أميركا: الانتخابات النصفية وفوضى التمويل و”إيباك”.. وفنزويلا!

بدا لي من على بُعدٍ أن أحد أهم هواجس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الانتخابات المقررة لملء مقاعد نصف عدد أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب في الخريف المقبل.

بالطبع، هناك هواجس أخرى لا تقل أهمية بل وبعضها يتشارك في الاهتمام به رأي عام دولي وشركات كبرى تعمل في مجالات التعدين واستخراج النفط أو تسويقه وشركات أخرى تعتمد على السوق الأمريكية وتخشى عواقب زيادات في التعريفات الجمركية يُقرّرها ترامب كعقوبة على دول عارضت قرارًا من قراراته غير المدروسة أو أغضبه تصرف قائد من قادتها.

أهمية الانتخابات النصفية كهاجس يُقلق راحة الرئيس الفريد في أسلوب حكمه هي في أنها، أقصد الانتخابات، محكوم عليها مقدمًا – حتى لو جاءت بما لا يحب الرئيس – بأنها مزورة وتستحق بالتالي إثارة جماعات من الغوغاء لإعلان التمرد ضد السلطات المحلية وإشعال نيران شغب يستدعي استدعاء فرق من الحرس الوطني ضد إرادة السلطات المحلية والشرعية.

***

إلا أن هذه الانتخابات تحديداً تختلف عن غيرها، وهو الأمر الذي أكدته تحركات واستعدادات عدة وعلى مستويات مختلفة، أوجز بعضها في النقاط الآتية:

أولاً؛ نشاط غير عادي لقيادات وأعضاء بارزين في جماعة “إيباك” الصهيونية المسئولة فعليًا عن تمويل الحملات الانتخابية لمرشحين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي تختارهم الجماعة، وفور فوزهم يقع الاختيار على بعض منهم ممن أثبتوا ولاءً للصهيونية واستعدادًا لدعم سياسات إسرائيل. هذه المرة يختلف الأمر من حيث حجم التمويل وشروط الاختيار. إذ يُلاحظ منذ بداية العام الجديد، وهو عام التجديد النصفي للمجلسين، أن فحوصًا تجري على سلوك المرشحين للتجديد خلال العامين المنصرمين وبخاصة خلال فترة جرت فيها أكبر عملية إبادة للفلسطينيين في قطاع غزة، وخرج نواب وشيوخ عن تعهدهم الدفاع عن إسرائيل وسياساتها. هؤلاء سوف يخضعون لانتقام “إيباك” وتحيزات أنصار إسرائيل في قيادة الحزبين.

***

ثانيًا؛ هذه أول انتخابات تجرى على المستوى الوطني بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض محمولًا على موجة من دعم أنصار “حركة من أجل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (MAGA). يذكر هنا أن هذه الحركة واجهت أول تمرد في داخلها على يد الناشط الشاب ريتشارد كيرك الأقرب في تنظيم الحركة إلى ترامب. والجدير بالذكر أيضًا أن هذا الشاب لم يتردد في إعلان معارضته والتيار الذي يقوده لسياسة الحزب الجمهوري ومجلسي النواب والشيوخ والقيادات السياسية بشكل عام، وهي السياسة المؤيدة لإسرائيل على طول الخط، ولحجم المعونات التي تُخصّص كل عام لإسرائيل وإن على حساب الطبقات المحتاجة في الولايات المتحدة.

والمثير في الموضوع هو اغتيال هذا الناشط الشاب خلال اجتماع خطابي حضره المئات من أنصاره في حركة “ماغا”، أقصد “حركة من أجل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، وفي اليوم ذاته، عمّت واشنطن الاتهامات عن مسئولية “الموساد” الإسرائيلي عن مقتل الشاب كيرك. والمثير للانتباه أن لا أحد من المسئولين في حكومة ترامب اهتم بالبحث أو التحقيق، بل كان واضحًا أن القرار اتخذ بالتزام الصمت والتعتيم على كل مظاهر الغضب داخل الحركة.

***

ثالثًا؛ في العام ذاته، أي العام الأول من ولاية ترامب الثانية، أخطأ الرئيس الأمريكي ومساعدوه، باتخاذ قرار غزو فنزويلا. أحدث هذا القرار هزة سياسية جديدة داخل الحركة الداعمة للرئيس ترامب بسبب الأصداء الدولية والداخلية المنددة بالقرار وبخاصة أنه اُتخذ من دون العودة إلى الكونجرس للحصول على تأييد مسبق لعملية الغزو؛ الخطأ الذي كثيرًا ما حذر من ارتكابه مختلف المشرعين على امتداد الحكومات. تضاعف حجم الضرر السياسي الناجم عن هذا الخطأ عندما تأكد أن حكومة ترامب لم تكن مزودة بخطة عمل سياسية أو اقتصادية تبرر هذا الغزو وتأتي في أعقابه.

والجدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي حاول تصحيح الخطأ بعقد اجتماع دعا إليه رؤساء جميع الشركات العملاقة العاملة في استخراج وتسويق النفط، وجميعهم حسب ما تسرب إلى أجهزة الإعلام رفض الاستثمار في فنزويلا برغم أنها صارت تحت إدارة أمريكية وأن ترامب عيّن نفسه رئيسًا لها حسب أحد تصريحاته. هذا الموضوع برمته يمثل نكسة شديدة للحزب الجمهوري فضلًا عن أنه كشف عن خلل شديد في بنية الحزب الديموقراطي وربما ألمح إلى صعوبة أن يحقق هذا الحزب أي تقدم في الانتخابات النصفية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الحالي.

***

رابعًا؛ استطرادًا للحديث عن حال الحزب الديموقراطي في سنة انتخابية، أي في سنة حاسمة في النظام السياسي الأمريكي، أضيف أنه ليس غائبًا عن ذهن الكثيرين في أمريكا وبخاصة ترامب الذي لم يكف عن توجيه الإهانات، إهانة بعد أخرى، للمسئولين في هذا الحزب، ليس غائبًا عن بالهم واقع أن الحزب الديموقراطي لم يعثر بعد على رئيس جديد يقود الحزب بعد أن تخلى الرئيس السابق جو بايدن عن الترشح للرئاسة ضد ترامب وتقرر ترشيح السيدة كاميلا هاريس بدلًا منه.

إقرأ على موقع 180  النظام الدولي، أمريكا والشرق الأوسط نحو الانحدار

والمُقدّر حتى الآن من حيث المبدأ أن يتنافس على رئاسة الحزب في هذه السنة لقيادة الانتخابات النصفية السيدة هاريس وجافين نيوسوم حاكم ولاية كاليفورنيا، ويبدو أن الحزب لا يزال عاجزًا عن حسم هذا التنافس والبدء في التعامل مع مجموعة من الكوارث تسبب فيها ترامب بسياساته غير المدروسة وخضوعه لتوجيهات وتدخلات الحكومة الإسرائيلية والهيمنة المتصاعدة والمزودة باجراءات مستحدثة من جانب منظمة “إيباك” الصهيونية.

والمثير مؤخرًا ما يتردد عن تطورات دفعت إلى سطح الأحداث بتسريبات تلمح إلى ضغوط تبذل لحث زهران ممداني عمدة نيويورك الجديد على التقدم بحملة لشغل منصب رئيس الحزب الديموقراطي.

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

دبلوماسي مصري سابق، كاتب متخصص في القضايا الدولية

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  شرقٌ جديدٌ.. إيران، تركيا وإسرائيل وَرَثة أميركا