من كاراكاس إلى بيروت.. “أميركا الجديدة” تُوقظ العالم كُلّهُ

في فلسفة هيغل، لا يتقدّم التاريخ عبر التوافق الهادئ، بل عبر الصراع والتناقض. الوعي لا يُحقّق ذاته إلا من خلال مواجهة الآخر، ومن هنا تأتي جدليّة السيّد والعبد، حيث تنشأ الهيمنة بوصفها محاولة فرض الاعتراف بالقوّة. السيّد لا يُصبح سيّدًا لأنّه أخلاقي أو عادل، بل لأنّه امتلك الجرأة والاستعداد للمخاطرة وفرض نفسه. هذا المنطق يُنتج سيادة مؤقّتة، لأنَّ السيّد في النهاية يعتمد على العبد في الاعتراف والعمل معًا، بينما العبد يُطوّر وعيه عبر العمل والمعاناة.

إذا نقلنا هذا المنطق إلى سياسة دونالد ترامب، نلاحظ أنّ خطابه وممارساته تنطلق من تصوُّر قريب لما يُمكن تسميته السيادة القائمة على القوة لا على القيم. فهو لا يخاطب العالم بلغة القانون الدولي أو الشراكة، بل بلغة “الربح والخسارة”، “من الأقوى”، و”من يفرض شروطه”. هذا ينسجم مع منطق هيغلي يرى أنَّ العلاقات بين الكيانات (أفراد أم دول) تُحسم عبر اختلال ميزان القوة لا عبر النداءات الأخلاقيّة.

في هذا السياق، يُمكن فهم سياسة “أمريكا الجديدة” كترجمة سياسيّة حديثة لمنطق الهيمنة، القائم على أنّ الاعتراف لا يُمنح، بل يُنتزع. الحلفاء أنفسهم يُعاملون كأطراف أدنى يجب أن يدفعوا ثمن الامتيازات، وهو ما يشبه علاقة السيّد بالعبد عند هيغل، حيث يُصبح الاعتراف مشروطًا بالخدمة والمنفعة.

لكنَّ النقطة الأهم هي أنّ هيغل لا يُمجّد هذا الوضع بوصفه نهاية التاريخ. على العكس، جدليّة السيّد والعبد تحمل في داخلها بذور الانقلاب. الهيمنة التي لا تقوم على اعتراف متبادل تبقى هشّة، وتؤدِّي في النهاية إلى مُقاومة أو إعادة تشكّل النظام. من هذا المنظور، يُمكن قراءة سياسات ترامب لا كانتصار دائم للقوّة، بل كمرحلة صراعيّة تكشف أزمة النظام الليبرالي العالمي الذي كان يدّعي أنّه قائم على القيم بينما كان يخفي علاقات قوّة غير متكافئة.

بكلمات أخرى، ترامب ليس “هيغليًا واعيًا”، لكنّه يُمارس سياسة يمكن تفسيرها هيغليًا بسياسة تُعرّي منطق القوّة الكامن خلف الخطاب الأخلاقي، وتُظهر أنَّ الهيمنة عندما تنفصل عن الاعتراف المُتبادل تُنتج صراعًا لا استقرارًا. وهذا تمامًا ما كان هيغل يقصده حين اعتبر أنّ التاريخ لا يتقدّم إلا عبر التوتّر، وأنَّ القوّة التي لا تتحوّل إلى عقلانيّة سياسيّة محكومة بأن تُواجَه وتُقاوم.

رؤية “أميركا الجديدة” عند ترامب لا تبني نِظامًا مُستقرًّا، بل نظام خوف؛ والخوف قد يحقِّقُ أرباحًا قصيرة أو متوسّطة المدى، لكنّه يدفع الآخرين مثل الصين، روسيا، أو حتّى الحلفاء إلى البحث عن بدائل. وبكلمات دقيقة إن صحّ التعبير، يُمكن القول إنّ ترامب أيقظ أميركا، لكنّه أيضًا أيقظ خصومها

ترامب أكثرهم صدقًا!

مّما لا شكّ فيه أنّ ترامب ليس رئيسًا تقليديًا لأميركا، ولا حتى استمرارًا للمُحافظين الجدد. ترامب يُمثّل قطيعة داخل النظام الأميركي نفسه؛ فالرؤساء قبله كانوا يتحدثّون باسم “العالم الحر”، “القيم”، “النظام الدولي”، “المساعدات الإنسانيّة لدول العالم الثالث”،… لكنّ ترامب قالها بوضوح فجّ “أميركا ليست جمعيّة خيريّة”، فما هي “أميركا الجديدة” في عقل ترامب؟

في رؤية ترامب، أميركا الجديدة ليست “إمبراطوريّة أخلاقيّة”، بل “شركة عملاقة”. يتعامل مع العالم بعقليّة رجل الأعمال لا رجل الدولة. الحلفاء بالنسبة إليه هُمُ زبائن، والقواعد العسكرية هي استثمار يجب أن يدرّ ربحًا، والحماية هي خدمة مدفوعة، والقيم هي خطاب ثانوي إن وُظّف في خدمة الصفقات. مثلاً؛ حين “يأخذ أموال الخليج”، فهو لا يرى ما يقوم به ابتزازًا، بل تصحيحًا لما يعتبره “خللاً تاريخيًّا”، على قاعدة “لماذا تدفع أميركا دمًا وأموالًا، بينما يعيش آخرون تحت مِظلّتها مجّانًا؟”.

ويبقى السؤال الأبرز هو لماذا يبدو ترامب كأنّه “متحكم بكل شيء”؟ والجواب بسيط برغم مرارته، لأنّ ترامب كسر التمثيل المسرحي للرئاسة الأميركيّة، فالرؤساء السابقون مارسوا الهيمنة بلغة ناعمة. أمّا ترامب فقد مارسها منذ ولايته الاولى، علَنًا وبلا خجل، فهو لم يبتدع السيطرة، بل نزع عنها القناع، ولهذا بدا صادمًا، بل حتّى فظًا، لكنّ المفارقة تكمن بأنّه في نظر الكثيرين كان “صادقًا”.

حسب سلوك ترامب، حتى الآن، يتضّح أنّهُ لا يريد إسقاط الأنظمة. يُريد إذلالها سياسيًا واقتصاديًّا وأمنيًّا وجماهيريًّا. لا يهتم بمن يحكم، بل يعنيه كيف وماذا يدفع هذا الحاكم لأميركا؟ فمثلاً ترامب لا تهمُّه ديموقراطيّة مادورو ولا حقوق الإنسان في الخليج؛ ما يهمّهُ هو “هل هذا النظام مُفيد لأميركا أم لا”؟ ومن هنا جاءت فكرة “نزع الشرعيّة” و”التجريم” و”العقوبات” بدل الانقلابات. وهذا أخطر من الحرب نفسها، لأنَّه يُحطِّم الدول من الداخل.

باختصار، “أميركا الجديدة” بالنسبة لدونالد ترامب هي دولة أقلُّ تورطًا عسكريًا، أكثر شراسة اقتصاديًّا، أقل أدواراً أخلاقيةً، أكثر أنانيّة مُعلنةً، ترى العالم سوقًا لا منظومة قِيم، وهذا ما دفع الناس خارج أميركا للإعجاب به؛ لأنَّه قال ما لم يجرؤ غيره على قوله من رؤساء سابقين، يُمارس سياسة “وطنه أوّلاً” ولا أحد قبل وطني ولا بعده، وأعلن أمام الملأ أنّ العالم يعيش على توازن القوّة لا العدالة، وأنّ من لا قدرة له على حماية نفسه.. سيُستَخدم؛ فمثلاً في عالمنا العربي المُنهك بالشعارات، يظهر ترامب كشخص يقول “القُوّة أوّلًا، ثمّ الكلام”.

لكن الخطر في رؤية “أميركا الجديدة” عند ترامب أنّها لا تبني نِظامًا مُستقرًّا، بل نظام خوف؛ والخوف قد يحقِّقُ أرباحًا قصيرة أو متوسّطة المدى، لكنّه يدفع الآخرين مثل الصين، روسيا، أو حتّى الحلفاء إلى البحث عن بدائل. وبكلمات دقيقة إن صحّ التعبير، يُمكن القول إنّ ترامب أيقظ أميركا، لكنّه أيضًا أيقظ خصومها.

فنزويلا نموذجاً لأميركا الجديدة

إنَّ ما حصل غالبًا في فنزويلا هو أنّ إدارة ترامب اتخذت مواقف تصعيديّة جدًا ضدّ مادورو تجاوزت كل الخطوط الحُمر. سبق ذلك توجيه اتهامات جنائيّة له عام 2020 تتعلَّق بتجارة المخدّرات، بالإضافة إلى رصد مكافأة ماليّة للقبض عليه، وفرض عقوبات اقتصاديّة على الدولة نفسها ومحاولة عزلها سياسيًّا ودبلوماسيًّا بشكل كامل على مدى خمسة أعوام، بغية الاعتراف بخوان غوايدو كرئيس شرعي بدل مادورو نظراً لما سيُحقّقه لهم الأخير من مصالح استثماريّة في نفط فنزويلا الأغنى في العالم.

وعليه، لو سألنا “ما الرسالة التي أراد ترامب إيصالها للعالم من خلال هذا النهج المُتشدّد ضدّ مادورو”؟ يمكن قراءة الجواب على مستويات عدّة:

أولًا؛ أراد ترامب القول إنّ الولايات المُتّحدة لن تتسامح مع الأنظمة التي تصنفها “معادية” لها حتّى لو كانت ذات سيادة، وإنّ مفهوم السيادة “مُلغى” عندما يتعارض مع المصالح الأميركيّة أو رؤية الولايات المتحدة لـ”الديمقراطيّة”.

ثانيًا؛ رسالة ترامب موجهة لأميركا اللاتينيّة تحديدًا، ومُفادها أنّ “حديقة الولايات المُتّحدة الخلفيّة” ما زالت ضمن دائرة النفوذ الأميركي، وأيُّ خروج عن هذا المسار سيُقابل بعقاب سياسي واقتصادي وأمني وربَّما عسكري قاسٍ .

ثالثًا؛ يسعى ترامب، دوليًا، إلى ترسيخ صورة الرئيس الذي لا يعترف بالقواعد التقليديّة للدبلوماسيّة، ويستخدم عامل القوّة والفعل المُباشر، والعقوبات، وحتّى التهديد القضائي كأدوات سياسة خارجيّة هو نفسه يُعلن ويُجاهر بأنّه يتحكَّم بها.

رابعًا؛ الخطاب الذي قدّمه ترامب إبان ولايته السابقة وإبان ترشّحه للولاية الثانية، كان يجذب قاعدته الانتخابيّة عبر تقديم نفسه كزعيم صارم ضدّ “الاشتراكيّة”، خصوصًا في سياق الهجوم على الديموقراطيين واتهامهم بالتماهي مع نماذج مثل فنزويلا وكوبا.

خامسًا؛ من منظور القانون الدولي، يُمثّل ما قامت به إدارة ترامب، تجاوزًا خطيرًا للأعراف الدوليّة. حيث ينصّ القانون الدولي، بأنّ رؤساء الدول يتمتّعون بـحصانة سياديّة تمنع ملاحقتهم قضائيًا من دول أخرى أثناء وجودهم في السلطة. وعندما أعلنت واشنطن توجيه اتهامات جنائيّة لمادورو ورصد مُكافأة لاعتقاله، فهي عمليًا نزعت عنه صفة رئيس دولة شرعي من جانب واحد. وهذا التصرُّف لا يستند إلى إجماع دولي ولا إلى قرار من مجلس الأمن، بل إلى منطق القوّة. لذلك فإنّ الرسالة هنا كانت واضحة “الشرعيّة لم تعد تُستمد من القانون الدولي، بل من الاعتراف الأميركي”. وهذا يُضعف النظام الدولي نفسه، لأنّه يفتح الباب أمام دول أخرى تمتلك القوّة إلى تطبيق المنطق ذاته على خصومها.

سادسًا؛ اعتمد ترامب سياسة الضغوط: عقوبات قصوى، خطاب عدائي، تهديدات مفتوحة، وبالتالي اعتقادًا منه بأنّ الاختناق الاقتصادي سيؤدّي حتمًا إلى انفجار داخلي يُطيح بمادورو. ولا شكّ أنّ هذه السياسة رفعت منسوب التوتّر لكنّها فشلت في تحقيق هدفها الأساسي، لا بل زادت من معاناة الشعب الفنزويلي من دون إسقاط النظام.

إقرأ على موقع 180  بوتين وإرث لينين... أبعد من جدل حول "الضريح"

أمّا الخلاصة السريعة لحادثة اعتقال مادور، فتتمثّل في أنّ ما أراده ترامب لم يكن فقط مُعاقبة مادورو، بل إعادة تعريف قواعد اللعبة الدوليّة “القوّة أولًا، القانون ثانيًا، والشرعيّة تُمنح بالكلام السياسي، لا بالأُطر الديموقراطيّة”.

رسالة للصين وروسيا

هنا نصل إلى القراءة الجيوسياسيّة الأوسع؛ فقد قرأت روسيا والصين تصعيد ترامب ضدّ مادورو على أنَّه سابقة خطيرة وتحذير مُبكّر بأنّ الولايات المُتّحدة مُستعدة لاستخدام القضاء والعقوبات كسلاح لإسقاط أنظمة لا تخضع لها. لذلك، زادتا دعمهما لفنزويلا، ليس حبًا بمادورو، بل دفاعًا عن مبدأ أنّه إذا سقطت فنزويلا بهذا الشكل، قد يكون الدور على غيرها.

ولنأخذ روسيا مثلاً؛ فقد قرأت ما حدث على أنّه إعلان أميركي صريح بأنّ إسقاط الأنظمة لم يعد يحتاج إلى تدخل عسكري مباشر؛ ذلك أن تجربة العراق كانت مُكلفة، أمّا نموذج فنزويلا في عهد ترامب فقد قدّم بديلًا أقل كِلفة. من هنا، فإنّ موسكو رأت في ذلك تهديدًا مباشرًا لحلفائها، وربّما لها مُستقبلًا، لأنّ المنطق نفسه يمكن تطبيقه على دول تُصنَّف “مارقة” أو “غير ديموقراطيّة” من وجهة النظر الأميركيّة. لذلك لم تدافع روسيا عن مادورو كشخص، بل رفضت تحويل القانون الدولي إلى أداة أميركيّة انتقائيّة.

ما حدث مع فنزويلا شكّل لحظة مفصليّة في وعي الصين وروسيا بأنَّ النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب الباردة لم يعد قابلًا للإصلاح من الداخل. فبدل أن يكون القانون الدولي إطارًا جامعًا، تحوّل نتيجة المُمارسات الأميركيّة إلى أداة ضغط انتقائيّة. هنا بدأ الانتقال من مرحلة “الهيمنة الأحاديّة” إلى مرحلة كسر الهيمنة، حيث لم تنجح حتّى هذه اللحظة يإسقاطها دفعة واحدة

أمّا الصين فقد قرأت المشهد ببراغماتيّة أبرد ولكن أعمق، بالنسبة لبكّين، ما جرى أكّد أنَّ الولايات المُتّحدة تستخدم مفاهيم مثل الديموقراطيّة وحقوق الإنسان كسلاح جيوسياسي. الصين لم تكن قلقة فقط على فنزويلا، بل على نموذجها الداخلي وعلى شركائها في آسيا وإفريقيا؛ فإذا نجحت واشنطن في نزع شرعيّة رئيس دولة بالقوّة، هذا يعني أنَّ أي دولة حليفة للصين أو خارجة عن الفلك الأميركي يُمكن أن تُستهدف بالطريقة عينها. لذلك عزّزت الصين دعمها الاقتصادي الهادئ لفنزويلا، لا استفزازًا، بل تثبيتًا لفكرة أنّ الشراكات لا تُلغى بتغيُّر المزاج السياسي الأميركي.

يعني ذلك أن روسيا والصين فهمتا أنّ الرسالة الحقيقيّة لترامب لم تكن موجِّهة لمادورو، بل لهما مباشرة ومفادها أنّنا نستطيع محاصرة حلفائكم، وتجريم قياداتهم، من دون إطلاق رصاصة واحدة وهذا ما دفع روسيا والصين إلى تسريع مسارات بديلة منها فك الارتباط الجزئي بالدولار، تعزيز التبادلات الثنائيّة، تقوية التحالفات خارج النظام الغربي، وتحصين الأنظمة الحليفة، سياسيًّا وإعلاميًّا.

إذن، ما جمع روسيا والصين في هذه القضيّة هو الخوف المُشترك من سابقة نزع الشرعيّة. فإذا أصبح الاعتراف الأميركي شرطًا للشرعيّة، فإنَّ النظام الدولي كما ذكرت سابقاً، سيتحوَّل كُلُّه إلى نظام ولاءات لا قوانين. من هنا، كان موقفهما دفاعيًا استراتيجيًا لا تضامنيًا أيديولوجيًا.

فنزويلا ونظام التعددية القطبية

إذن، كيف ساهم ما جرى مع فنزويلا في تسريع الانتقال إلى نظام دولي متعدّد الأقطاب؟

ما حدث مع فنزويلا شكّل لحظة مفصليّة في وعي الصين وروسيا بأنَّ النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب الباردة لم يعد قابلًا للإصلاح من الداخل. فبدل أن يكون القانون الدولي إطارًا جامعًا، تحوّل نتيجة المُمارسات الأميركيّة إلى أداة ضغط انتقائيّة. هنا بدأ الانتقال من مرحلة “الهيمنة الأحاديّة” إلى مرحلة كسر الهيمنة، حيث لم تنجح حتّى هذه اللحظة يإسقاطها دفعة واحدة.

روسيا اختارت المسار الصدامي المباشر في أوكرانيا، مُعتبرة أنّ تأجيل المواجهة سيجعلها تظهر بموقع الأضعف. الصين، على العكس، اختارت مسار التآكل البطيء ومنها بناء بدائل اقتصاديّة، مؤسّسات موازية، تحالفات طويلة الأمد. لكنَّ القاسم المشترك بينهما هو أنَّ فنزويلا كانت دليلًا عمليًا على أنَّ أي دولة لا تمتلك حماية استراتيجيّة يمكن خنقها من دون حرب.

من هنا، لم يعد مفهوم “تعدّد الأقطاب” شعارًا نظريًا، بل ضرورة وجوديّة لهذه الدول. التعدّد لا يعني عالمًا عادلًا بالضرورة، بل عالمًا تقلّ فيه قدرة دولة واحدة على معاقبة الجميع..

يُمكن اعتبار لبنان اليوم أنّه ليس ذي قدرة ليحسم تحالفًا جامعًا في محور، لكنه أيضًا ليس مُحايدًا. هو في المِنطقة الرماديّة الأخطر، حيث يُستخدم كـساحة اختبار للتوازنات، ضغط غربي عبر المال والمؤسّسات، حضور شرقي محدود عبر عروض غير مُكتملة، والنتيجة شلل دائم

وماذا عن العالم العربي؟

إن موقع العالم العربي في ظل هذه التحولات الدولية بالغ الحساسيّة. فأغلب الدول العربيّة قرأت ما جرى مع فنزويلا بقلق صامت، لأنَّ الرسالة كانت واضحة: التحالف مع الولايات المُتّحدة لا يعني الحماية المُطلقة، والخروج عن الخط لا يعني فقط الخلاف السياسي، بل قد يعني العقاب بكل أشكاله بما فيه نزع الشرعيّة عن أمير أو ملك أو رئيس.

وربّما لهذا رأينا في السنوات الأخيرة التي ترأّس فيها ترامب أميركا، ميلًا عربيًا متزايدًا نحو تنويع الشراكات، ضمنه التقارب مع الصين اقتصاديًا، مع روسيا سياسيًا أو أمنيًا، مع الحفاظ على خطوط مفتوحة مع واشنطن. ليس بدافع تغيير المُعسكر، بل بدافع تقليل المخاطر المُفاجئة.

لكنَّ المُشكلة الأعمق في العالم العربي هي أنَّ أغلب دوله ليست فاعلًا مُستقلًّا في النظام الدولي، بل ساحة تقاطع نفوذ. وفي نظام مُتعدّد الأقطاب، الساحات تصبح أخطر من الأطراف. فالدول التي لا تمتلك مشروعًا سياديًا واضحًا تتحوّل إلى أوراق تفاوض، لا شركاء حقيقيّين.

في الخلاصة؛ ما جرى مع فنزويلا لم يكن حادثة معزولة، بل جرس إنذار عالمي. الصين وروسيا سمعتاه جيدًا وقرَّرتا الرد بإعادة تشكيل النظام الدولي. أمَّا العالم العربي، فسمعه لكنّه لم يحسم بعد إن كان سيكون لاعبًا أم أنه سيبقى ملعبًا؟.

لبنان ليس فنزويلا

في الواقع اللبناني، ما جرى مع فنزويلا يُقرأ كنموذج مُخيف لا كقصّة خارجيّة. فلبنان لا يُعاقَب على أنّه “مُعادٍ” للولايات المُتّحدة، بل لأنّه عاجز عن اتخاذ قرار واضح تّجاه المطالب الأمريكيّة بعد وقف العدوان “الإسرائيلي” الأخير. لذلك قُوبل بالعقوبات، القيود الماليّة، العزل غير المُعلن، كُلُّها أدوات شبيهة بما استُخدم مع فنزويلا ولكن بنسخة “ناعمة” على الأقل حتّى الآن. والرسالة للبنان كانت أنّ واشنطن لا تحتاج إلى إسقاط نظام أو اعتقال رئيس في لبنان طالما أنّه يخضع لإملاءاتها وشروطها لوضعه في خانة الأمان، لذلك، وحتّى حينه، يكفي بالنسبة لواشنطن تّجاه لبنان، شلّ الاقتصاد، تجفيف العملة، وتعليق المساعدات ودعم “إسرائيل” في اعتداءاتها اليومية على لبنان، وهذا بالنسبة إليهم كفيلٌ بأن يُفضي بالبلد إلى انهيار ذاتي. وفي المقابل، الصين وروسيا لم تدخلا لبنان بقوّة، ليس لعدم الرغبة، بل لأنَّ الدولة اللبنانيّة لا تملك مشروعًا تفاوضيًا واضحًا يُقدَّم لهما في ظلّ ارتماءها في الحضن الأميركي.

يُمكن اعتبار لبنان اليوم أنّه ليس ذي قدرة ليحسم تحالفًا جامعًا في محور، لكنه أيضًا ليس مُحايدًا. هو في المِنطقة الرماديّة الأخطر، حيث يُستخدم كـساحة اختبار للتوازنات، ضغط غربي عبر المال والمؤسّسات، حضور شرقي محدود عبر عروض غير مُكتملة، والنتيجة شلل دائم. وعليه، في عالم مُتعدد الأقطاب، الدول الضعيفة التي لا تحسم موقعها ولا تبني مؤسّساتها تصبح ضحيّة التوازنات فلا تستفيد منها.

Print Friendly, PDF & Email
أيمن مروة

كاتب سياسي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  "حزب الله" في موسكو.. الصورة أولاً