خطاب الثورة والأثر الديني
ما هو إلا خطابٌ أخلاقي نقدي ومعاصر يركّز على الشعور بالكرامة والحرية، أما الأثر الديني فهو يحفز على الفعل الثوري المنتج الذي يغير الواقع ولا يقنع بما هو عليه.
باعتقادي هذا الخطاب في هذه اللحظات المتشابكة اليوم عليه امتلاك القدرة على إنتاج المعنى فليس هو باعث لثورة تبتلع أناسها، فالديناميات الثورية تظل حية ما دامت تنتهج المعرفة كمقدمة للفاعلية والنشاط الإنساني وتمكِّن من قيام مجتمع سياسي يواكب وتيرة التسارع في تغير المجتمع وأنماط ثقافته، إذ كلما ابتعدت الأمة عن دورها المعرفي زاد اغترابها وتخبطها وهذا ما ينبغي الحذر منه.
مراحل الثورة في إيران
قامت الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، في وجه سياسة عقد الصفقات والترتيبات السياسية كما يشتهي الغرب.
في العام 1962، دعا الإمام الخميني إلى مواجهة الملكية حاثاً المرجعيات الدينية وأبناء الشعب للإنتفاضة.
اعتقال الخميني
في آذار/مارس عام 1963، جرت مهاجمة المدرسة الفيضية بمدينة قم، ليتم اعتقال الإمام الخميني، ما أدى إلى هبة شعبية عارمة وبعدها أعلنت الأحكام العرفية وجرى قمع التظاهرات وعلى أثر غضب الشارع اضطر النظام إلى إطلاق سراح الخميني.
منفى الخميني وعودته
وجدت السلطة في زمن الشاه محمد رضا بهلوي أن امتصاص النقمة الشعبية هو في نفي الإمام الخميني فتم نفيه إلى تركيا.
في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 1965، غادرالإمام الخميني تركيا إلى منفاه الثاني في العراق ليدشن مرحلة مفصلية للثورة.
ونتيجة ظروف سياسية ضاغطة في العراق، توجه الخميني إلى باريس حيث أقام في إحدى ضواحي العاصمة الفرنسية.
في 12 كانون الأول/ديسمبر، خرج إلى شوارع طهران نحو مليوني شخص مطالبين بإسقاط الشاه وعلى أثر ذلك غادر الشاه إيران وعاد الإمام الخميني إلى وطنه في الأول من شباط/فبراير 1979.
لا تتمنوا سقوط الدولة
إلى الذين يتمنون سقوط الدولة في إيران، فإن الوضع الجيوسياسي لا يساعد في الاستقرار حال انهيار الدولة مع غياب البديل المتماسك ولن يستطيع أحد إدارة هذه التداعيات المنبثقة عن هذا الخليط الديموغرافي السكاني بقومياته وإثنياته وأديانه.
الأكراد في الشمال الغربي والبلوش في الجنوب الشرقي والأهوازيون في خوزستان والأذريون في الشمال.
تركيا لها حساسية كبيرة تجاه الملف الكردي ولا تريد خلق توترات في جنوب شرق حدودها مع إيران.
خوزستان التي تضم العرب ليس من مصلحتها خلق وضع انفصالي غير مضمون النتائج لأن من شأنه أن يفرض تحديات لا يتحملها الوضع العربي.
باكستان هي الأخرى تتوجس من القومية البلوشية؛ وتتخوف من التحديات الأمنية الداخلية.
أما أذربيجان، فهي تخاف من فورة التوترات العرقية بما يزعزع الاستقرار على جانبي الحدود.
بالنسبة لإسرائيل التي تتمنى سقوط النظام؛ فإن ذلك لا يمنع بالضرورة من قيام نزعات معادية للكيان العبري في إيران؟ ناهيك عن التوازن الإقليمي بين الدول الكبرى؟
ماذا بقي من الثورة؟
بين من ينظر إلى الثورة على أنها من الماضي الذي شعر فيه المسلمون بقوة الإسلام وبالحلم الجميل معه وبين من يعتبرها متجذرة وليست محطة عابرة، يُمكن القول إن القيم التي ترفد المجتمع تبقى شريطة رفض روحية اليأس وفقدان الثقة.
الثورة تحيا إذا بقيت نهجاً متوالداً من داخل الذوات وعمق الكيان الجماعي وأتقنت ربط التراث الحضاري والديني بالمتطلبات المعاصرة وتحوّلت إلى قاعدة لحركة الحياة متسلحة بالوعي.
الواقع الإسلامي بأمس الحاجة إلى إعادة رسم حدود واضحة للتأثيرات المتبادلة بين الجسم الحوزوي في بعض توجهاته وخلفياته وبين الدولة كنظام يدير الواقع في علاقة موادعة نشطة ومثمرة بين السياسي والديني تلافياً للتوتر والتجاذب.
الفقه لم يكن حصراً فقه نجاة وصبر، بل هو فقه دولة لمشروع حياة أمة؛ من هنا خطورة تحويل الدين إلى أداة تخدير باستمرار بدل من أن يكون أداة فعل معرفي وحضاري غير منقطع للارتقاء بالواقع.
في الختام؛ حذار من تسعير لغة القومية (الفارسية) التي تُهدّد التماسك الداخلي في هذه اللحظة المصيرية حيث يعاد رسم خرائط النفوذ على قياس النظام العالمي الجديد تحت الهيمنة الأميركية.
يبقى الخيار في الوحدة الوطنية والصمود ومعالجة كل مكامن الضعف والفساد، فلا يجوز لمكتسبات شعب على مدى عقود أن تضيع.
لا بد من الحفاظ على المزاوجة بين إيران الدولة وإيران الثورة بما يمنع الانهيارات الأمنية والسياسية الكبرى التي يراد منها الإطاحة بالجميع في خضم ضغوط ومتغيرات تحصل في لحظة عالمية حرجة ومصيرية.
