في البعد التاريخي-الهويّاتي، يظهر الكرد ضمن المجال الإيراني الأوسع في غرب آسيا، مع حضور قوي لسرديات تربطهم بالعائلة الإيرانية القديمة، ومع تداول اصطلاح “الآريين” في الخطاب القومي بوصفه ركيزة رمزية تمنح الهوية عمقًا تاريخيًا. تتحول هذه السرديات إلى طاقة سردية تُغذي الشعور بالتمايز، وتمنح الجماعة إحساسًا بالاستمرارية، وتُسهم في تشكيل هوية جمعية شديدة الحساسية تجاه الاسم واللغة والرمز.
اللغة الكردية تُمثّل محورًا تأسيسيًا في بناء الهوية، فهي لغة متعددة اللهجات والمسارات، تتقدّم فيها الكورمانجية والسورانية وسواهما كعوالم داخل عالم واحد. هذا التعدد يعكس توزّع الجماعة جغرافيًا، ويُنتج في الوقت نفسه تنوعًا في الإيقاع والمفردات وطرق الكتابة. في التجربة الكردية تتحول اللغة إلى مؤسسة غير رسمية تحفظ المجتمع حين يتعرض الضغط لتمثيله السياسي، وتتحول إلى ذاكرة قابلة للنقل، ووسيلة لتربية الوعي القومي داخل البيت والمدرسة والأغنية والحكاية.
أما التوزع الجغرافي فيقدم مفتاحًا استراتيجيًا حاسمًا لفهم القضية. في تركيا يتركز الوجود الكردي في الشرق والجنوب الشرقي، ضمن فضاء ريفي ومديني يشهد توترًا طويلًا حول الحقوق السياسية واللغوية. في إيران ينتشر الكرد في المحافظات الغربية القريبة من حدود العراق، حيث يتجاور الحس القومي مع انتماء ثقافي أوسع داخل السياق الإيراني. في العراق تبلورت التجربة الأوضح من حيث المؤسسات عبر إقليم كردستان، مع إدارة ذاتية وتشكل سياسي مركزي داخل الدولة العراقية. وفي سوريا يبرز الوجود الكردي في الشمال الشرقي وأجزاء من الشمال، ضمن مشهد اجتماعي حديث نسبيًا، ازداد وضوحه السياسي في سياقات الصراع والتحولات الإقليمية.
في الطبقة الأنثروبولوجية، تتجلى ملامح المجتمع الكردي عبر قيم تبدو متكررة في سردياته وطقوسه اليومية: مكانة عالية للعائلة والقرابة، قوة الضيافة بوصفها شرفًا، حضور العشيرة أو الروابط المحلية كقوة تنظيم اجتماعي، مع نزعة واضحة إلى تحويل الغناء والحكاية إلى أدوات تثبيت للذاكرة. تتكوّن الشخصية العامة في المخيال الشعبي على صورة “الروح الجبلية”: صلابة، قدرة على الاحتمال، حسّ فطري بالحرية، واعتزاز قوي بالهوية، مع قابلية كبيرة للتكيف ضمن البيئات المختلفة، من القرية إلى المدينة إلى المنفى.

اللباس التقليدي يقدّم قراءة بصرية لهذه الهوية. يبرز لباس الرجل بوصفه عمليًا وواسعًا، يليق بالحركة والعمل في الطبيعة، مع شال أو حزام وغطاء رأس بحسب المنطقة. ويظهر لباس المرأة كاحتفاء باللون والتطريز واللمعان، مع حليّ تقليدية تضع الجسد داخل سردية جمال وهوية في آن واحد، فتغدو الألوان ليست زينة فقط، بل إعلانًا اجتماعيًا عن الانتماء والحضور.
ضمن التنوع الديني والثقافي يبرز الإيزيديون كمكوّن ذي خصوصية داخل العالم الكردي، يحمل نظامًا روحيًا وعادات متجذرة وعلاقة قوية بالأماكن المقدسة وبالذاكرة الجمعية. يضيف الإيزيديون بعدًا فسيفسائيًا للمشهد الكردي المسلم بأغلبيته، ويمنحون الهوية الكردية اتساعًا يتجاوز التصنيفات الدينية الشائعة في المنطقة.
في البعد السياسي، يتجسد المشروع الكردي في اتجاهات متعددة. يظهر خط مصطفى بارزاني بوصفه أحد الأعمدة المؤسسة للوعي السياسي الكردي الحديث، ثم يظهر امتداد ذلك في تجربة إقليم كردستان عبر شخصيات مثل مسعود بارزاني وجلال طالباني، حيث برزت البراغماتية السياسية وبناء المؤسسات والتحالفات. وبموازاة هذا المسار يبرز عبدالله أوجلان كاسم مفصلي قدّم رؤية تنظيمية وفكرية مختلفة، تقوم على إعادة تعريف السياسة من داخل المجتمع، مع أسئلة حول الإدارة الذاتية والدور الاجتماعي والعدالة. وإلى جانب السياسة، يحضر العمق الثقافي عبر اسم أحمد خاني صاحب “مم وزين” كرمز أدبي رفع اللغة الكردية إلى مقامها الملحمي، ومنح الهوية بعدًا تخييليًا حاسمًا.
أما عيد نوروز، فيأتي داخل هذه البنية بوصفه طقسًا جامعًا يعبّر عن اكتمال عناصر الهوية في لحظة واحدة: نارٌ تعلن بداية دورة جديدة، خروجٌ جماعي إلى الطبيعة، ألوان تتحول إلى رايات، ودبكات تصنع شكلًا دائريًا يشبه حماية الذاكرة. في هذا العيد يتحول الرمز إلى ممارسة، وتتحول الجماعة إلى جسد واحد يكتب هويته بالفرح، ويستعيد مكانه في العالم عبر الاحتفال.
في أوروبا، يظهر الشتات الكردي كامتداد معاصر للقضية، خصوصًا في ألمانيا حيث تتشكل حياة كاملة من التنظيم المدني والعمل الثقافي والإعلامي، مع صراع داخلي بين الاندماج والمحافظة على اللغة والذاكرة. هناك تتحول الهوية إلى مشروع يومي: مدرسة، جمعية، موسيقى، فعالية عامة، وخطاب حقوقي، فتغدو أوروبا ساحة ثانية لتمثيل القضية وتدويل رموزها.
بهذا المعنى، تبدو المعضلة الكردية كقضية هوية تتكامل عناصرها الثقافية والاجتماعية بقوة، وتسعى نحو اكتمال سياسي يظل مرهونًا بتوازنات إقليمية صعبة. شعبٌ حاضر في لغته ولباسه وطقوسه وأعياده، يكتب ذاته باستمرار، ويقاوم التلاشي عبر ذاكرة جماعية تشبه نارًا صغيرة تقاوم رياح التاريخ.
