من الصعود إلى إعادة التموضع: الفواعل المسلحة غير الدولتية في الشرق الأوسط

في العقدين الأخيرين، شهد الشرق الأوسط تحوّلات عميقة في بنية الأمن والسياسة، أعادت رسم خريطة الفواعل المؤثرة، وأبرزت ظاهرة الفاعلين المسلحين من غير الدول بوصفهم لاعبين مركزيين، لا مجرد أطراف هامشية في الصراعات. فقد ترافق تراجع الدولة الوطنية، وتآكل مؤسساتها، وتفكك قدرتها على احتكار العنف المشروع، مع صعود جماعات مسلحة استطاعت أن تملأ فراغات السلطة والأمن، وأن تفرض نفسها جزءًا من المعادلة السياسية والاجتماعية، سواء بالقوة الميدانية أو بالشرعية الرمزية والهوياتية.

لم يكن هذا الصعود حدثًا عرضيًا أو استثنائيًا، بل جاء نتيجة مسار طويل من الأزمات البنيوية التي أصابت عددًا من دول المنطقة. ففي بيئات اتسمت بضعف الحكم، وانقسام النخب، وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية وضبط المجال العام، وجدت الفواعل المسلحة مساحة واسعة للتحرك والتمدّد. وساعد على ذلك تداخل الصراعات المحلية مع أجندات إقليمية ودولية، ما حوّل هذه الجماعات، في كثير من الأحيان، إلى أدوات أو شركاء في نزاعات تتجاوز حدود الدولة الوطنية نفسها.

برز هذا التحوّل بوضوح في دول مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن وفلسطين، حيث تجاوزت الفواعل المسلحة دورها العسكري التقليدي، لتتحول إلى قوى سياسية واجتماعية تمتلك شبكات دعم، وخطاب شرعية، وقدرة على التأثير في القرار العام. في هذه السياقات، لم تعد الدولة الفاعل الوحيد القادر على فرض النظام أو توفير الأمن أو التحكم بقرار الحرب والسلم، بل نشأت صيغ هجينة من السلطة، تتداخل فيها مؤسسات الدولة الرسمية مع نفوذ قوى مسلحة تعمل خارج إطارها القانوني، من دون أن تكون في قطيعة كاملة معها.

ويتميّز الفاعلون المسلحون من غير الدول بخصائص تجعلهم مختلفين عن التنظيمات الإجرامية البحتة من جهة، وعن الجيوش النظامية من جهة أخرى. فهم جماعات منظمة تمتلك قدرات عسكرية أو شبه عسكرية، وتتحرك خارج الإطار الرسمي للدولة، لكنها غالبًا ما تحمل بُعدًا سياسيًا أو أيديولوجيًا، وتطرح نفسها ممثلًا لهويات جماعية أو قضايا كبرى، كالمقاومة أو الدفاع عن الطائفة أو الجماعة. وتتراوح علاقتهم بالدولة بين الصراع المباشر، والتعايش القلق، والتداخل الوظيفي، تبعًا للسياق السياسي وموازين القوى.

وقد حاولت الأدبيات التحليلية تفسير صعود هذه الفواعل عبر مقاربات متعددة. تركز مقاربة الدولة الضعيفة على تراجع السيادة وانهيار المؤسسات، باعتبارهما المدخل الأساسي لظهور قوى مسلحة بديلة تسعى لملء الفراغ الأمني والسياسي. في حين تبرز المقاربة الهوياتية دور الانقسامات الطائفية والإثنية والأيديولوجية في شرعنة العنف السياسي، وتحويل الجماعات المسلحة إلى ممثلين لهويات جماعية تشعر بالتهديد أو التهميش. أما المقاربة الجيوسياسية، فتنظر إلى هذه الفواعل بوصفها جزءًا من صراعات إقليمية ودولية أوسع، حيث يوفّر الدعم الخارجي لها شروط البقاء والصمود والتأثير.

إنها مرحلة انتقالية يمكن توصيفها بـ«الأفول النسبي» أو إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث تتراجع القدرة على فرض الوقائع بالقوة الصلبة، وتتقدّم معارك النفوذ والشرعية والتكيّف المؤسسي. وهي مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، يظل مستقبلها مرتبطًا بقدرة الدول على إعادة بناء مؤسساتها، واستيعاب التعدد الاجتماعي والسياسي، وضبط المجال الأمني ضمن أطر شرعية جامعة

شكّل عام 2011 نقطة تحوّل مفصلية في هذا المسار، إذ أدّت الانتفاضات الشعبية العربية، وما تلاها من صراعات داخلية وتدخلات خارجية، إلى إضعاف عدد من الدول المركزية في المنطقة، وإعادة تشكيل بنية النظام الإقليمي. وقد أسفر ذلك عن تفكك جزئي أو كلي في مؤسسات الدولة، ولا سيما الأمنية والعسكرية، ما خلق فراغات واسعة سارعت الفواعل المسلحة إلى ملئها. ومع ذلك، لم يكن صعود هذه الجماعات نتيجة مباشرة للحراك الشعبي بحد ذاته، بقدر ما كان نتيجة لمسار عنيف اتسم بانهيار التوافقات السياسية، وتدويل الصراعات، وتحويلها إلى ساحات تنافس إقليمي ودولي.

ومع تراجع قدرة الدولة على احتكار القوة، أُعيد تعريف العنف بوصفه أداة مشروعة للوصول إلى السلطة أو الدفاع عن المصالح والهويات. ولعب الاستقطاب الطائفي والإثني دورًا محوريًا في إنتاج خطاب تعبوي يبرر استخدام السلاح، ويمنح الفواعل المسلحة درجة من القبول الاجتماعي داخل مجتمعاتها الحاضنة. كما أسهم الدعم الخارجي، العسكري والمالي والسياسي، في تعزيز قدرتها على الصمود، بل ودفع بعضها إلى الانتقال من العمل العسكري الخالص إلى الانخراط في المجال السياسي، عبر المشاركة في الانتخابات، أو فرض نفسها شريكًا في الحكم، أو السيطرة غير المباشرة على القرار السياسي.

غير أنّ مرحلة ما بعد 2011 لم تكن خالية من القيود البنيوية. فقد أدّى طول أمد الصراعات، واستنزاف الموارد، وتغيّر المزاج الشعبي، إلى تراجع القدرة على الحفاظ على الزخم نفسه. وارتفعت كلفة العنف داخليًا وإقليميًا، سواء من حيث الخسائر البشرية، أو الانهيار الاقتصادي، أو تآكل الشرعية. ومع مرور الوقت، بدأت الفواعل المسلحة تواجه أسئلة داخلية وخارجية حول جدوى استمرار العمل المسلح خارج إطار الدولة، وحول حدود قدرتها على تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي مستدام.

في هذا السياق، شهدت البيئة الإقليمية والدولية تحوّلًا ملحوظًا، تمثّل في تصاعد الضغوط لإعادة ضبط المجال الأمني، وإعادة الاعتبار لمفهوم الاستقرار بوصفه أولوية تتقدّم على سياسات إدارة الفوضى أو الصراع المفتوح. وقد تجلّت هذه الضغوط في العقوبات، والعزل السياسي، وربط المساعدات بالإصلاحات المؤسسية، ما قلّص هامش الحركة المتاح للفاعلين المسلحين، ودفعهم إلى التكيّف مع معايير جديدة للقبول السياسي.

إقرأ على موقع 180  هل تلقى بايدن "جرعة خبرة" بمنطقتنا؟

وتختلف مسارات هذا التحول من دولة إلى أخرى. ففي اليمن والسودان، حيث ما تزال الدولة تواجه أزمات عميقة ومستمرة، تحتفظ الفواعل المسلحة بهوامش واسعة من التأثير، برغم الاستنزاف المتزايد للموارد والشرعية. أما في لبنان والعراق، فتتسم التحولات بدرجة عالية من التعقيد، إذ يتداخل السلاح بالسياسة، ويتحوّل النفوذ من السيطرة الميدانية المباشرة إلى التأثير داخل مؤسسات الدولة والهياكل شبه الرسمية، وسط نقاش داخلي متصاعد حول مستقبل الدولة واحتكارها للعنف.

في فلسطين، يظل العامل الخارجي، المتمثل في الاحتلال، محددًا رئيسيًا لطبيعة دور الفواعل المسلحة وشرعيتها، ما يجعل الحديث عن «الأفول» أكثر تعقيدًا. فهنا لا يعني التراجع النسبي في الدور العسكري اختفاء الظاهرة، بقدر ما يعكس تحوّلًا وظيفيًا تفرضه توازنات القوة والضغوط الإقليمية والدولية. وفي سوريا، أدّى تفكك الدولة بعد 2011 إلى صعود غير مسبوق للفواعل المسلحة، غير أنّ التطورات الأخيرة، وما رافقها من تغيّر في المعادلة السياسية والعسكرية، أسفرت عن تراجع تدريجي لدور هذه الفواعل، وانتقالها من الهيمنة الميدانية الواسعة إلى نفوذ محدود ومقنّن داخل الدولة والمجتمع.

انطلاقًا من ذلك، يمكن النظر إلى مفهوم «أفول عصر الفاعلين المسلحين من غير الدول» بوصفه توصيفًا تحليليًا نسبيًا، لا حكمًا نهائيًا. فبينما تتراجع قدرتهم على التوسّع المباشر وغير المنضبط، لا تزال لديهم قابلية للتكيّف وإعادة إنتاج حضورهم بأشكال مختلفة، ولا سيما في البيئات التي لم تُحسم فيها أزمات الدولة والشرعية. ويبدو أنّ الشرعية السياسية، والقدرة على الاندماج الجزئي ضمن الدولة أو الهياكل الهجينة، أصبحت أكثر أهمية من القوة المسلحة وحدها.

في المحصلة، لم يعد السؤال المركزي يتمحور حول صعود الفاعلين المسلحين من غير الدول، بقدر ما بات يدور حول تحوّلات أدوارهم وحدود تأثيرهم في مرحلة تعيد ترتيب أولويات الأمن والسياسة في الشرق الأوسط. إنها مرحلة انتقالية يمكن توصيفها بـ«الأفول النسبي» أو إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث تتراجع القدرة على فرض الوقائع بالقوة الصلبة، وتتقدّم معارك النفوذ والشرعية والتكيّف المؤسسي. وهي مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، يظل مستقبلها مرتبطًا بقدرة الدول على إعادة بناء مؤسساتها، واستيعاب التعدد الاجتماعي والسياسي، وضبط المجال الأمني ضمن أطر شرعية جامعة.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ما بعد سوريا.. ماذا ينتظرنا من مفاجآت؟