ترامب وإيران: هل من أمل في حلّ دبلوماسيّ ما؟

١/ تراكم ضغط وحصار (اقتصاديّ وتكنولوجيّ وصناعيّ وسياسيّ وعسكريّ وأمنيّ)؛ ٢/ تراكم ضرباتٍ عسكريّةٍ وأمنيّةٍ غير طويلة الأمد إذا أمكن، ومن الحين إلى الآخر حين يُمكن ذلك أيضاً؛ ٣/ مع مساهمة مستمرّة في تأجيج المشاكل الدّاخليّة حيث تيسّر ذلك. هكذا تبدو أعمدة التّوجّه الأميركيّ-الاسرائيليّ-الغربيّ الأساسيّة حتّى الآن.. في سبيل الوصول، في "لحظة ما" قريبة أو متوسّطة الأجل، إلى انهيار النّظام الاسلاميّ الحاليّ في إيران، بشكل أو بآخر.

الخطّة تبدو تراكميّة الطّابع إذن حتّى الآن، مع محاولةٍ لتسريعِ الأحداث على الطّريقة التّرامبيّة إذا أمكن ذلك للأميركيّ وللإسرائيليّ.

في المحصّلة، بات من الواضح، خصوصاً بعد أحداث الأسابيع الثلاثة الأخيرة، أنّ نظام “الجمهوريّة الاسلاميّة” يملك نقاط قوّة لا يُستهان بها أبداً، وهي التي منعت- في المرجّح شبه الأكيد- توجيه ضربات عسكريّة له في مناسبات متعدّدة. ومن أهمّ نقاط القوّة هذه، مع الاختصار:

  • تماسك الكتلة الشّعبيّة الأساسيّة المؤيّدة للنّظام، والتي ظهرت مؤخّراً على أنّها لم تزل تُمثّل الأغلبيّة الاجتماعيّة والسياسيّة والأيديولوجيّة- إن جازت التّعابير- وإلى حدّ لا يُستهان به نسبيّاً. وهي الكتلة المتأثّرة عموماً وإلى حدّ كبير: بالجانب القوميّ، الممزوج بالجانب الاسلاميّ.. والشّيعيّ تحديداً، بحسب الوصفة الايرانيّة الفريدة والمعروفة عموماً للمراقبين الجدّيّين؛
  • تماسك فعاليّة ما يمكن تسميته بالقوّة التّعبويّة والحزبيّة- بمعنى “الحزبلّاهيّة” كما يُعبّر البعض- وإن جازت التّعابير هنا أيضاً؛
  • صلابة واستمراريّة الرّمزيّة القياديّة التي يُمثّلها شخص المرشد الأعلى، السّيّد علي الخامنئيّ، ومركزيّتها العمليّة أيضاً: لدى هذه الفئات المذكورة بشكل خاصّ وصولاً إلى شرائح واسعة ومتنوّعة من الشّعب الايرانيّ عموماً؛
  • صلابة البنية الأمنيّة والعسكريّة الدّاخليّة إلى حدّ كبير نسبيّاً؛
  • متانة التّوازن النّسبيّ القائم في ما يعني توزيع الأدوار- ومساحات القوّة- بين المؤسّسات الدّستوريّة الأساسيّة، وإلى درجة لافتة للانتباه واقعاً؛
  • استمراريّة الفعاليّة العالية نسبيّاً لأوراق القوّة الخارجيّة الرّئيسيّة، وذلك بالرّغم من تلقّي عدد من الضّربات في السّنتَين الأخيرَتَين. يُمكن الحديث هنا بشكل أساسيّ:

(١) عمّا بات يُمكن تسميته بتشابك المخاطر الوجوديّة، أو بالاشتراك في عدد من مخاطر الأمن القوميّ أقلّه، مع أهمّ دول الجوار؛

(٢) عن البرامج العسكريّة الدّفاعيّة، لا سيّما منها البرنامج الصّاروخيّ، والذي يُهددّ عمليّاً بتفجير أمن المنطقة برمّتها عندما يقتضي الأمر، عدا عن تهديده المُعلن أو المبطّن بالإضرار المباشر بالمصالح الأميركيّة؛

(٣) عن شبكة الحلفاء في الإقليم، والتي تُشكلّ معضلات متعدّدة ومتنوّعة، وبنسب متفاوتة، للأميركيّ وللإسرائيليّ ولبعض حلفاء الغرب في المنطقة.. من دون أن تضطّر “الجمهوريّة الاسلاميّة” عادةً إلى مطالبة أيّ من هؤلاء الحلفاء بالتّحرّك المباشر عندما تتلقّى إيران تهديداً بعملٍ عسكريّ مباشر.

إذن، وباختصار؛ الخطّة الأميركيّة-الاسرائيليّة-الغربيّة لإسقاط النّظام في إيران باتت- أكثر فأكثر- واضحة المعالم بشكل عامّ. ونقاط القوّة التي تمتلكها إيران، بالمقابل، باتت واضحةً أكثر أيضاً، ومُثبتةً إلى حدّ كبير نسبيّاً بالتّجربة الحيّة المتحرّكة أسبوعاً بعد أسبوع.

الكباش الكبير هذا مُستمرّ إذن على الأرجح، ويبدو أنّه قد يستمرّ في الأسابيع المقبلة.

والسّؤال المركزيّ الذي يطرح نفسه عند هذا الحدّ هو: هل من أمل بعدُ بمخرج دبلوماسيّ مع كلّ ما سبق؟

إنّ كلّ مراقب موضوعيّ يُلاحظ اليوم أنّ الصّورة الواقعيّة معقّدة، ومعقّدة جدّاً، إلى يومنا هذا أقلّه.

فنحن لم نزل، حتّى الآن، في تموضع صفريّ كما يُعبّر بعض علماء الرّياضيّات والاحتمالات.

لماذا؟ لنتذكّر سويّاً الملفّات أو المواضيع الأساسيّة المطروحة على طاولة التّفاوض الجاري- بشكل أو بآخر- بين الطّرفَين.

أمّا في ما يعني الموضوع الأوّل، وهو “البرنامج النّوويّ الايرانيّ”، أي الموضوع الذي تضعه الإدارة الأميركيّة على رأس أولويّاتها (أقلّه ظاهراً): فلا يبدو أنّ القيادة الايرانيّة معنيّة بأيّ تنازل من النّوع الجذريّ في ما يعني “الصّفر تخصيب” أو الاتّجاه صوب شيء من هذا القبيل على أرض الواقع الجدّيّ.. بينما يُشكّل هذا الاتّجاه نفسه، في المبدأ، قَلب المطلب الذي لم يزل يجنح صوبه التّوجّه الأميركيّ عموماً؛ ولا يبدو أن إدارة ترامب مستعدّة للتّنازل حوله بشكل جذريّ وجدّيّ حتّى الآن.

وأمّا في ما يعني الموضوع الثّاني، الأساسيّ أيضاً بالنّسبة إلى أميركا وحلفائها، بالرّغم من عدم بلوغه ظاهراً لنفس درجة الأولويّة في ما يعلنون بشكل رسميّ أقلّه – أي “البرنامج الصّاروخيّ الاستراتيجيّ الايرانيّ” (المعبّر عنه بالبرنامج الباليستيّ في أحيان كثيرة): فلا يبدو، كذلك، أنّ قيادة الجمهوريّة الاسلاميّة في وارد التّنازل عن ورقة بهذا الحجم الوقائيّ والدّفاعيّ والاستراتيجيّ.. في حين أنّه بات من الواضح الجليّ حجم الاشكاليّة التي تُسبّبها القدرات الصّاروخيّة الايرانيّة بالنّسبة إلى “إسرائيل” وإلى الولايات المتّحدة وسائر حلفائهما في المنطقة.

ضمن الاطار عينه، قد يكون من البديهيّ الادّعاء في هذا المجال: إنّ هذا البرنامج الصّاروخيّ هو نفسه المساهم الأوّل، على أرض الواقع، في دفع أعداء إيران-إلى حدّ كبير- عن ضربها بشكل مباشر وبِحرّيّة نسبيّة معيّنة. فهل من العقلانيّ الواقعيّ: ترجيح أن تتقبّل القيادة الايرانيّة التّنازل عن نقطة بهذه القوّة النسبيّة.. خصوصاً في سياق دوليّ واقليميّ كهذا السّياق (القريب والمتوسّط الأفق الزّمنيّ في أقلّ تقدير)؟

وأمّا في ما يعني الموضوع الثّالث، الأساسيّ أيضاً ولو بشكل أكثر باطنيّةً نسبيّاً إن جاز التّعبير، والحاضر على الدّوام في ذهن المفاوض الأميركيّ والغربيّ، وهو موضوع حلفاء إيران في المنطقة (أو “وكلائها” كما يُسمّيهم أعداء الجمهوريّة الاسلاميّة عادةً): فيبدو كذلك أنّ الفلسفة الايرانيّة في ما يعني هذه القضيّة ثابتة وعميقة (وقد يدّعي البعض أنّها متجذّرة في التّاريخ الايرانيّ والتّاريخ الفارسيّ، وهذا بحث آخر). من غير الواقعيّ، بناء على هذه الفلسفة المقرونة بجانب عقلانيّ بعيد الأمد وبجانب أيديولوجيّ صلب جدّاً نسبيّاً.. وبناء على التّجربة المتجدّدة مع إيران الإمامَين الخمينيّ والخامنئيّ: من غير الواقعيّ توقّع أن تطلب إيران- بأيّ شكل من الأشكال- من حلفائها التّنازل لمصلحة تفاوضها الفرديّ مع الغرب. في العموم، ولأسباب متعدّدة ذكرنا بعض أهمّها إذن، لا أعتقد أنّ هذه طريق تُوصل-خصوصاً ضمن الحال التّفاوضيّة الرّاهنة- إلى حلول جذريّة أو حاسمة مع الجمهوريّة الاسلاميّة (لا سيّما بقيادتها الحاليّة).

إقرأ على موقع 180  إسرائيل "اليمينية".. تحوّلات إقليمية ودولية

في العموم أيضاً، إنّه من الواضح كما أشرنا، لا سيّما انطلاقاً من النّقاط الأساسيّة السّابقة: أنّ الوضع صعبٌ ومعقّدٌ إلى حدّ كبير من الزّاوية الدّبلوماسيّة/السّياسيّة. نحن لم نزل، إلى الآن، وعلى الأرجح: ضمن معادلة رابح-خاسر/خاسر-رابح وإلى حدّ كبير نسبيّاً.. وهذا ما يُمكن أن يُفسّر التّحضيرات الغربيّة المستمرّة، في الاعلام وفي غيره، لاندلاع “حرب” أو “ضربة” ما في أيّ لحظة..

“حرب” أو “ضربة” محتملتَين، من شأنهما، ربّما، إعادة خلط الأوراق الدّبلوماسيّة/السّياسيّة هذه، بحسب النّتائج التي يُمكن أن تأتيَ بها الأوراق العسكريّة والأمنيّة من الجهَتَين (ضمن سياق حرب غير متماثلة طبعاً).

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الإستحقاق الرئاسي السوري.. مفتاح التغيير الداخلي العميق