وغزة والعراق.
كان حزب الله النموذج الأبرز. إذ كانت طهران ترسل إليه نحو 700 مليون دولار سنويًا، ما جعله القوة غير الدولتية الأكثر تسليحًا وتنظيمًا في المنطقة، مع ترسانة تجاوزت 150 ألف صاروخ قبل الحرب التي تعرّض لها في نهاية صيف العام 2024. في العراق، اندمجت الميليشيات المدعومة (الحشد الشعبي) من الحرس الثوري تدريجيًا في أجهزة الدولة، مانحة إيران نفوذًا سياسيًا كبيرًا. وفي اليمن الشمالي، كان دعم الحوثيين (أنصار الله) وسيلة منخفضة الكلفة لتهديد طرق الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
رد الفعل على هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 كشف مدى تطور هذه الشبكة الإقليمية. حزب الله فتح جبهة الشمال خلال 24 ساعة، الميليشيات العراقية نفذت أكثر من 170 هجومًا ضد أهداف أميركية، والحوثيون شنّوا هجمات بحرية وصاروخية مستمرة. بعد تشرين الثاني/نوفمبر 2023، تراجع عبور قناة السويس بنسبة كبيرة. وفي نيسان/أبريل 2024، صعّدت طهران مباشرة عبر عملية «الوعد الصادق»، مطلقة أكثر من 300 صاروخ وطائرة مسيّرة نحو إسرائيل. ورغم اعتراض 99% منها، كانت تلك أول ضربة إيرانية مباشرة على الأراضي الإسرائيلية، وذلك رداً على استهداف الجيش الإسرائيلي للقنصلية الإيرانية في دمشق.
لكن بحلول نهاية 2024، بدأت الشقوق تظهر. إسرائيل نجحت في اغتيال معظم قيادة حزب الله، وتلا ذلك سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، الأمر الذي أدى إلى قطع الطريق البرية من طهران إلى البحر المتوسط مروراً بسوريا. الضربة الأقسى جاءت في حزيران/يونيو 2025، حين قُتل أكثر من 30 جنرالًا من الحرس الثوري في ضربات إسرائيلية داخل طهران.
الإمبراطورية الاقتصادية
بالتوازي مع تطوير قدراته العسكرية، بنى الحرس الثوري إمبراطورية اقتصادية ضخمة. اليوم، يسيطر بشكل مباشر على ما بين 20% و40% من الناتج المحلي الإيراني. ذراعه الإنشائية «خاتم الأنبياء» تدير أكثر من 800 شركة، وتوظف ما يصل إلى 170 ألف شخص.
ينشط الحرس بقوة في قطاعات الطاقة، والاتصالات، والمصارف، والتعدين. العقوبات الغربية، عززت نفوذه، إذ ملأ الفراغ الذي تركته الشركات الأجنبية. كما أنشأ أسطولًا موازيًا من ناقلات النفط والشركات واستثمر في العملات الرقمية، وحتى في شركات طيران مدنية.
في المقابل، عزّزت علاقته المباشرة بالمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي سلطته، إذ يعمل خارج أي رقابة مدنية. ومع الوقت، تغلغل ضباطه السابقون في مؤسسات الدولة، فيما بقي الجيش النظامي على الهامش.
الخلاصة
يقف الحرس الثوري عند مفترق طرق. الاحتجاجات تتوسع، والاقتصاد ينهار، والشبكة الإقليمية تضررت بشدة، والمرشد الأعلى علي خامنئي في السادسة والثمانين من عمره من دون خليفة واضح. إذا بقي الحرس متماسكًا، سيصمد النظام مؤقتًا. أما إذا بدأت الانقسامات، فإن تغيير النظام يصبح احتمالًا واقعيًا.. والولايات المتحدة تراقب.
(*) ترجمة بتصرف 180 بوست؛ النص الأصلي كاملاً على موقع “جيوبوليتيك إنسايدر“
