لم يأتِ التحوّل في بنية التمثيل السياسي السنّي في لبنان من فراغ، ولم يكن مجرّد نتاج كاريزما فرد أو ظرف عابر، بل كان نتيجة مسارٍ سياسي تشكّل بعد اتفاق الطائف، وتزاوجٍ معقّد بين إعادة هندسة النظام السياسي وصعود المال السياسي بوصفه لغة الحكم الجديدة. ففي مرحلة ما بعد الحرب، لم تتشكّل حياة سياسية سنّية تعددية، بقدر ما أُعيد إنتاج النظام الطائفي بأدوات حديثة، حيث بات وزن الطائفة يُقاس بقدرتها على إنتاج زعامة مركزية تتحكّم بالشبكات الاقتصادية والخدماتية، لا بقدرتها على بلورة مشروع سياسي متنوّع.
من هنا يبرز السؤال المركزي في التجربة السنّية المعاصرة: هل كان تمركز القرار السياسي داخل الطائفة خيارًا واعيًا لصناعة زعامة قوية في زمن هشّ، أم بداية تفريغ السياسة السنّية من تنوّعها التاريخي؟ وهل شكّل انتقال الزعامة من رفيق الحريري إلى سعد الحريري استكمالًا لهذا المسار أم لحظة كشفت هشاشته البنيوية؟
ما قبل الطائف.. وما بعده
قبيل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، لم يكن التمثيل السنّي مثاليًا، لكنه كان متنوّعًا. توزّع النفوذ بين شخصيات وبيوتات سياسية بارزة، من صائب سلام في بيروت إلى رشيد كرامي في طرابلس وتقي الدين الصلح في بيروت وصيدا. اختلفوا وتنافسوا، لكنهم لم يحتكروا الطائفة، ولم يُلغِ أحدهم الآخر. كانت السياسة ساحة تنافس وتوازن، لا ملكية خاصة. هذا التعدّد أتاح تداول الأفكار والوجوه. أمّا مع صعود المرجعية الواحدة، فقد صار التنوّع يُقدَّم بوصفه خطرًا على «وحدة الطائفة»، وتحولت الوحدة من قيمة سياسية إلى أداة إقصاء.
أخطر ما في تجربة ما بعد رفيق الحريري ليس فشل زعامة وريث الدم، بل ترسيخ فكرة أنّ القيادة تُورَّث، وأن السياسة تُدار لا تُنتَج. إعادة بناء السياسة السنّية لا تبدأ بالبحث عن «زعيم ضرورة» جديد، بل بكسر هذه الفكرة نفسها، وفتح المجال أمام التنافس والتنظيم والتجريب؛ فـ«سؤال السنّة في لبنان» لم يعد سؤال أشخاص، بل سؤال دور: هل هم شركاء في الدولة أم جمهور في النظام؟ فاعلون في القرار أم مجرد متلقّين له؟ يصنعون قياداتهم أم ينتظرون من يتكلم باسمهم؟
في العام 1989، أعاد اتفاق الطائف توزيع مراكز السلطة في الدولة اللبنانية. تراجع دور رئيس الجمهورية، وتعزّز موقع رئيس الحكومة، الذي بات لاعبًا محوريًا في إدارة الدولة. هذا التحوّل منح الموقع السنّي وزنًا غير مسبوق، لكنه جعله في الوقت نفسه ساحة صراع على من يملكه وكيف يُدار.
في المقابل، كانت البيئة السياسية ضعيفة: أحزاب لبنانية منهكة، مجتمع خارج من حرب أهلية دامت خمسة عشر عاماً، واقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء سريعة. هذا الفراغ فتح الباب أمام شخصية تمتلك المال والعلاقات الخارجية لتملأه، بدعم سعودي ولا سيما من الملك فهد بن عبد العزيز.
رفيق الحريري: ولادة المرجعية الواحدة
دخل رفيق الحريري السياسة من باب الاقتصاد والعلاقات العربية والدولية، لا من بوابة الأحزاب أو التنظيمات. مشروع إعادة الإعمار الذي قاده لم يكن خطة اقتصادية فحسب، بل تحوّل إلى مشروع سياسي أعاد ترتيب التحالفات وخلق شبكة مصالح واسعة.
مع الوقت، أصبحت رئاسة الحكومة مركز جذب للخدمات والوظائف والنفوذ، وتحولت الطائفة إلى كتلة انتخابية مرتبطة بهذه الشبكة أكثر مما هي مرتبطة بنقاش سياسي واقتصادي واجتماعي مفتوح. لم تعد الزعامة تُصنع في صناديق الاقتراع وحدها، بل في القدرة على الوصول إلى مراكز المال والسلطة.
تراجعت البيوتات السياسية الأخرى تدريجيًا، لا بفعل الإقصاء المباشر، بل بسبب فقدان أدوات المنافسة في سوق سياسي جديد. صار القرار يُصنع في دائرة ضيّقة، وكل تمثيل خارجها يتقلّص هامشه مع كل استحقاق انتخابي. توحّد الخطاب السياسي السنّي حول مفاهيم «الاعتدال» و«إعادة لإعمار» و«الاستقرار» إلخ.. من دون نقاش جدّي يتناول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية. لم يكن ذلك نتيجة قمع مباشر، بل ثمرة منطق السوق السياسي، حيث يمرّ التمويل والقرار عبر مركز واحد: رفيق الحريري.
هكذا صيغ نموذج جديد للقيادة: المال بدل التنظيم، الشبكة بدل الحزب، والخدمة بدل السياسة. هكذا، تحوّلت السياسة من ساحة جدل إلى مساحة إدارة، ومن فضاء أفكار إلى مكتب خدمات واسع.
الاغتيال والوراثة: النموذج بلا روحه
شكّل اغتيال رفيق الحريري زلزالًا داخل الطائفة السنّية. انتقلت الزعامة إلى سعد الحريري وفق منطق الوراثة الرمزية، لا المسار السياسي الطبيعي. ورث سعد زعامة أكبر من تجربته، وواجه ضغوطًا إقليمية وانقسامات داخلية وتسويات متناقضة.
مع الوقت، تراجعت القدرة على تقديم مشروع سياسي واضح، وتحوّلت الزعامة إلى إدارة أزمة تلو أزمة. هذه المرحلة لم تُضعف شخص سعد الحريري فحسب، بل أضعفت فكرة المرجعية نفسها، التي لم تعد قادرة على تجديد ذاتها أو إنتاج بدائل.
وعندما علّق سعد الحريري عمله السياسي قبل سنوات عديدة، لم يكن القرار انسحابًا شخصيًا فقط، بل كشف هشاشة النموذج بأكمله. الطائفة التي اعتادت على مركز واحد لم تكن مهيّأة لإنتاج مراكز متعدّدة. لم يظهر بديل واضح، ولا مشروع سياسيًا جامعاً، وكأن السياسة كانت تدور حول شخص لا حول فكرة.
هكذا تحوّلت أزمة التمثيل السنّي من غياب زعيم إلى غياب طريقة في إنتاج الزعامة، ومن فراغ كرسي إلى فراغ فكرة.
ما بعد المرجعية
أخطر ما في تجربة ما بعد رفيق الحريري ليس فشل زعامة وريث الدم، بل ترسيخ فكرة أنّ القيادة تُورَّث، وأن السياسة تُدار لا تُنتَج. إعادة بناء السياسة السنّية لا تبدأ بالبحث عن «زعيم ضرورة» جديد، بل بكسر هذه الفكرة نفسها، وفتح المجال أمام التنافس والتنظيم والتجريب؛ فـ«سؤال السنّة في لبنان» لم يعد سؤال أشخاص، بل سؤال دور: هل هم شركاء في الدولة أم جمهور في النظام؟ فاعلون في القرار أم مجرد متلقّين له؟ يصنعون قياداتهم أم ينتظرون من يتكلم باسمهم؟
لبنان لا يتوازن بالزعامات القوية وحدها، بل بالمجتمع السياسي الحيّ.. والطائفة التي لا تُنتج سياسة ستُستعمل دائمًا في سياسات الآخرين. من هنا، فإن الخروج من أزمة التمثيل السنّي لا يكون بانتظار «رفيق جديد» أو «سعد أقوى»، بل بإعادة اختراع السياسة نفسها؛ سياسة تسمح بالاختلاف، وبسقوط الزعماء من دون سقوط الطوائف، وإلا سيتكرر الاحباط المسيحي سنياً وشيعياً ودرزياً وهلمجراً.
