في المَظاهِر الخَادِعَة

لما دخل الرجلُ في حلته الكاملة متباهيًا، يُحيط به جمعٌ من الأعوان والحرَّاس؛ توالت تعقيباتُ الحاضرين، فرفعت درجةَ الحرارةَ حدَّ الغليان: بعدما نجح في انتخاباتِ النادي لحَس وعوده. زادت الاشتراكاتُ والتجديداتُ ومَثلت عبءً ماليًا مضافًا على الأعضاء. ليتنا ما أعطيناه أصواتنا، ظنناه إنسانًا حليمًا مُراعيًا للظروف؛ فاتضح أنه مُمثلٌ قدير. أشاحت سيدةٌ في أواسط العمر بيدها وخفضت صوتَها هامسة: "يا ما تحت السَّواهي دواهي" فأمَّن بعض الجالسين على تعليقها، وتعالت ضحكاتُ أخرين. 

السَّواهي صفةٌ مفردها ساهٍ أي؛ غافل لا ينتبه، أما الدواهي فجمع داهية أي؛ الشَّخص الخبيث الماكِر، القادر على المُناورة والتنكر، والتناقضُ بين المفردتين في الأمثولة الشعبية الأصيلة؛ يعكس فداحة الخدعة التي تعرَّض لها القائل.

***

بعضُ الأحيان يصطنع الواحد ما ليس فيه؛ إلى أن يأنس له الناسُ ويعتقدوا أنهم قد خبروه وأنه الأجدر بقيادتهم وتوجيههم، فما إن يمتلك الزمامَ ويُخضِعهم لإمرته؛ حتى تظهر حقيقته، ولا غضاضة حينها أن يقهرَهم وينكل بهم، والعادة أن يُقال: “اتمَسكِن لحد ما اتمكن”. المَسكنةُ سلوكٌ مألوف؛ يلجأ صاحبُه لادعاء الضَّعف إلى أن تدين له الظروف؛ فينفض عنه الدعةَ ويُبرِز مخالبَه.

***

أذكر في أحد الاختبارات الشفاهية بكلية الطِب، أن سألني المُمتحِن سؤالا أخيرًا على سبيل المُمازَحة؛ حول إمكانية التعرُّف على المُجرم من صورته وصفاته التشريحيَّة. ردَدتُ حينها بمثاليةٍ صادقة، مؤكدة أن الحكم على أيّ شخص لا يمكن أن يعتمدَ على تركيب ملامِحه. أخطأت ومضيت لاحقًا أبحث وأقرأ، واستوعِب مُحصلة الدراسات التي أجراها العالم الشهير لامبروزو؛ حتى أدركت أن المظهرَ قد يترجم بعض المرات الجَّوهر؛ لكني احتفظت لنفسي بهامش شك، وبمساحة انحياز لمَن استوت ملامحه على غير المُشتهى دون جريرة.

***

تذكر الأجيالُ التي عاصرت اسماعيل ياسين، دورَ الشاويش عطية الذي أداه الفنان رياض القصبجي ببراعة واقتدار؛ فأضحك المتفرجين متجاوزًا ملامحه الجَهِمة التي تشي بغلظة القلب، والظنُّ أن حياتَه كانت مأساوية إلى حد بعيد؛ إذ يُقال إنه مَرض ولما مات تعذَّر دفنه فورًا لفقر عائلته، ولم تُعرَف عنه في أيّ لحظة برغم الظروف الصعبة؛ حدةُ الطبع أو فجاجةُ المَسلك.

***

تتألف الحواسُّ الخمس المَعروفة من اللمس والشمّ والتذوُّق والسَّمع والإبصار؛ جميعها قد يختلُّ لسبب أو آخر ويُصاب بالعطب فيخطئ، أما الحاسَّة السَّادسة التي بحث أمرَها العلماءُ واستلهم أثرَها فنانون وأدباء؛ فلعلها الأكثر غموضًا، وفي أحوال متباينة الأدق تنبؤًا والأوفر صدقًا. ثمَّة مَقولة تُنسَب لعليّ بن أبي طالب نصُّها: “للناسِ ظاهرٌ والمَظاهر تخدع؛ فلا تحكمَّن بالذي ترى وتسمَع”، والقصد أن هناك دومًا ما توارى عن العين والأذن وفيه حلَّ المشكل وبيت القصيد، والأصوب أن يتقصاه الواحد ويسعى لسَبر أغواره.

***

تُميّز الملامحُ الطفولية بعضَ الأشخاص فتضفي عليهم مظهرًا بعيدًا عن الحقيقة. يتقدَّم بهم العمر بينما تظل وجوهُهم أصغر من عددِ الأعوام التي قضوها على وجه الأرض. آخرون ينضجون قبل الأوان، يلوحون أكبر سنًا؛ لا بسبب ابيضاض شعر الرؤوس أو تكاثر التجاعيد؛ إنما هي أرواحهم التي شاخت تحت وطأة الهموم، وأنهكت أجسادَهم وساقتها إلى التداعي والانهيار.

***

في قصيدته الشهيرة “واحرَّ قلباه مِمَن قلبه شَبِم”، أنشد أبو الطيب المتنبّي: “إذا رأيت نيوبَ الليثِ بارزةً.. فلا تظنَّنَّ أن الليثَ يبتسمُ”؛ والبيت ينبه قارئه إلى الحيلة التي تُصاد بها فريسة سَّاذجة وربما حمقاء؛ فالتعبير المُرتَسِم على وجه الأسد ليس بريئًا كما قد يبدو؛ إنما يخفي نوايا أخرى تتعلق بطبيعته الشرسة وغريزته الافتراسية الأصيلة، والمجاز يسري على الأحياء جميعًا، فكثير البشر قادرون على المناورة بملامح وديعة هادئة، يصعبُ أن يتصورَ المرءُ أنها تحجبُ الشرَّ المُستطير وتخلع عليه ستارًا سميكًا.

***

في التحذير من السقوط ضحية للنظرة السطحية العابرة؛ تقول الحكمة العربية: “ليس كلُّ ما يلمع ذهبًا”. للذهب ولا شكّ رونقه وبهاؤه؛ من الناس من يتقن التعرُّف عليه وتمييزه وَسط المعادن الرديئة؛ مهمًا لمعت وطاب مرآها، ومنهم أيضًا من لا يتمكَّن من اكتشافه ويحسبه كغيره رخيصَ القيمة. المثل الشَّعبيّ الموازي أكثر صراحة وأقل كياسة ولباقة إذ يقول: “من برَّه هالله هالله ومن جوَّه يعلم الله”، وما يعلمه الله هو الباطن الذي يخطئه الناس كما جرت العادة.

***

ربما أبدى المرء فرحًا وسرورًا؛ بينما الكامن في نفسه شقاءٌ ووجع؛ لا يفطن لهما المحيطون به، وفي هذا الإطار يقول المتنبي مرة أخرى: “ولا تحسبنَّ رقصي بينكم طربًا/ فالطير يرقصُ مذبوحًا من الألمِ”. الفعلُ خادع ولغةُ الجَّسد حاضرةٌ بقوة، والحال أن رقصةَ الموت عند المَهزوم فجيعة، ورقصةَ المُنتشي المَخمور بانتصاره سعادةٌ كبيرة؛ وكلتاهما ذروة مشاعر يتعذر إخفاؤها.

***

هناك من يحترف تزيينَ الثوب ويُتقن حجْبَ البقع والثقوب؛ وإذ ينخدع الناظرون في هيئته ويظنون به الكمال والروعة؛ فإنهم لا يلحظون باطنه المُتهالك، وفي هذا الصَّدد جاء المأثور: “لبّس البُوصة تبقى عَروسة”. الغفلة مؤقتة مهمًا طال الوقت ولاحت مُحكَمة؛ فمتى بليت الملابسُ وزالت الرتوش؛ تجلى الجوهر المُجرَّد، واستقرَّت البوصَة على حالها المُتواضعة.

***

قد لا يتأتى إخفاءُ الواقع ما بلغَ قدرًا عظيمًا من السُّوء، والأمثولة التي تعكس هذا المعنى تقول: “إيش تعمل الماشطة في الوِشّ العِكر”. الماشطةُ هي السَّيدةُ المَوكولةُ إليها أعمالُ التجميل الخاصة بالنساء، والأمثولة قد تُستخدَم حرفيًا في الإشارة إلى قبح الهيئة؛ وذاك أمر مُهين إنسانيًا وغير مَقبول، وقد تُستَخدَم مَجازًا في الإحالة إلى مَوقف أخلاقي؛ وذاك إسقاط ذكيٌّ مُثمَّن، كأن يقومَ فاسدٌ بأعمال خير بادية للعيان في محاولة للتغطية على الجانب المُظلم من أفعاله؛ وإذ يكلل الفشلُ مُحاولته وتبقى علته مكشوفةً للناس، لا يفلح معها تجمُّل ولا يُخفف منها تلطُّف أو تلوين؛ تصيب القولة هدفها وتحقق المُراد.

إقرأ على موقع 180  الحريري يطيح بسعد وأديب.. هذه وقائع ما قبل الإعتذار!

***

من الحِكَم اللاذعة قليلة التداول: “لا تخدعك المَظاهر؛ فهدوء المقابِر لا يعني أن الجميعَ في الجنة”. الرَّمز جليٌّ والعزاء أن الصَّمتَ العميقَ مَتبوع – كما تؤكد المأثورات – بثورةٍ عارمة أو عاصفة، والحقُّ أننا نُمنّي أنفسَنا كلما استطالت فترةُ الرقاد، وكسا الهدوءُ السَّطح وتكاثفت عليه الأتربة؛ بأن نشهدَ التغييرَ الكاسِح الذي يُعيد للحياةِ رونقها وللنفوسِ حيويتها وكبرياءَها.

(*) يُنشر بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  المَرْمَى