البابا لاوون الرابع عشر في لبنان.. امتحان العيش المشترك وفعاليّة الحوار

تأتي "الزيارة-الأمل" للبابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان في ظرف سياسي واجتماعي بالغ الحساسية، حيث يعيش البلد، كما بات معلومًا، إحدى أكثر مراحله هشاشة على مستوى العقد الوطني والعلاقات بين مكوّناته. إنّ اختيار شعار "طوبى لفاعلي السلام" (المستوحى من إنجيل متى ٥:٩، "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللَّهِ يُدْعَوْنَ") لا يحمل بعدًا روحيًا فقط، بل يُقدّم إطارًا معرفيًا لإعادة التفكير في مفهوم العيش المشترك ودور الدين في إعادة لملمة الهوية الوطنية.

تتداخل زيارة البابا لاوون الرابع عشر مع سياق يحتاج فيه اللبنانيون إلى إعادة قراءة علاقتهم بوطنهم، تمامًا كما يحتاجون إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الطوائف، وبين الطوائف والدولة. ومن هنا، فإن الزيارة، إذا أحسن اللبنانيون استثمارها، يمكن أن تشكّل مناسبة مفصلية لإعادة بناء الثقة الوطنية.

أولًا؛ الحوار والتعايش بين الأديان 

لا يمكن فصل أهمية الزيارة عن جوهر التجربة اللبنانية. فالحوار بين الأديان، الذي لطالما شكّل مكوّنًا بنيويًا في الفضاء الثقافي اللبناني، بات اليوم ضرورة سياسية تصون الدولة من الانهيار.

إنّ اجتماع الرموز الدينية حول هذه الزيارة يشكّل رسالة واضحة:

لا يمكن لأي جماعة أن تدّعي النجاة بمعزل عن الجماعات الأخرى.

فالعيش المشترك ليس مجرّد فكرة شاعرية، بل هو بُنية مؤسِّسة للكيان اللبناني، وغيابه يعني تفكّك الدولة إلى تشكيلات ما دون وطنية.

ثانيًا؛ رمزية الفعل الثقافي

من أبرز محطات الزيارة المرتقبة، المشاركة الموسيقية المشتركة في وسط بيروت، حيث ستقدّم فرقة الإمام الصدر الموسيقية عروضًا إلى جانب جوقات مسيحية وفرق فنية من طوائف أخرى.

تكمن أهمية هذا الحدث في رسالته الرمزية:

 الفعل الثقافي قادر على إنتاج وحدة وطنية حيث عجز الخطاب السياسي.

فالموسيقى، بخلاف الخطاب المعبّأ، لغة عابرة للهويّات. إن وقوف الفرق الموسيقية المختلفة على مسرح واحد ليس مجرّد نشاط فني، بل إعادة تذكير بأن المشهد اللبناني لا يُكتب بالمواجهة، بل بالتناغم. إنها صورة لوطن ممكن، لوطن طبيعي، لوطن لم نختبره بما يكفي.

ثالثًا؛ هوية الدولة واختبار الانتماءات

تصبح الدولة هشّة عندما تتقدّم الجماعات الدينية على الأمة وتستبدل الهويّة الوطنية بانتماءات أولية. أدّت الحرب الأهلية في لبنان إلى هجرة واسعة، جعلت من أميركا اللاتينية، ولا سيما البرازيل، موطنًا لأكبر جالية لبنانية تُقدّر بأكثر من ستة ملايين، أي نحو ضعف عدد سكان لبنان.

هذا الواقع يكشف أن المأزق اللبناني ليس سياسيًا فقط، بل ديموغرافي وهويّاتي.

نشأ لبنان كدولة من اتحاد اعتُبر آنذاك “مخالفاً للطبيعة” بين جماعتين متعارضتين ظاهريًا، ومع ذلك استطاع الكيان أن يصمد بالرغم من الصدامات المسلحة. إنّ فكرة الوطن اللبناني ارتبطت تاريخيًا بكونه ملجأً للمضطهدين في محيط مضطرب.

إن أردنا التوجه نحو مواطنية لبنانية جامعة، فعلينا ترسيم إطار ثلاثي لإعادة إنتاج الهوية الوطنية: حوار بين الطوائف، وحوار داخل الطوائف نفسها، وتوليف هويّاتي جامع يدمج المكوّنات المختلفة.

وهنا تبرز الإشكالية الأساسية:

عندما يغيب الحوار يصبح التنوع مصدر انقسام، وتبدأ فكرة الدولة بالتصدّع تحت ضغط الهويّات الجزئية وعندها يصبح خطر التشظّي وولادة “كيانات صغيرة” تهديدًا حقيقيًا للكيان اللبناني.

وعليه، فإن مقاومة الاحتلال يجب أن تكون فعلًا وطنيًا جامعًا، لأن السيادة لا تُبنى بمقاومات طائفية بل بإرادة وطنية شاملة.

رابعًا؛ الشعار كإطار سياسي (“طوبى لفاعلي السلام”)

الشعار الإنجيلي الذي يرافق الزيارة لا يجب التعامل معه كعنوان روحي فقط، بل كمفهوم سياسي يعاد من خلاله ترتيب هوية الدولة وأولوياتها، فهو دعوة:

 -لإعادة بناء العقد الاجتماعي بحيث تصبح الدولة مرجعية عابرة للطوائف،

 -للانتقال من منطق الدفاع الطائفي إلى منطق البناء الوطني،

 -لإقناع المواطن بأن السلام ليس ضعفًا، بل قوة مؤسِّسة.

أضف إلى ذلك أن هذا الشعار يتقاطع مع جوهر الإشكالية اللبنانية:

 كيف نصنع سلامًا يسبق الدولة ولا يُلغِيها؟

في المحصلة، زيارة البابا لاوون الرابع عشر، بما تحمله من رمزيات لاهوتية وثقافية ووطنية، قد تشكّل فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين وبين الطوائف والدولة.

 وإذا كان لبنان قد صمد لعقود بفضل تنوّعه، فإنه لن يستمرّ إلا إذا تحوّل هذا التنوع من مصدر تنافر إلى مشروع وعي وطني.

إنّ مشهد الفرق الموسيقية المتعدّدة الطوائف في وسط بيروت ليس تفصيلاً بروتوكوليًا، بل تجسيدًا لما يمكن أن يكون عليه لبنان:

وطنًا قادرًا أن يسمع نفسه.. أن يصالح نفسه وأن يبني سلامه بيده.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  إسرائيل وجيش الإحتياط.. "من دونه لا جهوزية للحرب" (1)
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  ديفيد هيل: حاكم "المركزي" بأهمية رئيس الجمهورية!