يُمكن النظر إلى العلاقة بين الدّولة اللّبنانيّة وإسرائيل بأنّها من أكثر ملفّات السّياسة الخارجيّة تعقيداً في الشّرق الأوسط، إذ تتداخل فيها اعتبارات السّيادة والأمن الدّاخليّ مع حساباتٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ متشابكة. فمنذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، وجد لبنان نفسه في حالةٍ مستمرّةٍ يمكن وصفها بـ«اللّا حرب واللّا سلام»، حيث شهد جولاتٍ عدّةٍ من المواجهات العسكريّة، واحتلالًا لأجزاءٍ من أراضيه، ثمّ انسحاباً إسرائيليّاً من الجنوب عام 2000، فحرباً واسعةً عام 2006، قبل أنْ تستقرّ الحدود نسبيّاً في إطار القرار 1701 وانتشار الجيش اللّبنانيّ وقوّات الأمم المتّحدة المؤقّتة في الجنوب (اليونيفيل).
في الوقت الرّاهن، يُطْرَحُ سؤال مستقبل هذه العلاقة في سياقٍ مختلفٍ جذريّاً عمّا كان عليه في العقود الماضية. فقد توسّع مسار التّطبيع بين عددٍ من الدّول العربيّة وإسرائيل، وتعمّقت في المقابل الأزمات الاقتصاديّة والماليّة في لبنان، كما برز دور فاعلين غير دولتيّين يمتلكون قدراتٍ عسكريّةً مؤثّرة، إلى جانب تحوّل أدوار قوى إقليميّةٍ أساسيّةٍ مثل إيران ودول الخليج وتركيا، فضلًا عن متغيّرات سوق الطّاقة في شرق المتوسّط.
في ضوء ذلك، يمكن توصيف الإطار الحاليّ للعلاقة بأنّه أقرب إلى «هدنةٍ غير مكتملةٍ» تتحكّم بها قواعد اشتباك ميدانيّةٌ واتّفاقاتٌ وقراراتٌ دوليّة، من دون أنْ تُتَرْجَمَ إلى سلامٍ سياسيٍّ أو اعترافٍ متبادل، بينما يُجْرَى التّعامل مع القضايا الطّارئة عبر قنواتٍ غير مباشرةٍ أو وساطةٍ دوليّة، كما حدث في مفاوضات ترسيم الحدود البحريّة الّتي أفضت عام 2022 إلى تفاهمٍ تقنيٍّ–اقتصاديٍّ في المنطقة الاقتصاديّة الخالصة.

وفي هذا السّياق، مثّل القرار 1701 الصّادر عن مجلس الأمن عام 2006 الإطار القانونيّ الدّوليّ الأبرز لتنظيم الوضع على جانبي الحدود البرّيّة، إذ يدعو إلى وقف الأعمال العدائيّة وانتشار الجيش اللّبنانيّ جنوب نهر اللّيطاني، وتعزيز وجود قوّات اليونيفيل. وقد ساهم هذا الإطار، إلى حدٍّ كبير، في تنظيم قواعد الإشتباك وبالتالي توفير هدنة امتدت من صيف العام 2006 حتى خريف العام 2023، تاريخ “طوفان الأقصى” ومن ثم بدء “حرب الإسناد”.
على المستوى الدّاخليّ، يتأثّر توجّه الدّولة اللّبنانيّة إزاء هذا الملفّ ببنية النّظام السّياسيّ وطبيعة التّوازنات بين القوى الداخلية. فالنّظام القائم على المحاصصة الطّائفيّة يضمّ طيفًا واسعًا من المواقف حيال العلاقة مع إسرائيل؛ إذ تميل بعض القوى إلى التّركيز على منطق «الدّولة والسّيادة» وضرورة حصر قرار الحرب والسّلم بالمؤسّسات الرّسميّة، فيما تعتبر قوى أخرى أنّ استمرار حالة المواجهة جزءٌ من مقاربتها السّياسيّة والإيديولوجيّة، وترى في أيّ بحثٍ عن تسوياتٍ شاملةٍ خطوةً مشروطةً بسياقاتٍ إقليميّةٍ أوسع، وفي مقدّمها مسار القضيّة الفلسطينيّة.
ويزداد هذا التّعقيد مع وجود سلاحٍ خارج إطار المؤسّسات الرّسميّة، ولا سيّما سلاح حزب اللّه الّذي كان يعلن ـ قبيل حرب الإسناد ـ أنّه جزءٌ من محورٍ إقليميّ في مواجهة إسرائيل. ونتيجةً لذلك، يصبح قرار الحرب والسّلم على الحدود الجنوبيّة مرتبطاً بعوامل داخليّةٍ وإقليميّةٍ متداخلة، الأمر الّذي يطرح بصورةٍ متكرّرةٍ في النّقاش اللّبنانيّ مسألة «الاستراتيجيّة الدّفاعيّة» ودور كلّ طرفٍ في منظومة الرّدع والدّفاع.
إلى جانب العوامل السّياسيّة والأمنيّة، تلعب الأوضاع الاقتصاديّة دورًا متزايد الأهمّيّة في تقدير مستقبل العلاقة. فمنذ العام 2019، يمرّ لبنان بأزمةٍ اقتصاديّةٍ–ماليّةٍ عميقةٍ أثّرت في قدرات الدّولة على تمويل مؤسّساتها، وأضعفت قدرتها على تحمّل أعباء أيّ تصعيدٍ عسكريٍّ واسع أو إعادة إعمارٍ محتملة. وفي الوقت نفسه، تشير استطلاعاتٌ رأي إلى رغبةٍ شعبيّةٍ واسعةٍ في الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشيّة، مع استمرار حضور القضيّة الفلسطينيّة كجزءٍ من الوعي العامّ، ما ينتج حالةً من التوتّر بين متطلّبات الاستقرار الدّاخليّ والاعتبارات المرتبطة بالصّراع.

إقليميًّا، يتحرّك لبنان ضمن بيئةٍ متغيّرةٍ على أكثر من مستوى. فمن جهةٍ، وقّعت دولٌ عربيّةٌ عدّة اتّفاقيّاتِ سلامٍ أو تطبيعٍ مع إسرائيل، الأمر الّذي أعاد تشكيل خريطة العلاقات في المنطقة، وخفّض من احتمالات الحروب التّقليديّة الواسعة بين إسرائيل وهذه الدّول. ومن جهةٍ أخرى، بقيت السّاحة اللّبنانيّة إحدى الجبهات القليلة الّتي تشهد توتّراتٍ عسكريّةً متكرّرة، ولو ضمن حدودٍ معيّنة، ما يمنحها أهمّيّةً خاصّةً في الحسابات الإقليميّة.
في موازاة ذلك، تنظر إيران إلى لبنان كإحدى ساحات حضورها الإقليميّ، وهو ما ينعكس في دعمها السّياسيّ والعسكريّ لحزب اللّه، وفي ربط جزءٍ من معادلة الرّدع على الحدود بمسار العلاقة بينها وبين إسرائيل والولايات المتّحدة. كما يشهد الإقليم محاولاتٍ لإعادة إدماج سوريا في محيطها العربيّ بعد سنواتٍ من الحرب، وهو تطوّرٌ قد يؤثّر في المدى المتوسّط في مقاربة دمشق للملفّ اللّبنانيّ وحدود لبنان الجنوبيّة، نظرًا إلى التّرابط التّاريخيّ بين المسارين السّوريّ واللّبنانيّ في محطّاتٍ تفاوضيّةٍ سابقة.
أمّا متغيّر الغاز في شرق المتوسّط فيضيف بُعدًا اقتصاديًّا–جيوسياسيًّا جديدًا للصّورة. فالاتّفاق على ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل نظريًّا يفتح الباب أمام استثمار لبنان لموارده المحتملة، ويربط في الوقت نفسه بين أيّ خلافٍ حدوديٍّ مستقبليٍّ ومصالح اقتصاديّةٍ ملموسةٍ للطّرفين. وقد يُستثمر هذا العامل كحافزٍ إضافيّ للحفاظ على الاستقرار، كما يمكن أن يشكّل بدوره مصدرَ توتّرٍ إذا ظهرت خلافاتٌ جديدةٌ حول الاستكشاف أو الإنتاج.
استنادًا إلى هذه المعطيات، يمكن رصد عددٍ من المسارات المحتملة من دون الجزم باتّجاهٍ معيّن. فاستمرار الوضع القائم، أي حالة «اللّا حرب واللّا سلم» مع ضبطٍ للتوتّرات عبر آليّاتٍ دوليّةٍ وإقليميّة، يبدو احتمالًا واردًا في ظلّ غياب توافقٍ داخليٍّ لبنانيٍّ على مسارٍ بديل، ورغبةِ أطرافٍ عدّةٍ في تجنّب مواجهةٍ داخلية تجر البلد إلى الإقتتال الداخلي. وفي المقابل، يبقى احتمال التّصعيد قائمًا إذا تدهورت الأوضاع الإقليميّة أو حدثت تطوّراتٌ ميدانيّةٌ مفاجئةٌ على الحدود أو في سياق الصّراع الأوسع بين أطرافٍ إقليميّة.
في الوقت نفسه، يطرح بعض المراقبين سيناريو استمرار التّفاهمات الجزئيّة ذاتِ الطّابع التّقنيّ–الاقتصاديّ أو الأمنيّ، على غرار تجربة ترسيم الحدود البحريّة، بحيث تُدار ملفّاتٌ محدّدةٌ عبر وساطاتٍ دوليّةٍ من دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى تسويةٍ سياسيّةٍ شاملة. كما تُناقَش، في أوساطٍ فكريّةٍ وسّياسيّةٍ لّبنانيّة، إمكانيّاتٌ نظريّةٌ لتبنّي صيغٍ من الحياد أو إعادة تعريف دور لبنان في صراعات الإقليم، غير أنّ هذه الطّروحات تبقى مشروطةً بتوافقاتٍ داخليّةٍ واسعةٍ وبقبولٍ خارجيٍّ، فضلًا عن حسم موقع السّلاح غير الرّسميّ في أيّ معادلةٍ دفاعيّةٍ مستقبليّة.
في السياق نفسه، يُمكن القول إنّ مسار العلاقة مع إسرائيل محكومٌ بتشابك مستويين رئيسيّين؛ أوّلهما داخليّ يتعلّق ببنية النّظام السّياسيّ، ووضع المؤسّسات، وطبيعة التّوافقات الممكنة حول هويّة لبنان ودوره الإقليميّ، وثانيهما خارجيّ يرتبط بموازين القوى الإقليميّة، وبمسار التّطبيع العربيّ–الإسرائيليّ، وبدور إيران وسوريا ودول الخليج، بالإضافة إلى المتغيّرات المرتبطة بملف الطّاقة في شرق المتوسّط.
في الخلاصة، يصعب في المرحلة الحاليّة الحديث عن مسارٍ واحدٍ حتميّ. غير أنّ كثيرًا من التّحليلات يشير إلى أنّ قدرة لبنان على التّأثير في هذا الملفّ ستظلّ مرتبطةً بمدى نجاحه في تعزيز مؤسّساته، وتقليص هشاشته الدّاخليّة، وبناء مساحةٍ أوسع من التّفاهم الوطنيّ حول كيفيّة مقاربة ملفّ الصّراع، سواء بقي هذا الصّراع في إطار إدارةٍ متدرّجةٍ للتوتّر، أم اتّجه في مراحل لاحقةٍ نحو ترتيباتٍ أوسع تتحدّد ملامحها وفق ما ستسفر عنه التّحوّلات الإقليميّة المقبلة. وحسناً فعل رئيس الجمهورية عندما دعا في المقابلة نفسها إلى العودة إلى اتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان وإسرائيل في العام 1949، بوصفها الإطار الأكثر مقبولية لدى جميع اللبنانيين، أو تعديلها بما يتناسب مع مقتضيات الواقع العملي، ذلك أن إتفاقية الهدنة ما زالت تشكّل المرجعية القانونية التي يُمكن للبنان أن يُعيد تثبيتها دولياً علماً أن المشكلة لم تكن في يوم من الأيام في التزام لبنان أو عدم التزامه بها، بل في استمرار الانتهاكات الإسرائيلية لها منذ توقيعها قبل 77 عاماً.
