في الآونة الأخيرة، يبرز تقارب متزايد بين دول عربية معنية بالعديد من الملفات الإقليمية، في مقدّمها السعودية وقطر ومصر، لا بوصفه تحالفًا رسميًا معلنًا (حتى الآن)، بل كمؤشّر على إدراك مشترك لحجم التحوّلات الإقليمية والدولية المستمرة، ولحاجة الأمن القومي العربي إلى توازن صلب: سياسي، عسكري، مالي، وديبلوماسي. هذا التقارب لا يقوم على تطابق كامل في السياسات، بل على تقاطع مصالح في لحظة دولية وإقليمية دقيقة.
في المقابل، يقف لبنان عند مفترق حاسم. ففي وقت تتحرّك فيه دول المنطقة لإعادة تعريف موقعها كدول فاعلة، ما يزال النظام السياسي اللبناني يتعامل مع الخارج كشبكة علاقات ظرفية، لا كسياسة دولة. وبين عجز داخلي عن الحسم، وضغوط خارجية متصاعدة، يطرح السؤال نفسه: هل يستطيع لبنان أن يقرأ هذا المشهد ويتكيّف معه كدولة، أم يفوّت فرصة قد تكون الأخيرة للتموضع ضمن مظلّة عربية قادرة؟
لماذا لم يعد الانتظار خيارًا؟
لا يمكن فهم هذا التقارب العربي بين هذه الدول الثلاث بمعزل عن التحوّلات العميقة في البيئتين الإقليمية والدولية. فالضمانات الأميركية التقليدية، التي شكّلت لعقود مظلّة غير مكتوبة لاستقرار المنطقة، لم تعد تُقرأ بالمعنى نفسه، لا من حيث الالتزام ولا من حيث الاستمرارية.
السياسة الأميركية اليوم، خصوصًا في ظلّ نموذج دونالد ترامب، تقوم على إدارة المصالح بأدوات ضغط مباشرة، لا على حماية التوازنات الهشّة أو الدول المتردّدة في حسم خياراتها. في المقابل، تعمل إسرائيل بشهيّة توسّعية هادفة إلى إعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة، سواء عبر الدفع نحو التفتيت الداخلي، أو عبر تثبيت وقائع أمنية جديدة، من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر، حيث يتقدّم الحضور العسكري والاستخباراتي تحت عناوين متعدّدة. هذا السلوك لا ينفصل عن رؤية إسرائيلية أوسع تقوم على تحويل الدول المحيطة بها إلى ساحات نفوذ غير مستقرة، لا إلى دول متماسكة قادرة على المواجهة.
أما إيران، فتدخل مرحلة معقّدة ومفصلية في تاريخها، تجمع بين ضعف داخلي يتزايد وضغط خارجي يتعاظم. هذه الأزمة إذ تدفع إيران إلى الاستمرار في محاولة توسيع هامش المناورة في ساحات متعدّدة، فإن من بين نتائجها ازدياد هشاشة الدول التي لم تحسم موقعها أو قرارها السيادي.
في ظلّ هذا المشهد، لم يعد ممكنًا للدول العربية المركزية التعاطي مع التحديات بمنطق ردّ الفعل أو إدارة الوقت، بل باتت الحاجة ملحّة لإعادة بناء توازن عربي قادر على حماية الدولة، لا الساحة، وعلى مواجهة مشاريع التفكيك قبل أن تتحوّل إلى وقائع غير قابلة للعكس.
لماذا السعودية وقطر ومصر تحديدًا؟
تلعب كلّ من السعودية ومصر وقطر دورًا فاعلًا ومباشرًا في ملفات إقليمية مفصلية، من غزة إلى السودان، مرورًا بلبنان، وصولًا إلى إدارة العلاقة المعقّدة والمتشابكة مع واشنطن. وفي قراءة واقعية لديناميات النفوذ الفعلي في المنطقة، يظهر التحالف العربي كضرورة لتثبيت الأمن القومي العربي ولإعادة تعريف العلاقة مع القوى الدولية من موقع النديّة لا التبعية، إذ إن أي دولة عربية، مهما بلغ وزنها، ستبقى عرضة للضغط والاستنزاف إذا ما بقيت منفردة. من هنا، تكمن أهمية هذه الدول الثلاث في تكامل أدوارها في هذه اللحظة المفصلية عربيًا ودوليًا.
فالسعودية تشكّل الثقل السياسي والديني والاقتصادي المركزي في النظام العربي، وصاحبة القدرة الأكبر على التأثير في معادلات الاستقرار الإقليمي وفي علاقة العالم العربي بالولايات المتحدة. وهي الدولة الأكثر عرضة للاستهداف عندما يُطرح مشروع إضعاف «الدولة المركزية» في المنطقة، ما يجعل دورها ركيزة لا يمكن تجاوزها في أي توازن عربي.
أما مصر، فتمثّل العمق الجيوسياسي والأمني في المنطقة، وحلقة الوصل بين المشرق والمغرب، وصاحبة الدور التاريخي في ضبط التوازنات العربية ومنع انهيارها الكامل. هذا الدور أثقلته القاهرة مجددًا في حضورها الأساسي والحيوي في ملف غزة، وفي أمن البحر الأحمر، وفي مقاربة الأزمة السودانية، ما يؤكد أن أي صيغة أمن قومي عربي من دون مصر تبقى ناقصة وعرضة للاهتزاز.
في المقابل، كرّست قطر نفسها دولة وساطة، وكلاعب بارز في المنطقة يتمتّع بميزة مختلفة: القدرة على العمل في المساحات الحسّاسة والمعقّدة، وإدارة قنوات مفتوحة مع واشنطن ومع أطراف إقليمية ودولية متناقضة، من دون أن تتحوّل إلى طرف صدامي. هذا الدور الوسيط، المدعوم بثقل مالي وديبلوماسي، جعل من الدوحة عنصرًا أساسيًا وغير قابل للتجاوز في ملفات عدّة، أبرزها غزة ولبنان، وفي إدارة مراحل ما بعد الأزمات.
من هنا، لا يقوم هذا الثلاثي على تشابه الأدوار، بل على تكاملها: ثقل سعودي، عمق مصري، ومرونة قطرية. وهو ما يمنحه، إذا ما جرى تأطيره سياسيًا، القدرة على التحوّل من تقارب ظرفي إلى رافعة فعلية للأمن القومي العربي في مرحلة تتراجع فيها هوامش الخطأ.
أين لبنان في هذه المعادلة؟
يُشكّل لبنان اليوم النموذج الأوضح لدولة لم تحسم بعد خيارها بأن تكون دولة كاملة الصلاحيات، لا ساحة تُدار بتوازنات متناقضة. فملف حصر السلاح شمال الليطاني لا يواجه فقط اعتراض حزب الله أو شروطه السياسية، بل يكشف عمق الانقسام الداخلي حول مفهوم الدولة نفسه: من يملك القرار؟ ومن يحدّد الأولويات؟ وأي مرجعية تُلزم الجميع؟
من هنا، فإن غياب التوافق الداخلي، وعدم قدرة السلطة السياسية على إنتاج مرجعية واحدة، جعلا من الدولة اللبنانية طرفًا ضعيفًا في لحظة إقليمية لا تُقيم أي اعتبار للكيانات المتردّدة. فبين إعلان رسمي عن المضيّ في خطة حصر السلاح، وربط التنفيذ بالظروف، وربما بالمعادلات الإقليمية، يتحوّل القرار السيادي إلى وعد غير قابل للتطبيق، ما يفتح الباب أمام تآكل إضافي لهيبة الدولة وقدرتها على الفرض.
في هذا السياق، لا يمكن فصل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية عن هذا الفراغ الداخلي. فإسرائيل لا تضغط على لبنان فقط عسكريًا، بل سياسيًا ونفسيًا، مستفيدة من إدراكها العميق بأن الدولة اللبنانية عاجزة، حتى الآن، عن الحسم.
من هنا، لم يعد النقاش حول حصر السلاح أو تنفيذ القرارات الدولية نقاشًا تقنيًا أو أمنيًا فحسب، بل اختبارًا نهائيًا: إمّا أن يلتحق لبنان بمنطق الدولة القادرة، مستفيدًا من لحظة إعادة التموضع العربي، وإمّا أن يبقى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، تُدار أزماته من الخارج وتُفرض عليه الوقائع بالقوّة.
في المحصلة؛ ثمة لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة التوازنات، وفي خضمها يُصبح التردّد اللبناني مكلفًا أكثر من المواجهة. من هنا، يشكّل هذا التقارب العربي الآخذ في التطوّر، لا سيّما بين الدول الفاعلة في الملف اللبناني، فرصة أخرى للبنان لكي ينتقل من ضفة شراء الوقت إلى ضفة الحسم، ومن إدارة التوازنات الداخلية إلى بناء مرجعية واحدة للقرار.
فالسؤال اليوم لم يعد ما إذا كان لبنان يستحقّ الدعم، بل ما إذا كان قادرًا على الاستفادة منه. ففي زمن تُبنى فيه التحالفات على أساس المصالح الصلبة، لا تُمنح الدول الهشّة سوى مهلة محدودة قبل أن تُفرض عليها الوقائع. من هنا، قد يشكّل هذا التقارب السعودي–القطري–المصري الداعم للبنان، أساسًا، نافذة نادرة للالتحاق بمنطق الدولة القادرة، لا بمنطق الساحة المفتوحة.
